![]() |
| سها البغدادي |
تحقيق .. سها البغدادي
تحقيق قانوني وإنساني حول استبعاد متقدمين لمسابقة المعلمين بسبب اللياقة والوزن.. وأحلام أوائل الخريجين أمام اختبار لا يقيس قدرتهم على التعليم
في الوقت الذي تعاني فيه المدارس المصرية من عجز في أعداد المعلمين، تتجدد أزمة استبعاد بعض المتقدمين لمسابقات التعيين بسبب معايير مرتبطة بالوزن واللياقة البدنية والاختبارات البدنية.
المفارقة التي تستحق التوقف أمامها: هل وظيفة المعلم تحتاج إلى أن يكون صاحبها رياضيًا بالمعنى العسكري، أم تحتاج قبل كل شيء إلى العلم والكفاءة والقدرة على الشرح والتواصل والتعامل مع الطلاب؟
القضية ليست دعوة لإلغاء الكشف الطبي أو تجاهل السلامة الصحية للمعلم، وإنما السؤال الأكثر دقة هو: هل معيار اللياقة المستخدم في التعيين مرتبط فعلًا بطبيعة وظيفة المعلم، وهل توجد آلية عادلة تفرق بين مشكلة صحية تمنع أداء العمل، وبين زيادة في الوزن لا تمنع صاحبها من أداء مهامه التعليمية؟
مسابقة المعلمين.. واللياقة أصبحت بوابة حاسمة
شروط التعيين في وظائف التعليم تتضمن بالفعل استيفاء المتطلبات القانونية والوظيفية، كما أن إجراءات التعاقد في مسابقات المعلمين تضمنت إثبات اللياقة الصحية واجتياز الكشف الطبي وتحليل المخدرات.
وينص قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981، في المادة 76، على أن التعيين أو التعاقد في وظائف التعليم يكون من خلال إعلان يوجه للكافة بما يكفل تحقيق تكافؤ الفرص، وأن تتم المفاضلة بين من يجتازون الاختبار وفق الضوابط القانونية.
إذن، وجود اختبار طبي أو بدني في حد ذاته لا يعني بالضرورة أن الإجراء غير قانوني، لكن السؤال القانوني الحقيقي هو: ما أساس الاختبار؟ وما علاقته المباشرة بمتطلبات الوظيفة؟ وهل طُبق على جميع المتقدمين وفق قواعد معلنة وواضحة؟
أوائل الخريجين أمام معادلة صعبة
قد يكون المتقدم حاصلًا على مؤهل تربوي، ودرجات مرتفعة، وناجحًا في الاختبارات المهنية، وقادرًا على الشرح والتواصل وإدارة الفصل، بل وربما من أوائل دفعته.
لكن إذا اعتُبر غير مستوفٍ لمعيار اللياقة المحدد للمسابقة، فقد تنتهي رحلته عند هذه النقطة.
وهنا يظهر السؤال الذي يطرحه المتضررون:
هل زيادة الوزن وحدها دليل على عدم صلاحية الإنسان لمهنة التدريس؟
الإجابة الطبية والقانونية ليست بهذه البساطة.
فاللياقة الصحية شيء، وقياس الوزن شيء آخر، والقدرة الوظيفية شيء ثالث.
ومن ثم فإن العدالة تقتضي – بحسب طبيعة كل حالة – التمييز بين شخص يعاني مرضًا أو عجزًا حقيقيًا يمنعه من أداء مهام الوظيفة، وبين شخص لديه زيادة في الوزن لكنه يتمتع بقدرة صحية ووظيفية تسمح له بممارسة التدريس بصورة طبيعية.
"نزلت وزني.. وبرضه اترفضت"
ومن أكثر الجوانب الإنسانية إثارة في القضية شهادات متقدمين يقولون إنهم حاولوا خفض أوزانهم قبل الاختبارات، وبعضهم بذل مجهودًا كبيرًا للوصول إلى الوزن المطلوب، أملاً في الحصول على فرصة التعيين، ثم فوجئوا بعد ذلك بعدم اجتيازهم الاختبارات.
وهذه الوقائع، متى ثبتت بالمستندات والشهادات الرسمية، تستحق التحقيق في مدى وضوح معيار الوزن، وطريقة حسابه، وتاريخ قياسه، وما إذا كانت هناك فرصة لإعادة القياس أو التظلم أو الفحص بواسطة لجنة مستقلة.
