دراسة استراتيجية ترصد سيناريوهات التدخل المصري برًا وجوًا وبحرًا، والخسائر والمكاسب المحتملة، ومخاطر الإرهاب والحدود، وانعكاسات الحرب على قناة السويس والسياحة والأمن المائي المصري وملفي السودان وإثيوبيا.
بقلم: سها البغدادي
مقدمة
قرار الحرب لا يُقاس بالقوة العسكرية وحدها
في ظل تصاعد التوترات في البحر الأحمر وتعقيدات المشهد اليمني، يبرز تساؤل استراتيجي بالغ الأهمية: ماذا لو قررت مصر التدخل عسكريًا ضد جماعة الحوثي، عبر عمليات برية وجوية وبحرية؟ وهل تستطيع القاهرة تحقيق أهدافها الأمنية دون الدخول في حرب استنزاف طويلة، أو تعريض مصالحها الاقتصادية وأمنها الإقليمي لمخاطر إضافية؟
لا يتعلق السؤال بقدرة القوات المسلحة المصرية على خوض المعارك، وإنما بطبيعة الحرب وأهدافها وحدودها، وبمدى توافق المكاسب المتوقعة مع التكاليف العسكرية والاقتصادية والسياسية. فالتفوق العسكري التقليدي لا يضمن وحده حسم الصراعات غير المتكافئة، خصوصًا عندما يكون الخصم متمركزًا في تضاريس جبلية معقدة، ويعتمد على الصواريخ والمسيّرات والكمائن والتحصينات والأنفاق، ويستطيع مواصلة القتال رغم تعرضه لضربات جوية.
وتزداد حساسية هذا الاحتمال لأن مصر لا تواجه تحديًا إقليميًا منفردًا؛ إذ تتقاطع أزمة البحر الأحمر مع التوترات في السودان، والخلاف حول مياه النيل، والتحديات الأمنية على الحدود الغربية والجنوبية، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية واحتياجات الدولة التنموية.
ومن ثم، فإن أي قرار بالتدخل ينبغي أن يستند إلى تقدير شامل للأمن القومي، لا إلى حسابات المعركة وحدها.
أولًا: طبيعة الحرب ضد الحوثيين.. لماذا لا يكفي التفوق العسكري؟
تختلف المواجهة مع الحوثيين عن الحروب التقليدية التي تعتمد على خطوط تماس واضحة، وأهداف عسكرية ثابتة، وقدرة الطرف المتفوق على فرض سيطرته الجوية والبرية خلال فترة زمنية محددة.
فالجماعة تمتلك خبرة متراكمة في القتال داخل البيئة اليمنية، وتستفيد من الطبيعة الجبلية، وصعوبة التضاريس، وانتشار التحصينات، وتعدد المسارات التي يمكن استخدامها للحركة والإمداد. كما أن امتلاكها قدرات صاروخية ومسيّرات يمنحها وسائل للرد خارج نطاق المواجهة البرية المباشرة.
وفي مثل هذه البيئة، قد تنجح الضربات الجوية في تدمير أهداف عسكرية أو إضعاف بعض القدرات، لكنها لا تضمن القضاء على الخصم أو إنهاء قدرته على مواصلة القتال. وقد يؤدي غياب الحسم السياسي إلى استمرار العمليات، حتى بعد تحقيق مكاسب ميدانية.
وتقدم تجربة التدخل المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي درسًا مهمًا في هذا السياق؛ إذ أظهرت أن القتال في بيئة جبلية وقبلية يفرض تحديات تتجاوز القوة النارية، وأن فهم المجتمع المحلي وطبيعة التحالفات والخصومات الداخلية عنصر أساسي في أي استراتيجية عسكرية.
ولا يعني ذلك أن ظروف الماضي تتطابق مع الحاضر، لكن الدرس الاستراتيجي يظل قائمًا: "النجاح في تدمير أهداف عسكرية لا يساوي بالضرورة النجاح في إنهاء الحرب''.
