سها البغدادي
إن الدخول في حرب على أرض ليست أرضنا، وفي مواجهة مليشيات مسلحة ومدربة تجيد القتال في التضاريس الجبلية، ولا تلتزم بالضرورة بقواعد الاشتباك التقليدية، ينطوي على مخاطر استراتيجية لا يمكن الاستهانة بها. فالتورط في هذه المواجهة قد يفتح جبهات جديدة، ويمنح التنظيمات الإرهابية فرصة لاستغلال انشغال الدولة المصرية، بما يهدد أمنها من أكثر من اتجاه، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتشابك المصالح والصراعات.
يا سيادة الرئيس، مصر ليست مطالبة بدفع ثمن أخطاء الآخرين، والسعودية عليها أن تتحمل مسؤولية خياراتها السياسية والعسكرية.
فالسعودية، وفقًا لهذا الطرح، تتحمل مسؤولية إضعاف القوات الجنوبية التي خاضت مواجهات ضد الحوثيين، وكانت تمتلك خبرة ميدانية بطبيعة الأرض وأساليب القتال. ومن ثم، فإن معالجة الأزمة لا تكون بتحميل الجيش المصري أعباء حرب جديدة، وإنما بإعادة بناء القوة المحلية القادرة على خوضها.
إذا أردنا الوصول إلى حل عملي، فإن الأولى هو العمل على إعادة ترتيب المشهد الجنوبي، وتهيئة الظروف لعودة قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، ودعم القوات الجنوبية بالسلاح والعتاد والرواتب اللازمة، بما يمكّنها من استعادة قدرتها على مواجهة الحوثيين، مستندة إلى معرفتها بطبيعة الأرض الجبلية، وخبرتها بأساليب القتال المحلية، وقدرتها على التعامل مع تكتيكات الخصم.
فحرب اليمن ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حربًا يمكن حسمها بالقوة الجوية وحدها.
لقد حملت تجربة التدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي دروسًا قاسية بشأن صعوبة القتال في التضاريس الجبلية، وتعقيدات البيئة المحلية، وأهمية فهم المجتمع والقبائل واللهجات وأساليب الحرب غير التقليدية. فالخصم الذي يتحصن في الجبال والأنفاق، ويعتمد على الكمائن والاستنزاف، قد لا تؤثر فيه الضربات الجوية بالقدر الذي يتوقعه البعض، ما لم تتوافر معلومات دقيقة وقوات برية تمتلك الخبرة المناسبة.
ومصر، بما تملكه من جيش قوي وقدرات عسكرية كبيرة، ليست في حاجة إلى إثبات قوتها عبر الانخراط في كل صراع إقليمي، بل إن قوتها الحقيقية تكمن أيضًا في حسن تقدير المواقف، وحماية حدودها، وتجنب الاستنزاف العسكري والاقتصادي، والحفاظ على جاهزيتها لمواجهة أي تهديد مباشر لأمنها القومي.
أما الحديث عن احتمال فتح جبهات أخرى أو استغلال جماعات مسلحة للأزمة، فيجب أن يكون جزءًا من حسابات الأمن القومي، لا مبررًا للاندفاع نحو حرب غير محسوبة. فالمطلوب هو منع اتساع الصراع، لا التورط في مسارات قد تزيده تعقيدًا.
إن دعم القوى المحلية القادرة على مواجهة الحوثيين، والضغط على الأطراف الإقليمية لتحمل مسؤولية قراراتها، والعمل على تسوية سياسية تحمي أمن المنطقة، كلها خيارات تستحق الدراسة قبل التفكير في إرسال قوات مصرية إلى حرب جديدة.
لقد تعلمنا من التاريخ أن الحروب لا تُحسم بالشجاعة وحدها، وإنما بفهم الأرض، ومعرفة الخصم، وتحديد الهدف، وحساب تكلفة النصر والخسارة.
حماية مصر أولًا.. فليس كل صراع إقليمي حربًا يجب أن نخوضها، وليس من الحكمة أن ندفع ثمن أخطاء لم نصنعها.

تعليقات
إرسال تعليق