فالمتقدم الذي يخسر وظيفة بعد سنوات من الدراسة من حقه أن يعرف بوضوح:
لماذا رُفض؟ وما المعيار الذي فشل فيه؟ ومن الجهة التي قررت عدم لياقته؟ وهل يستطيع الطعن على النتيجة؟
الأزمة ليست جديدة
هذه ليست أول مرة تثار فيها أزمة اللياقة والوزن في مسابقات المعلمين.
ففي مسابقة الـ30 ألف معلم السابقة، تقدم عدد من المستبعدين بطعون أمام المحكمة الإدارية، وشملت الطعون حالات مرتبطة بالوزن والحمل واختبارات اللياقة البدنية والذهنية وكشف الهيئة. وأعلنت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن هيئة مفوضي الدولة أودعت تقارير في عدد من القضايا أوصت فيها بإلغاء قرارات استبعاد 86 متقدمًا ومتقدمة، وبأحقيتهم في التعيين، استنادًا – بحسب ما ورد في التقارير المنشورة – إلى توافر الشروط القانونية المعلنة لديهم.
لكن الأهم قانونيًا أن تقرير هيئة المفوضين ليس حكمًا قضائيًا نهائيًا، وهو ما يجب توضيحه حتى لا يتم تقديم التوصية باعتبارها حكمًا باتًا.
وفي المقابل، شهدت القضية أحكامًا لاحقة برفض بعض الطعون، ما يؤكد أن الملف ليس مسألة رأي واحد، وإنما قضية قانونية وإدارية تحتاج إلى النظر في شروط كل مسابقة وملف كل متقدم وسبب الاستبعاد على حدة.
هل اللياقة البدنية شرط منطقي للمعلم؟
هنا يجب التفريق بين أمرين.
الأول: التأكد من أن المعلم قادر صحيًا على أداء وظيفته، والوقوف والحركة والتعامل مع الطلاب، وألا تكون لديه حالة مرضية تشكل خطرًا عليه أو على الآخرين.
وهذا أمر منطقي ومشروع من حيث المبدأ.
الثاني: تحويل الوظيفة التعليمية إلى اختبار بدني شديد لا يرتبط بصورة مباشرة بالمهام الأساسية للمعلم.
وهنا يصبح من حق المجتمع أن يسأل:
ما الحد الضروري من اللياقة الذي تحتاجه وظيفة المعلم؟
فالمعلم ليس لاعب ألعاب قوى، وليس جنديًا في مهمة قتالية، وليس متقدمًا لوظيفة تعتمد أساسًا على القوة البدنية.
وظيفته الأساسية هي التعليم والتربية وإدارة الفصل والتواصل والتخطيط والشرح والتقييم وبناء شخصية الطالب.
ومن ثم، فإن أي معيار بدني يجب أن تكون له صلة واضحة ومباشرة بالوظيفة، وأن يكون موضوعيًا وقابلًا للقياس والتظلم.
ماذا يقول القانون؟
قانون التعليم يجعل التعيين في وظائف التعليم مرتبطًا بشروط الوظيفة وشهادة الصلاحية، كما يؤكد مبدأ الإعلان والمفاضلة وتكافؤ الفرص.
أما الدستور المصري فينص في المادة 14 على أن الوظائف العامة حق للمواطنين على أساس الكفاءة ودون محاباة أو وساطة.
وهذا لا يعني أن كل شخص حاصل على مؤهل يصبح مستحقًا تلقائيًا للتعيين، ولا يعني إلغاء الشروط الطبية أو الوظيفية.
لكن معناه أن شروط المسابقة يجب أن تكون:
- معلنة وواضحة.
- موحدة في التطبيق.
- مرتبطة بطبيعة الوظيفة.
- قابلة للفحص والمراجعة.
- غير قائمة على تقدير شخصي غير منضبط.
- وألا تتحول إلى وسيلة لاستبعاد شخص قادر فعليًا على أداء العمل دون أساس موضوعي.
وماذا عن الوزن تحديدًا؟
الوزن وحده لا يكفي طبيًا للحكم على قدرة الإنسان على أداء العمل.
فالتركيب الجسدي يختلف من شخص إلى آخر، كما تختلف الطول والكتلة العضلية والحالة الصحية والأمراض المزمنة والقدرة البدنية.
لذلك فإن السؤال المهني الصحيح ليس فقط:
"كم كيلو يزن المتقدم؟"
بل:
"هل حالته الصحية والبدنية تمنعه بالفعل من أداء المهام الأساسية لوظيفة المعلم؟"
وهنا تظهر أهمية أن يكون التقييم قائمًا على معايير طبية ووظيفية واضحة، وليس مجرد رقم منفصل عن بقية الحالة الصحية.