ثانيًا: سيناريوهات التدخل المصري.. من حماية الملاحة إلى الحرب البرية
يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية للتدخل المصري، تختلف في أهدافها ومستوى المخاطر والتكلفة المتوقعة.
السيناريو الأول: تدخل بحري وجوي محدود
يقوم هذا السيناريو على حماية الملاحة في البحر الأحمر، وتأمين السفن والممرات الحيوية، والمشاركة في إجراءات دفاعية أو عمليات عسكرية محدودة ضمن إطار قانوني واضح وتنسيق مع الأطراف المعنية.
ويُعد هذا المسار الأقل استنزافًا نسبيًا مقارنة بالتدخل البري الواسع، لكنه لا يخلو من المخاطر. فقد تتعرض السفن أو المصالح المرتبطة بالعملية لتهديدات، وقد يؤدي اتساع المواجهة إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، فضلًا عن احتمالات الرد الصاروخي أو استخدام المسيّرات.
وتتمثل المكاسب المحتملة في تعزيز قدرة مصر على حماية مصالحها البحرية، وإظهار التزامها بأمن البحر الأحمر، والمساهمة في خفض التهديدات التي تؤثر في حركة التجارة الدولية.
أما الخطر الرئيسي، فيتمثل في أن تتحول المهمة المحدودة تدريجيًا إلى مواجهة أوسع، إذا لم تحقق الإجراءات الدفاعية هدفها أو إذا توسعت الهجمات والردود المتبادلة.
السيناريو الثاني: حملة جوية وبحرية واسعة
في هذا السيناريو، تتجاوز العمليات حماية الملاحة إلى حملة عسكرية أوسع تستهدف إضعاف القدرات الصاروخية والمسيّراتية والعسكرية للحوثيين، بالتزامن مع إجراءات بحرية لحماية الممرات التجارية.
وقد تحقق هذه الحملة نتائج عسكرية ملموسة، لكنها ستحتاج إلى موارد أكبر، وذخائر وصيانة وإمداد مستمر، مع احتمالات ارتفاع الخسائر البشرية والمادية.
كما أن نجاح الضربات في تقليص بعض القدرات العسكرية لا يضمن توقف الهجمات بصورة نهائية؛ فقد يحتفظ الخصم بقدرات متفرقة، أو يعيد تنظيم صفوفه، أو يغير أساليب المواجهة.
وهنا تظهر معضلة استراتيجية أساسية: إذا استمرت التهديدات رغم الحملة الجوية، فهل تتوقف العمليات بعد تحقيق أهدافها المحددة، أم تتجه الأطراف إلى توسيع التدخل برًا؟ إن غياب إجابة واضحة عن هذا السؤال قبل بدء الحرب قد يفتح الباب أمام التورط التدريجي.
السيناريو الثالث: تدخل بري مباشر وطويل الأمد
يمثل هذا السيناريو أعلى مستويات المخاطرة، خصوصًا إذا انتقلت المهمة من حماية الملاحة إلى القتال داخل الأراضي اليمنية بهدف السيطرة على مناطق أو إضعاف الحوثيين ميدانيًا.
فالعمليات البرية في بيئة جبلية معقدة قد تفرض تحديات كبيرة تتعلق بالإمداد، وحماية القوات، والإخلاء الطبي، ومواجهة الكمائن، والتعامل مع خصم يستطيع الاستفادة من معرفته بالأرض والمجتمع المحلي.
وقد تتمثل المكاسب المحتملة في التأثير المباشر في موازين السيطرة على الأرض، ودعم قوى محلية مناوئة للحوثيين، إذا توافرت قيادة متماسكة وقاعدة سياسية قادرة على إدارة المناطق بعد انتهاء العمليات.
لكن المخاطر تشمل سقوط قتلى ومصابين، وأسر أفراد من القوات المشاركة، وارتفاع الإنفاق العسكري، واحتمال امتداد الحرب لسنوات إذا لم يتحقق حسم سياسي.
والأخطر أن نجاح القوات المتدخلة في السيطرة على مواقع أو مناطق لا يعني بالضرورة القدرة على الحفاظ عليها أو بناء سلطة مستقرة فيها.
