مصر ليست بحاجة إلى حرب جديدة.. لماذا يُعدّ التدخل السياسي في اليمن أكثر حكمة من المواجهة العسكرية مع الحوثيين؟
تقدير موقف استراتيجي وعسكري | بقلم سها البغدادي
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وتعدد التهديدات المحيطة بالأمن القومي المصري، يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع مصر خوض مواجهة عسكرية ضد الحوثيين؟ بل: هل يحقق التدخل العسكري أهداف مصر الاستراتيجية، أم يفتح جبهة استنزاف جديدة في توقيت بالغ الحساسية؟
من وجهة نظري، فإن الخيار الأكثر اتزانًا هو أن تقود مصر تحركًا سياسيًا ودبلوماسيًا محايدًا، يستهدف حماية الملاحة الدولية، وخفض التصعيد، ومنع اتساع الصراع، مع الاحتفاظ بحقها في حماية مصالحها وفق القانون الدولي. فالقوة العسكرية المصرية ليست موضع شك، لكن الحكمة الاستراتيجية تقتضي اختيار المعركة التي تحقق الأمن الوطني بأقل تكلفة ممكنة، وليس الدخول في كل مواجهة تفرضها ظروف المنطقة.
أولًا: الحوثيون.. قوة لا يجوز الاستهانة بها
من الخطأ التعامل مع جماعة الحوثيين باعتبارها مجرد تشكيل مسلح محدود الإمكانات. فقد تطورت قدراتها خلال سنوات الحرب، وأصبحت تمتلك ترسانة تشمل الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز المضادة للسفن والطائرات المسيّرة، فضلًا عن الألغام البحرية والقدرات غير التقليدية التي تسمح لها بتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وتشير تقارير فريق خبراء الأمم المتحدة والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية إلى أن الحوثيين طوروا بعض قدراتهم التصنيعية المحلية، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة، مع استمرار اعتمادهم على الدعم الخارجي والتقنيات والمكونات المستوردة في عدد من منظومات الأسلحة الأكثر تعقيدًا.
ووفقًا لتقرير أممي صدر عام 2025، عرض الحوثيون أو أعلنوا عن منظومات يصل مداها المعلن إلى نحو 2,150 كيلومترًا. لكن من الضروري التمييز بين المدى المعلن والمدى الذي جرى التحقق منه مستقلًا، وبين الصواريخ بعيدة المدى والصواريخ العابرة للقارات؛ فلا تتوافر أدلة موثوقة تثبت امتلاك الحوثيين صواريخ عابرة للقارات بالمعنى العسكري الدقيق.
المصدر: تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن، 15 أكتوبر 2025، والمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أبريل 2025.
ثانيًا: لماذا لا تكفي الضربات الجوية لحسم المعركة؟
تُظهر التجارب السابقة أن التفوق الجوي والتكنولوجي لا يضمنان بالضرورة إنهاء تهديد جماعة مسلحة متجذرة في بيئة جغرافية واجتماعية معقدة.
فالتضاريس الجبلية في اليمن، وتوزع المنشآت العسكرية، واستخدام المواقع المتحركة، والاعتماد على منصات إطلاق يمكن نقلها أو إخفاؤها، كلها عوامل تزيد صعوبة الوصول إلى حسم سريع. كما أن الضربات الجوية قد تدمر أهدافًا مهمة، لكنها لا تضمن القضاء على القدرة على إطلاق الصواريخ والمسيّرات بصورة نهائية.
وقد ألحقت الحملة الأمريكية عام 2025 أضرارًا بالحوثيين، لكنها لم تُنهِ قدرتهم على تهديد الملاحة. وتؤكد هذه التجربة أن النجاح في تدمير أهداف عسكرية محددة يختلف عن تحقيق هدف استراتيجي دائم.
ومن هنا، فإن دخول مصر في حملة جوية طويلة قد يفرض تكاليف متزايدة في الذخائر الدقيقة، وساعات الطيران، والصيانة، والاستطلاع، والدفاع الجوي، وحماية القوات والمنشآت، دون ضمان تحقيق نتيجة نهائية تتناسب مع حجم الإنفاق والمخاطر.