المعلم الذي خسر الوظيفة.. ماذا يحدث لنفسيته؟
هذه النقطة لا يجب التعامل معها باعتبارها تفصيلًا ثانويًا.
المتقدم لا يدخل المسابقة بمجرد رقم على جهاز.
وراء كل ملف سنوات من الدراسة، وأسرة تنتظر الوظيفة، ومصاريف دراسية، وأحلام مهنية، وربما سنوات من العمل بالحصة انتظارًا للتثبيت.
وعندما ينجح في مراحل الاختبارات ثم يخسر الفرصة بسبب معيار بدني، يمكن أن يشعر بـ:
الإحباط، والإهانة، وفقدان الثقة بالنفس، والغضب، والشعور بعدم العدالة، والخوف من المستقبل المهني.
ويزداد الأمر صعوبة إذا كان قد بذل مجهودًا حقيقيًا لإنقاص وزنه استعدادًا للاختبار ثم فوجئ بأن النتيجة لم تتغير.
وهنا قد يتحول الأمر من مجرد "عدم قبول في وظيفة" إلى أزمة نفسية مرتبطة بصورة الإنسان عن جسده وقيمته وقدرته على النجاح.
ولهذا فإن طريقة إعلان النتيجة والتعامل مع المتقدمين لا تقل أهمية عن الاختبار نفسه.
الدولة تحتاج معلمًا كفؤًا.. لا نموذجًا واحدًا للجسد
وزارة التربية والتعليم نفسها أعلنت في أبريل 2026 استمرار تنظيم مسابقات شغل وظائف معلم مساعد، في إطار جهود دعم المنظومة وسد الاحتياجات العاجلة من الكوادر التعليمية.
كما أن قضية نقص المعلمين ما زالت مطروحة بقوة في النقاش العام والبرلماني خلال 2026.
وهنا تصبح المسألة أكثر أهمية:
إذا كانت الدولة تبحث عن مدرسين لسد العجز، فمن الضروري ألا تخسر كفاءات تعليمية حقيقية بسبب معيار لا تكون علاقته بالوظيفة واضحة بما يكفي.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز أن يكون الحل هو إلغاء الفحص الطبي أو التغاضي عن الحالات الصحية التي يمكن أن تمنع الشخص فعليًا من أداء مهامه.
المطلوب هو التوازن، لا إلغاء المعايير.
الحل.. اختبار "القدرة على أداء الوظيفة"
يمكن أن يكون الحل في تطوير منظومة الاختبارات بحيث تركز على القدرة الوظيفية للمعلم.
أي أن يكون هناك تقييم طبي موضوعي يجيب عن سؤال محدد:
هل يستطيع هذا الشخص أداء مهام المعلم بأمان وكفاءة؟
مع وضع آليات واضحة لـ:
1. إعلان المعايير الطبية والبدنية قبل التقديم.
2. توضيح طريقة احتساب الوزن واللياقة.
3. عدم الاكتفاء بالوزن وحده للحكم على الصلاحية.
4. إتاحة إعادة الفحص في الحالات محل النزاع.
5. وجود لجنة طبية مستقلة للتظلمات.
6. تسليم المتقدم سبب الاستبعاد بصورة واضحة.
7. تمكين المتضرر من الحصول على مستندات نتيجته وفق القانون.
8. عدم التمييز بين المتقدمين في تطبيق المعايير.
9. مراجعة مدى ارتباط كل اختبار بالمهام الفعلية للمعلم.
10. دراسة الحالات التي يمكن علاجها أو تحسينها بدلًا من إغلاق باب الوظيفة نهائيًا.
ومن حق المعلم أن يتظلم
إذا كان المتقدم يرى أن استبعاده تم بالمخالفة لشروط الإعلان أو نتيجة معيار غير معلن أو تطبيق غير متساوٍ، فالمسار القانوني لا يتوقف عند الاعتراض على مواقع التواصل الاجتماعي.
يمكنه الاحتفاظ بكل مستنداته ونتائج الاختبارات وإفادة الاستبعاد، ثم مراجعة الجهة الإدارية المختصة، واستشارة محامٍ متخصص في المنازعات الإدارية لتحديد طريق التظلم والطعن المناسب وفق تفاصيل الحالة والمسابقة.
والأهم: لا يجوز افتراض أن كل من رُفض طبيًا مظلوم، كما لا يجوز افتراض أن كل قرار استبعاد صحيح لمجرد صدوره.
كل حالة تحتاج إلى فحص قانوني وطبي مستقل.

تعليقات
إرسال تعليق