"الخلاصة العسكرية:"كلما اتسعت المهمة من حماية الملاحة إلى إسقاط الخصم أو السيطرة على الأرض، ارتفعت احتمالات الاستنزاف، وزادت صعوبة تحديد موعد واضح لإنهاء العمليات.
القرار المصري احتمال تزامن الحرب في اليمن مع تصاعد التهديدات على جبهات أخرى.
فالدولة التي تدخل مواجهة خارج حدودها تحتاج إلى الحفاظ على جاهزية قواتها المسلحة، واستمرار تأمين حدودها، وحماية المنشآت الحيوية، ومتابعة التطورات الأمنية والاستخباراتية في محيطها الإقليمي.
ولا يعني ذلك أن مشاركة مصر في اليمن ستؤدي تلقائيًا إلى إضعاف دفاعاتها أو فتح حدودها أمام الهجمات؛ إذ يعتمد الأمر على حجم القوات المشاركة، وطبيعة المهمة، والقدرة على إدارة العمليات بالتوازي مع الالتزامات الدفاعية الأخرى.
لكن الحرب الطويلة قد تفرض ضغوطًا إضافية على الموارد العسكرية والمالية، وتزيد تعقيد عملية توزيع الأولويات.
وتتمثل المعضلة في أن مصر قد تجد نفسها مضطرة إلى إدارة عدة ملفات في وقت واحد: مواجهة عسكرية في اليمن، وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، ومتابعة الحدود الغربية والجنوبية، وإدارة التوترات المتعلقة بالسودان ومياه النيل.
وفي هذه الحالة، لا يكون الخطر بالضرورة هجومًا مباشرًا ومتزامنًا على جميع الجبهات، وإنما تراكم الأزمات بما يرفع تكلفة الاستجابة ويقلص هامش المناورة الاستراتيجية.
رابعًا: هل تستغل الجماعات الإرهابية انشغال مصر بالحرب؟
يمثل احتمال استغلال الجماعات المتطرفة لأي انشغال أمني إضافي أحد السيناريوهات التي تستوجب الاستعداد، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى افتراض مؤكد أو مبرر لتضخيم المخاطر.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات محتملة.
المسار الأول هو محاولة بعض الجماعات إعادة تنشيط خلاياها أو تكثيف عمليات التجنيد والدعاية، مستفيدة من تصاعد التوتر الإقليمي أو من أي ثغرات أمنية تظهر نتيجة تغير الأولويات.
والمسار الثاني يتعلق بزيادة نشاط شبكات التهريب والجماعات المسلحة العابرة للحدود في مناطق عدم الاستقرار، خاصة في ليبيا والسودان، وهو ما قد يفرض تحديات إضافية على جهود تأمين الحدود.
أما المسار الثالث فيتمثل في الحرب الإعلامية؛ إذ قد تستغل جهات معادية أي خسائر عسكرية أو ضغوط اقتصادية لنشر الشائعات، والتشكيك في قدرة الدولة على إدارة الأزمات، وإثارة القلق بين المواطنين.
ومع ذلك، يجب التمييز بين قدرة هذه الأطراف على استغلال الأحداث وبين قدرتها الفعلية على تنفيذ هجمات. فالأمر يتوقف على إمكاناتها، ومستوى استعداد الأجهزة الأمنية، وطبيعة البيئة المحلية، ومدى توافر فرص حقيقية للتحرك.
ماذا عن احتمال دخول حماس على خط المواجهة؟
لا توجد قاعدة تحليلية تسمح بالجزم بأن حماس ستفتح جبهة ضد مصر لمجرد تدخلها في الحرب ضد الحوثيين. فالعلاقات السياسية أو التقاطعات الإقليمية لا تعني بالضرورة وجود قرار مشترك بالتصعيد العسكري.
ويتطلب تقييم هذا الاحتمال أدلة على وجود نية وقدرة وتنسيق فعلي، بدلًا من الاعتماد على افتراضات عامة بشأن التحالفات الإقليمية.