كما أن أي عمليات داخل مناطق مأهولة ترفع مخاطر سقوط ضحايا مدنيين، وهو ما قد يؤدي إلى تعقيد الموقف السياسي وإطالة أمد الصراع.
المصادر: [رويترز – تقييم أثر الحملة الأمريكية على الحوثيين، مايو 2025](https://www.investing.com/news/world-news/us-bombing-dents-but-doesnt-destroy-houthi-threat-in-yemen-4029274)، و[خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي – اليمن وأمن البحر الأحمر](https://www.everycrsreport.com/reports/R48942.html).
ثالثًا: التدخل البري.. أخطر السيناريوهات وأكثرها تكلفة
إن أي تدخل بري مصري واسع داخل اليمن سيواجه تحديات مختلفة عن تلك التي تواجهها الجيوش في ساحات القتال المفتوحة.
فالقتال في بيئة جبلية، ضد خصم يمتلك خبرة طويلة في حرب العصابات والكمائن والعبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع، يمكن أن يحول التقدم الميداني إلى التزام عسكري طويل الأمد، يحتاج إلى خطوط إمداد آمنة، وقوات إسناد، وإخلاء طبي، وحماية مستمرة للقوات.
ولا يعني ذلك أن الجيش المصري عاجز عن القتال البري؛ فمصر تمتلك جيشًا نظاميًا كبيرًا وخبرات قتالية متنوعة. لكن الفارق جوهري بين القدرة على تنفيذ عملية عسكرية، والقدرة على إنهاء حرب غير متكافئة جغرافيًا وسياسيًا دون استنزاف ممتد.
وكلما توسعت العملية، ازدادت احتمالات الخسائر البشرية والمالية، وارتفعت الحاجة إلى تدوير القوات وتأمين الإمدادات وحماية المنشآت الحيوية، بينما يظل الخصم قادرًا على مواصلة عمليات محدودة حتى بعد خسارة مواقع أو أسلحة.
ولهذا، فإن الزج بقوات برية مصرية في حرب مفتوحة داخل اليمن لا يبدو خيارًا مناسبًا ما لم يوجد تهديد مباشر يستدعيه، وهدف سياسي واضح، وشرعية قانونية، وخطة خروج قابلة للتنفيذ.
رابعًا: المواجهة البحرية.. حماية الملاحة لا تعني احتلال ساحة الصراع
يمتلك الجيش المصري قدرات بحرية معتبرة، وتتمثل مصلحته الأساسية في ضمان أمن البحر الأحمر، وحماية حركة التجارة، وتأمين المداخل الجنوبية للممرات البحرية المرتبطة بقناة السويس.
لكن مواجهة تهديدات غير متماثلة في بيئة بحرية ضيقة نسبيًا قد تفرض أعباء مستمرة؛ إذ يمكن أن تتعرض السفن والطواقم لتهديدات من صواريخ ساحلية ومسيّرات وألغام وزوارق هجومية، فضلًا عن الحاجة إلى المراقبة المستمرة وحماية خطوط الملاحة.
والمشكلة ليست في قدرة البحرية المصرية على المشاركة في تأمين الملاحة، بل في تحوّل المهمة الدفاعية المحدودة إلى حملة هجومية مفتوحة، تتطلب انتشارًا طويل الأمد وتستهلك موارد كان يمكن تخصيصها لمهام أخرى.
لذلك، فإن المشاركة في ترتيبات دولية أو إقليمية لحماية الملاحة، وتبادل المعلومات، وتأمين الممرات البحرية، قد تحقق لمصر مكاسب أكبر من الانخراط في مواجهة شاملة مع الحوثيين.
خامسًا: المقارنة الحقيقية بين الجيش المصري والحوثيين
لا تجوز المقارنة بين الجيش المصري وجماعة الحوثيين باعتبارهما قوتين متماثلتين؛ فالأول جيش دولة يمتلك قوات جوية وبحرية وبرية، ومنظومات قيادة وإمداد ومؤسسات عسكرية متكاملة، بينما يعتمد الحوثيون على مزيج من الصواريخ والمسيّرات والقوات البرية والانتشار المحلي والحرب غير النظامية.