وتكمن الأولوية المصرية في منع انتقال الصراع إلى الأراضي المصرية، وحماية الحدود والمنشآت الحيوية، والحفاظ على قنوات الاتصال التي تساعد في احتواء التصعيد.
خامسًا: الاقتصاد المصري.. هل تدفع الدولة ثمن حرب طويلة؟
قد يكون التأثير الاقتصادي من أكثر النتائج اتساعًا، لأن الحرب لا تقتصر تكلفتها على النفقات العسكرية المباشرة، وإنما تمتد إلى التجارة والاستثمار والطاقة والعملات الأجنبية وثقة الأسواق.
وتظل قناة السويس في قلب هذه المعادلة؛ فهي ليست مجرد ممر ملاحي، وإنما مصدر مهم للعملة الأجنبية، وعنصر أساسي في موقع مصر داخل التجارة العالمية.
وقد أظهرت أزمة الملاحة في البحر الأحمر خلال الفترة السابقة أن اضطراب حركة السفن يمكن أن يضغط بشدة على إيرادات القناة، عندما تتجه شركات الشحن إلى مسارات بديلة لتجنب المخاطر.
وفي حالة تدخل مصر عسكريًا، قد تتباين النتائج وفق مسار الحرب.
إذا ساهم التدخل في خفض المخاطر البحرية واستعادة الثقة في الملاحة، فقد تستفيد مصر على المدى المتوسط من تحسن حركة العبور وعودة السفن إلى المسارات المعتادة.
أما إذا أدى التدخل إلى توسيع دائرة الصراع، فقد تتردد شركات الشحن في العودة، حتى إذا لم تتعرض قناة السويس نفسها لأي ضرر مادي.
وتكمن خطورة هذا الاحتمال في أن الخسائر قد تستمر بعد انتهاء العمليات؛ لأن قرارات شركات الشحن والتأمين تعتمد على تقييم المخاطر واستقرار البيئة الأمنية.
التأثير في العملة الأجنبية والأسعار
إذا تزامن تراجع إيرادات قناة السويس مع زيادة الإنفاق العسكري وارتفاع تكاليف استيراد الطاقة والشحن، فقد تواجه الدولة ضغوطًا إضافية على مواردها من النقد الأجنبي.
كما قد يؤدي ارتفاع تكاليف النقل والتأمين إلى زيادة أسعار بعض السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، بما ينعكس على تكاليف الصناعة والتجارة والقدرة الشرائية للمواطنين.
وقد تتأثر الاستثمارات أيضًا إذا اعتبرت الأسواق أن مصر أصبحت طرفًا في حرب طويلة أو أن المخاطر الإقليمية باتت أكثر صعوبة في التنبؤ.
لكن هذه النتائج ليست حتمية؛ إذ يتوقف حجم التأثير على مدة الحرب، ومدى اتساعها، واستقرار الأسواق العالمية، والسياسات الاقتصادية التي تتخذها الدولة.
والأهم أن الإنفاق العسكري الإضافي يجب أن يُقاس بتكلفته البديلة، أي ما قد يُؤجل أو يتراجع من استثمارات وخدمات ومشروعات تنموية إذا استمرت العمليات لفترة طويلة.
فالمعركة لا تُقاس فقط بما تنفقه الدولة لتحقيق أهدافها، وإنما أيضًا بما تخسره من فرص اقتصادية نتيجة توجيه الموارد إلى حرب ممتدة.
سادسًا: السياحة المصرية.. هل تهدد الحرب أحد أهم مصادر الدخل؟
تُعد السياحة من القطاعات الأكثر تأثرًا بالتصورات الأمنية، إذ يمكن أن تتغير قرارات المسافرين وشركات الطيران والسياحة حتى قبل وقوع أحداث مباشرة داخل الدولة المقصودة.
وإذا دخلت مصر الحرب ضد الحوثيين، فقد يتأثر القطاع وفق ثلاثة مستويات.
في المستوى الأول، إذا ظل التدخل محدودًا، وبقيت المدن والمطارات والمنتجعات مستقرة، فقد يكون التأثير محدودًا، خصوصًا إذا استمرت الرحلات الجوية بصورة طبيعية ولم تصدر تحذيرات سفر واسعة.
وفي المستوى الثاني، إذا اتسعت الحرب إقليميًا وارتفعت مخاطر الملاحة والطيران، فقد تتراجع الحجوزات في بعض الوجهات، وترتفع تكاليف التشغيل والتأمين، ويزداد تردد الأسواق السياحية في اتخاذ قرارات الحجز.
أما المستوى الثالث، فيرتبط بوقوع هجمات مباشرة داخل مصر أو ظهور تهديدات موثوقة للمطارات والمنشآت السياحية؛ وهو السيناريو الذي قد يفرض ضغوطًا أشد على القطاع.
وقد تتأثر السياحة الشاطئية في البحر الأحمر بصورة خاصة إذا ارتبطت المخاطر بالممرات البحرية أو الأجواء الإقليمية، بينما قد تختلف النتائج في القاهرة والأقصر وأسوان تبعًا للظروف الأمنية والطلب السياحي.
ومع ذلك، لا يصح الجزم بانهيار السياحة لمجرد دخول مصر الحرب؛ فقد تتمكن الدولة من احتواء الأثر إذا ظلت الأوضاع الداخلية مستقرة وكانت العمليات محدودة زمنيًا وجغرافيًا.
لكن الخطر الاقتصادي يتمثل في احتمال تزامن تراجع السياحة مع تراجع إيرادات قناة السويس، بما يزيد الضغط على موارد النقد الأجنبي في وقت ترتفع فيه النفقات العسكرية.
سابعًا: إثيوبيا ومياه النيل.. هل تتحول الحرب إلى فرصة لتوسيع النفوذ؟
يُعد ملف مياه النيل من الملفات الاستراتيجية التي لا تحتمل التوقف أو الإهمال، خصوصًا في ظل الخلافات الممتدة بشأن سد النهضة وقواعد الملء والتشغيل وإدارة الموارد المائية المشتركة.
وفي حالة انشغال مصر بحرب طويلة في اليمن، قد ترى إثيوبيا فرصة لتوسيع هامش تحركها الدبلوماسي، أو دفع مشروعاتها المائية وفق أولوياتها، أو تعزيز علاقاتها الإقليمية في القرن الإفريقي.
لكن يجب التمييز بين استغلال ظرف سياسي وبين القدرة على تنفيذ مشروعات مائية ضخمة؛ فبناء السدود يتطلب تمويلًا ودراسات هندسية وموارد فنية وفترات تنفيذ، ولا يتوقف فقط على انشغال دولة أخرى.
كما أن تأثير أي سد جديد على مصر لا يمكن تقديره بمجرد الإعلان عنه، بل يتطلب معرفة موقعه وحجمه والغرض منه وتأثيره المحتمل في تدفقات النيل وإدارة المياه.
السيناريو الأول: استغلال دبلوماسي للانشغال المصري
قد تحاول أديس أبابا تحسين موقعها التفاوضي أو توسيع شبكة علاقاتها الإقليمية إذا اعتقدت أن القاهرة أصبحت منشغلة بأولويات أمنية أخرى.
السيناريو الثاني: المضي في المشروعات المائية
قد تستمر إثيوبيا في تنفيذ مشروعاتها وفق خططها الاقتصادية والسياسية القائمة. وإذا توافرت الموارد والقدرات، فقد تتقدم بعض المشروعات بصرف النظر عن الحرب اليمنية.
السيناريو الثالث: زيادة صعوبة إدارة الخلاف
قد يؤدي تعدد الأزمات إلى تعقيد الجهود الدبلوماسية والفنية المطلوبة لإدارة ملف النيل، خاصة إذا تزامنت الحرب مع توترات إقليمية أخرى.
ومع ذلك، لا يوجد ما يبرر الجزم بأن إثيوبيا ستستغل الحرب لبناء سدود جديدة فورًا أو أن التدخل العسكري المصري سيؤدي حتمًا إلى تدهور الأمن المائي.