يمتلك الجيش المصري تفوقًا واضحًا في القوة النظامية الشاملة، والقدرات الجوية والبحرية، وحجم الموارد البشرية والتنظيم المؤسسي. لكن الحوثيين يستفيدون من انخفاض تكلفة بعض وسائل الهجوم، ومن قدرتهم على إخفاء منصات الإطلاق، ومن استغلال الجغرافيا، ومن تحويل حماية الملاحة والمنشآت إلى مهمة مكلفة للخصم.
وهنا تظهر معادلة الاستنزاف: قد تكون تكلفة المسيّرة أو الصاروخ أقل كثيرًا من تكلفة منظومة الاعتراض المستخدمة لمواجهته، خصوصًا إذا تكررت الهجمات بأعداد كبيرة. ومع ذلك، لا تعني هذه المعادلة أن كل هجوم حوثي ينجح أو أن الدفاعات المصرية عاجزة؛ فالنتائج تتوقف على نوع التهديد، وكفاءة الإنذار المبكر، وتكامل منظومات الدفاع، وطبيعة المهمة ومدتها.
إن التفوق العسكري المصري يمنح القاهرة خيارات واسعة، لكنه لا يلغي ضرورة الحساب الدقيق للتكلفة والهدف والمدة والنتيجة السياسية المتوقعة.
سادسًا: مصر محاطة بتحديات استراتيجية لا تسمح بتجاهل الجبهات الأخرى
إن أخطر ما في فتح جبهة جديدة ليس فقط تكلفة المعركة نفسها، بل احتمال تزامنها مع أزمات قائمة أو تصاعد تهديدات على اتجاهات أخرى.
1. الحدود الغربية وليبيا
تفرض حالة عدم الاستقرار والانقسام الأمني في ليبيا ضرورة استمرار المراقبة وحماية الحدود الغربية، ومواجهة مخاطر التهريب وتسلل السلاح والعناصر المسلحة. وأي انشغال عسكري إضافي يجب أن يُقيّم وفق أثره على توزيع القوات والموارد، دون افتراض أن مجرد بدء حرب خارجية سيؤدي تلقائيًا إلى انهيار الأمن الحدودي.
2. سيناء والحدود الشرقية وغزة
تظل سيناء منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، في ظل تعقيدات المشهد الفلسطيني، وأمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وحماية المنشآت والبنية التحتية. وأي تصعيد إقليمي واسع قد يزيد الضغط على أجهزة الدولة، ويستدعي جاهزية مستمرة للتعامل مع تطورات مفاجئة.
ولا يعني ذلك أن الجبهة الشرقية ستشتعل بالضرورة إذا تدخلت مصر في اليمن، بل إن التخطيط المسؤول يفترض الاستعداد لعدة احتمالات بدلًا من بناء القرار على سيناريو واحد.
3. السودان وقوات الدعم السريع
تُعد الحرب السودانية من أبرز التحديات للأمن القومي المصري، بسبب طول الحدود المشتركة، وتداعيات النزوح، وانتشار السلاح، واحتمالات تفكك مؤسسات الدولة السودانية.
كما أن امتداد مناطق سيطرة قوات الدعم السريع إلى أجزاء من غرب السودان ومناطق قريبة من الحدود المصرية، وفق تقييمات منشورة عن الوضع الميداني في 2026، يفرض متابعة دقيقة لتطورات النزاع ومسارات التهريب والتحركات المسلحة.
إن استقرار السودان ووحدة مؤسساته وقدرة الدولة على ضبط أراضيها مسائل تتجاوز حدود التضامن السياسي؛ فهي ترتبط مباشرة بأمن مصر الجنوبي، وباستقرار الإقليم، وبقدرة القاهرة على منع انتقال الفوضى عبر الحدود.
المصدر: [تقييم الوضع الأمني في السودان – الحكومة البريطانية، يوليو 2026](https://www.gov.uk/government/publications/sudan-country-policy-and-information-notes/country-policy-and-information-note-security-situation-sudan-july-2026-accessible).
سابعًا: سد النهضة.. تهديد استراتيجي يستوجب الحساب العلمي لا التهويل
يمثل سد النهضة ملفًا بالغ الحساسية للأمن المائي المصري، لأن نهر النيل يشكل المصدر الرئيسي للمياه العذبة في مصر. وتزداد أهمية إدارة هذا الملف في ظل الحاجة إلى قواعد واضحة لتشغيل السد، وتبادل البيانات، والتعامل مع فترات الجفاف والطوارئ.