والاستجابة الأكثر فاعلية هي استمرار العمل الدبلوماسي والقانوني والفني، والحفاظ على تبادل المعلومات، وتطوير إدارة الموارد المائية محليًا، وعدم السماح لأي أزمة خارجية بتعطيل ملف بهذه الأهمية.
فالأمن المائي المصري لا ينبغي أن يصبح رهينة لتطورات الحرب في اليمن، كما أن معالجة الخلاف حول النيل تحتاج إلى أدواتها الخاصة، لا إلى افتراض أن كل أزمة إقليمية ستُحسم بالقوة العسكرية.
ثامنًا: السودان والدعم السريع.. هل يزداد الخطر على الحدود الجنوبية؟
يمثل السودان أحد أكثر الملفات ارتباطًا بالأمن القومي المصري، بحكم الجوار الجغرافي، والروابط الاجتماعية والاقتصادية، وأهمية استقرار الدولة السودانية بالنسبة إلى أمن المنطقة.
ومع استمرار الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وتعدد الأطراف المحلية والخارجية المؤثرة، فإن أي انشغال مصري إضافي قد يفرض تحديات جديدة على إدارة الأزمة.
لكن من المهم التأكيد أن انشغال مصر باليمن لا يعني تلقائيًا أن الدعم السريع سيهاجمها أو سيحقق مكاسب ميدانية. فهذه النتائج تعتمد على تطورات الصراع داخل السودان، والقدرات العسكرية للأطراف، ومصادر الدعم والإمداد، وحسابات القوى الإقليمية.
وتتمثل المخاطر المحتملة في ثلاثة جوانب رئيسية.
أولًا، احتمال محاولة بعض الأطراف المسلحة استغلال تغير الأولويات الإقليمية لتحسين مواقعها الميدانية أو توسيع نفوذها.
ثانيًا، استمرار حالة عدم الاستقرار قد يزيد مخاطر التهريب وانتقال السلاح ونشاط الشبكات العابرة للحدود، بما يفرض أعباء إضافية على جهود التأمين.
ثالثًا، قد يؤدي اتساع الحرب الإقليمية إلى تعقيد الاتصالات الدبلوماسية اللازمة لاحتواء الصراع السوداني ودعم مسارات التسوية.
ومن هنا، فإن الحفاظ على الجاهزية الأمنية على الحدود الجنوبية، ومواصلة متابعة التطورات السودانية، والعمل على منع تفكك مؤسسات الدولة، تمثل أولويات لا ينبغي أن تتراجع بسبب أي تدخل خارجي.
كما يجب عدم الخلط بين المخاطر الأمنية المحتملة وبين توجيه اتهامات غير مثبتة لأطراف بعينها بالتنسيق مع الحوثيين أو الجماعات الإرهابية.
تاسعًا: الحدود الغربية والجنوبية.. أين تكمن المخاطر الفعلية؟
لا يمكن تقييم التدخل المصري في اليمن بمعزل عن الوضع الأمني في ليبيا والسودان، حيث تتداخل الأزمات المحلية مع أنشطة التهريب وانتشار السلاح وحركة الجماعات المسلحة.
وقد يؤدي طول الحرب إلى زيادة الحاجة إلى الإنفاق الأمني والاستخباراتي، وإلى تعزيز التنسيق بين الأجهزة المسؤولة عن تأمين الحدود ومتابعة التهديدات العابرة للحدود.
لكن لا ينبغي افتراض أن تخصيص قوات لمهمة خارجية سيترك الحدود المصرية مكشوفة؛ فحجم التأثير يعتمد على طبيعة الانتشار العسكري، ومدى اعتماد العمليات الخارجية على القوات والموارد المخصصة للدفاع عن الأراضي المصرية.
ويمكن تقليل المخاطر من خلال استمرار الجاهزية الدفاعية، وتبادل المعلومات، ومراقبة شبكات التهريب، وحماية المنشآت الحيوية، مع الحفاظ على القدرة على الاستجابة لأي تطور طارئ.
والدرس الاستراتيجي هنا أن الأمن القومي لا يتطلب تجميد كل تحرك خارجي، بل يقتضي التأكد من أن أي تحرك لا يخلق ثغرات أكبر من التهديد الذي يسعى إلى معالجته.
عاشرًا: هل تتحمل السعودية مسؤولية أكبر في مواجهة الحوثيين؟
من الناحية السياسية والاستراتيجية، فإن الدول التي ترتبط مباشرة بالصراع اليمني وتملك مصالح ونفوذًا على أطرافه تتحمل مسؤولية مهمة في البحث عن حلول تمنع اتساع الحرب وتقلل كلفتها على المنطقة.
وقد يكون دعم القوى المحلية اليمنية القادرة على مواجهة الحوثيين أحد الخيارات المطروحة، شريطة أن يكون هذا الدعم جزءًا من استراتيجية واضحة، وأن يستند إلى قيادة متماسكة وأهداف سياسية قابلة للتحقيق.
وفي هذا السياق، يمكن بحث دور القوات الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي، ومدى قدرتها على المساهمة في مواجهة الحوثيين، في ضوء خبرتها المحلية وطبيعة انتشارها الميداني.
غير أن هذا الطرح يحتاج إلى تقييم واقعي لقدرات تلك القوات، ومدى تماسك قيادتها، وشرعيتها السياسية، وعلاقاتها ببقية الأطراف اليمنية، وقدرتها على الاستمرار في القتال والإدارة بعد أي مكاسب ميدانية.
كما أن توفير السلاح والعتاد والرواتب لا يكفي وحده لضمان الانتصار، ما لم يترافق مع تنسيق سياسي وعسكري، وخطة واضحة لتجنب اتساع النزاع الداخلي.
وبالنسبة إلى مصر، فإن دعم مسار إقليمي يهدف إلى خفض التهديدات البحرية وتقوية الحلول المحلية قد يكون أقل تكلفة من تحمل العبء الأكبر لحرب برية مفتوحة، إذا ثبتت فاعلية هذا المسار وتوافرت ضمانات نجاحه.
الحادي عشر: ما المكاسب المحتملة لمصر من التدخل؟
رغم المخاطر، لا يمكن تجاهل أن التدخل العسكري قد يحقق مكاسب إذا كانت أهدافه محددة وقابلة للتحقيق.
أول هذه المكاسب هو تقليل التهديدات التي تواجه السفن والممرات البحرية، إذا نجحت العمليات في خفض قدرة الحوثيين على تنفيذ الهجمات.
وثانيها تعزيز الردع، وإظهار قدرة مصر على حماية مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر، وهو ممر يرتبط بأمنها الاقتصادي ومكانتها الإقليمية.
وثالثها توسيع التعاون الأمني مع الدول المعنية بأمن الملاحة، بما قد يسهم في تحسين تبادل المعلومات والتنسيق الدفاعي.
ورابعها إمكانية التأثير في موازين القوى إذا توافرت استراتيجية سياسية متكاملة تضمن أن تؤدي النتائج العسكرية إلى تسوية أكثر استقرارًا.
لكن هذه المكاسب تظل احتمالات، وليست نتائج مضمونة. فقد تنجح العمليات في إضعاف بعض القدرات العسكرية، بينما تستمر الهجمات أو تتغير أساليبها، بما يجعل تحقيق الهدف السياسي النهائي أكثر صعوبة.
ولذلك، فإن تقييم أي تدخل يجب أن يحدد مسبقًا ما الذي تعتبره مصر نجاحًا، وما المدة المقبولة لتحقيقه، وما الشروط التي تستدعي إنهاء العمليات أو تعديلها.
الثاني عشر: الحساب النهائي.. ما تكلفة الحرب وما عائدها؟
لا يمكن تقديم أرقام دقيقة للخسائر البشرية أو المالية في حرب افتراضية قبل تحديد حجم القوات المشاركة، ومدة العمليات، وطبيعة المهمة، ومستوى الرد الحوثي، وحجم الدعم الخارجي، ومدى اتساع الحرب.
لكن يمكن تحديد عناصر التكلفة التي يجب أن تدخل في أي دراسة جدوى استراتيجية.