لكن القول إن صاروخًا واحدًا سيؤدي حتمًا إلى غرق مصر بالكامل ليس استنتاجًا علميًا يمكن الجزم به. فأثر أي ضرر جسيم يصيب السد يتوقف على طبيعة الضرر وموقعه وحجمه، ومستوى المياه والتدفقات وقت وقوعه، وآليات الإنذار وإدارة الطوارئ، فضلًا عن طبيعة المنشآت المتأثرة.
ومع ذلك، فإن احتمال وقوع حادث جسيم أو تعطل مفاجئ في منظومة السد يستدعي تقييمًا هندسيًا مستقلًا، ونمذجة لسيناريوهات الفيضان، وتبادلًا للبيانات، وخططًا للطوارئ وحماية السكان والبنية التحتية.
والأولوية المصرية هنا هي بناء منظومة ردع دبلوماسي وقانوني، وتعزيز القدرات الفنية والإنذار المبكر، وإدارة المخاطر المائية بالتوازي مع حماية الأمن الإقليمي. فملف بهذا الحجم لا ينبغي التعامل معه بالشعارات أو التهويل، وإنما بالتخطيط العلمي طويل المدى.
المصدر: [معهد الاقتصادات النامية – تداعيات سد النهضة على أمن النيل والبحر الأحمر، فبراير 2026](https://www.ide.go.jp/Japanese/Publish/Reports/AjikenPolicyBrief/269.html).
ثامنًا: الاقتصاد المصري.. تكلفة الحرب لا تتوقف عند فاتورة السلاح
تحتاج أي عملية عسكرية خارج الحدود إلى تمويل مستمر للوقود والذخائر والصيانة والنقل والإمداد والتأمين الطبي، فضلًا عن تعويض الخسائر وإعادة تأهيل المعدات.
وفي المقابل، تواجه مصر احتياجات اقتصادية وتنموية داخلية، تشمل دعم الإنتاج والتشغيل والخدمات العامة، والحفاظ على استقرار الأسواق، وتوفير العملة الأجنبية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية.
وقد أوضح صندوق النقد الدولي، في تقريره الخاص بمصر لعام 2025، أن اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر أدت إلى انخفاض إيرادات قناة السويس بنحو 6 مليارات دولار خلال عام 2024 مقارنة بعام 2023. وهذا يوضح أن الصراع البحري قد يفرض تكلفة اقتصادية على مصر حتى دون دخولها حربًا مباشرة.
وإذا أضيفت إلى ذلك تكلفة تدخل عسكري طويل، فقد تتسع الضغوط على الموازنة والاحتياطيات والإنفاق المدني، بحسب حجم العملية ومدتها ومصادر تمويلها.
ولا يصح الجزم بأن أي حرب ستؤدي حتمًا إلى انهيار الاقتصاد، لكن من الخطأ أيضًا تجاهل التكلفة البديلة: ما الذي قد تخسره مصر من مشروعات وخدمات واستثمارات إذا استُنزفت موارد إضافية في صراع لا تملك وحدها تحديد نهايته؟
المصدر: [صندوق النقد الدولي – مشاورات المادة الرابعة ومراجعة برنامج مصر، 2025](https://www.elibrary.imf.org/view/journals/002/2025/186/article-A001-en.xml).
تاسعًا: المعنويات الشعبية.. الجبهة الداخلية جزء من الأمن القومي
القوة العسكرية لا تنفصل عن قوة الاقتصاد والمجتمع وثقة المواطنين في قدرة الدولة على حماية مصالحهم. فالحرب الطويلة قد تفرض خسائر بشرية، وضغوطًا على الأسعار والإنفاق العام، ومخاوف اجتماعية، خصوصًا إذا لم يكن الهدف السياسي واضحًا أو لم يشعر المواطنون بوجود ضرورة مباشرة للتدخل.
وفي المقابل، يستطيع الشعب المصري تحمّل تكاليف كبيرة عندما تتضح ضرورة الدفاع عن الوطن، وتكون الأهداف محددة، وتتوفر المعلومات الموثوقة، وتوزع الأعباء بصورة عادلة.