تشمل التكلفة العسكرية الوقود والذخائر والصيانة والنقل والإمداد والإخلاء الطبي وتعويضات الخسائر المحتملة.
وتشمل التكلفة الاقتصادية التأثير المحتمل في إيرادات قناة السويس والسياحة والاستثمار، وتكاليف الشحن والطاقة، والضغوط على العملة الأجنبية.
أما التكلفة الأمنية فتتعلق باحتمال تصاعد التهديدات للمصالح المصرية، والحاجة إلى الحفاظ على الجاهزية في الجبهات الأخرى، والتعامل مع أي تداعيات داخلية أو إقليمية.
وفي المقابل، تتمثل العوائد المحتملة في خفض التهديدات البحرية، وتعزيز الردع، وتحسين شروط الأمن الإقليمي، واستعادة قدر من الاستقرار للملاحة.
والسؤال الحاسم هو: هل يمكن تحقيق هذه العوائد من خلال تدخل محدود وتنسيق إقليمي وتسوية سياسية، أم أن تحقيقها سيتطلب حربًا برية طويلة قد تتجاوز تكلفتها المكاسب المتوقعة؟
هذا هو جوهر التقييم الاستراتيجي، وليس مجرد المقارنة بين القوة العسكرية المصرية والقدرات الحوثية.
خاتمة:
حماية مصر أولًا.. واختيار المعركة جزء من القوة
إن احتمال تدخل مصر في الحرب ضد الحوثيين يفرض ضرورة التفكير في الصورة الكاملة، وليس في ساحة القتال وحدها. فاليمن يرتبط بأمن البحر الأحمر، والبحر الأحمر يرتبط بقناة السويس والاقتصاد المصري، بينما تتزامن هذه الملفات مع تحديات السودان والحدود ومياه النيل.
ولا يعني ذلك أن التدخل سيؤدي حتمًا إلى فتح جبهات جديدة أو انهيار السياحة أو استغلال إثيوبيا للحرب أو تحرك الجماعات الإرهابية؛ فهذه احتمالات متفاوتة، يجب تقييم كل منها على أساس الأدلة والقدرات والظروف الفعلية.
لكن المؤكد أن الحرب الطويلة تفرض تكاليف متزايدة، وأن غياب الهدف النهائي الواضح قد يحول النجاح العسكري المحدود إلى استنزاف استراتيجي.
ومن هنا، فإن الخيار الأكثر اتزانًا لمصر هو ربط أي تحرك عسكري بهدف مباشر يتعلق بأمنها القومي، وتحديد نطاق المهمة ومدتها، وضمان وجود أساس قانوني واضح، والحفاظ على جاهزية الحدود، ومواصلة إدارة ملفات السودان ومياه النيل بالتوازي.
كما ينبغي إعطاء الأولوية للجهود الدبلوماسية والتنسيق الإقليمي ودعم المسارات التي تحد من قدرة الحوثيين على تهديد الملاحة، مع تقييم أي خيار عسكري وفق تكلفته وعائده واحتمالات نجاحه.
فالقوة الحقيقية لا تتمثل في الدخول في كل حرب، وإنما في القدرة على تحديد الحرب الضرورية، واختيار الوسيلة المناسبة، ومنع الخصوم من استنزاف الدولة في معارك تتجاوز أهدافها.
ومصر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها السياسي والعسكري، تحتاج إلى استراتيجية تحمي مصالحها في البحر الأحمر، دون أن تسمح بتراجع أولوياتها الاقتصادية أو أمنها المائي أو استقرار حدودها.
فالهدف النهائي ليس مجرد تحقيق مكسب عسكري في اليمن، بل ضمان ألا تتحول أزمة إقليمية إلى سلسلة من الأزمات التي تتحمل مصر وحدها تكلفة التعامل معها.
حماية الأمن القومي المصري تبدأ بحساب دقيق للمكاسب والخسائر، وتستمر بقرار سياسي يوازن بين متطلبات الردع وضرورات الاستقرار، ويضع مصلحة الدولة المصرية فوق أي اعتبارات أخرى.
بقلم: سها البغدادي

تعليقات
إرسال تعليق