لذلك، فإن الحفاظ على المعنويات لا يتحقق بتضخيم قدرات الخصم أو التقليل منها، ولا بتصوير الحرب باعتبارها نزهة عسكرية، وإنما بالشفافية، ووضوح الأهداف، وتقدير المخاطر، وتجنب القرارات التي قد تضع الدولة أمام التزامات مفتوحة لا يمكن تحديد سقفها الزمني أو المالي.
عاشرًا: ما البديل الاستراتيجي الذي يخدم مصر؟
إن رفض التدخل العسكري المباشر لا يعني الوقوف مكتوفي الأيدي أمام تهديد الملاحة أو تجاهل تطورات اليمن. بل يتيح للقاهرة توظيف أدواتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية بما يحفظ مصالحها ويقلل فرص التصعيد.
ويمكن أن يرتكز التحرك المصري على خمسة مسارات:
1. الوساطة السياسية:
فتح قنوات تواصل مع الأطراف اليمنية والإقليمية، والعمل على تفاهمات تمنع استهداف السفن التجارية وتخفض التصعيد.
2. الحياد العملي:
عدم تحويل مصر إلى طرف في صراع إقليمي بالوكالة، مع التمسك بالقانون الدولي ورفض الاعتداء على المدنيين والسفن التجارية.
3. حماية الملاحة:
تعزيز التعاون البحري وتبادل المعلومات والإنذار المبكر، ودعم ترتيبات أمنية واضحة ومتناسبة مع التهديد.
4. تأمين الجبهات الأخرى:
الحفاظ على جاهزية القوات على الحدود الغربية والشرقية والجنوبية، ومتابعة تطورات السودان وليبيا وغزة، مع تعزيز خطط الطوارئ المتعلقة بالأمن المائي.
5. الاستعداد دون التورط:
الاحتفاظ بالقدرة على الردع والدفاع عن المصالح المصرية إذا تعرضت لتهديد مباشر، مع اشتراط وضوح الهدف والشرعية والتناسب وخطة الخروج لأي عملية عسكرية محتملة.
القوة ليست في عدد الحروب التي نخوضها، بل في قدرتنا على حماية الدولة
إن مصر دولة محورية تمتلك من القدرات العسكرية والسياسية ما يؤهلها للدفاع عن مصالحها، لكن مسؤولية القيادة الاستراتيجية تقتضي النظر إلى المشهد كاملًا، لا إلى ساحة القتال وحدها.
فالحوثيون ليسوا قوة عابرة يمكن افتراض أن ضربات محدودة ستنهي خطرها، كما أن التفوق العسكري المصري لا يعني أن كل تدخل عسكري سيكون بالضرورة قرارًا رابحًا. وبين الأمرين توجد حسابات الجغرافيا، والوقت، والاقتصاد، والخسائر البشرية، وردود الفعل الإقليمية، واحتمالات اتساع الصراع.
إن مصر ليست مطالبة بإثبات قوتها عبر الدخول في حرب جديدة، بل بتوظيف قوتها لمنع الحرب عندما يكون ذلك ممكنًا، وحماية أمنها عندما يصبح الدفاع ضرورة.
ومن هنا، أرى أن "التدخل السياسي المصري المحايد، المدعوم بأدوات الردع والدبلوماسية والتنسيق الإقليمي، هو الخيار الأجدر بالتقديم على التدخل العسكري المباشر" ما دام لا يوجد تهديد مباشر يستلزم استخدام القوة.
فالأمن القومي المصري منظومة واحدة؛ تبدأ من مياه النيل، وتمتد إلى حدود السودان وليبيا وسيناء، وتصل إلى البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس. وأي قرار استراتيجي يجب أن يحمي هذه المنظومة بأكملها، لا أن يحقق مكسبًا محدودًا في جبهة على حساب مخاطر أوسع في جبهات أخرى.
مصر تحتاج إلى قرار يحمي قوتها، ويصون مقدرات شعبها، ويمنع استنزاف جيشها في حرب مفتوحة، دون التفريط في حقها في الدفاع عن أمنها ومصالحها.
بقلم: سها البغدادي

تعليقات
إرسال تعليق