جندي من صعيد مصر.. حكاية البطل أحمد نادي زيدان عمار.. ابن سوهاج الذي حمل شرف الصاعقة في حرب أكتوبر

البطل أحمد نادي

بقلم سها البغدادي

هناك رجال لا تحتاج سيرتهم إلى كثير من الكلمات، لأن مجرد مرور أسمائهم في ذاكرة الوطن يكفي لاستدعاء معنى التضحية والفداء.

ومن بين هؤلاء الأبطال، يبرز اسم الجندي المقاتل أحمد نادي زيدان عمار، الشهير باسم محمد نادي زيدان عمار، أحد أبناء قرية الشعارنة الغربية بمركز سوهاج بمحافظة سوهاج، وأحد رجال القوات المسلحة المصرية الذين شاركوا في حرب أكتوبر المجيدة عام 1973، ضمن رجال الصاعقة المصرية.

لم يكن بطلاً في ميدان القتال فحسب، بل ظل يحمل بعد انتهاء سنوات خدمته قيمة الانتماء للوطن، قبل أن يرحل عن عالمنا عام 2012، تاركًا وراءه سيرة تستحق أن تُروى للأجيال.

كان الراحل يعمل موظفًا بوزارة التربية والتعليم، وهو والد الإعلامي طارق النادي أبو عمار، كما خاض الإعلامي طارق النادي تجربة العمل العام، وكان مرشحًا سابقًا في انتخابات مجلس النواب عام 2015 عن دائرة مركز وبندر سوهاج.

لكن قبل الوظيفة فى التربية والتعليم ، كانت هناك صفحة أخرى أكثر قسوة وأشد مجدًا في حياته؛ صفحة الجندي الذي ارتدى الزي العسكري وحمل سلاحه دفاعًا عن تراب مصر.

من الشعارنة الغربية إلى ساحات القتال

لم تكن المسافة بين قرية في صعيد مصر وجبهة القتال مجرد مسافة جغرافية، وإنما كانت رحلة من حياة المواطن البسيط إلى واحدة من أعظم صفحات التاريخ العسكري المصري.

في أكتوبر 1973، كان الوطن كله على موعد مع لحظة فارقة.

فبعد سنوات من مرارة نكسة 1967 وحرب الاستنزاف، بدأت القوات المسلحة المصرية تنفيذ خطة العبور واسترداد الأرض، وفي السادس من أكتوبر الموافق العاشر من رمضان، بدأت العمليات العسكرية التي انتهت بتحطيم أسطورة خط بارليف وعبور قناة السويس ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية.

وتشير المصادر الرسمية إلى أن القوات المصرية نجحت في الساعات الأولى من الحرب في عبور قناة السويس والاستيلاء على عدد كبير من النقاط القوية للعدو، بينما واصلت القوات البرية والبحرية والجوية تنفيذ مهامها في مختلف قطاعات الجبهة.

وفي قلب هذه المعركة الكبرى، كان لرجال الصاعقة المصرية دور شديد الأهمية.

الصاعقة المصرية.. رجال المهام الصعبة

الصاعقة ليست مجرد وحدة قتالية عادية، وإنما قوات ذات طبيعة خاصة، يتم إعداد رجالها لتحمل ظروف شديدة القسوة وتنفيذ مهام تتطلب السرعة والقدرة على الحركة والمفاجأة والعمل في عمق مناطق العدو.

وفي حرب أكتوبر، لم يكن دور رجال الصاعقة مقتصرًا على الاشتباك المباشر، وإنما شمل مهام خلف خطوط العدو، وتنفيذ الكمائن، وعرقلة الاحتياطيات الإسرائيلية، وتأمين تقدم القوات المصرية.

ويشرح اللواء نبيل شكري، أحد أبرز قادة الصاعقة المصرية، أن مجموعات الصاعقة توزعت خلال الحرب على قطاعات الجيشين الثاني والثالث وقطاع البحر الأحمر، وأن عناصرها اندفعت مع بداية الضربة الجوية للعبور وتنفيذ الكمائن في مواقع محددة بهدف تعطيل الاحتياطيات الإسرائيلية ومنعها من التدخل في عملية العبور.

وهذه المهام كانت شديدة الخطورة؛ لأن رجل الصاعقة قد يجد نفسه بعيدًا عن القوات الرئيسية، وفي مواجهة قوات مدرعة أكبر منه عددًا وتسليحًا، ومع ذلك يكون مطلوبًا منه الصمود وإرباك العدو وتأخير تقدمه حتى تصل القوات الرئيسية أو تنجز مهمتها.

رجال الصاعقة.. مدرسة صنعتها المعارك

لم تبدأ حكاية الصاعقة المصرية في السادس من أكتوبر 1973.

فبعد نكسة 1967، ظهرت بطولات مبكرة لرجال الصاعقة، ومن أشهرها معركة رأس العش، التي أصبحت رمزًا للصمود المصري بعد النكسة، وأسهمت في استعادة الثقة بالقدرة القتالية للجيش المصري.

ثم جاءت حرب الاستنزاف لتمنح رجال القوات الخاصة خبرة ميدانية كبيرة في الكمائن والإغارات والعمليات خلف خطوط العدو، وهي خبرات تراكمت حتى جاءت لحظة العبور في أكتوبر 1973.

ولهذا فإن حرب أكتوبر لم تكن وليدة يوم واحد، وإنما كانت نتيجة سنوات من التدريب والتخطيط وإعادة بناء القوات المسلحة والاستفادة من خبرات حرب الاستنزاف.

عندما كان المطلوب أن يتأخر العدو.. ولو لساعات

من أخطر المهام التي قامت بها الصاعقة خلال حرب أكتوبر كانت إعاقة الاحتياطيات الإسرائيلية.

فنجاح القوات المصرية في عبور القناة كان يتطلب منع القوات الإسرائيلية من حشد احتياطياتها المدرعة بسرعة والاندفاع بها نحو مناطق العبور.

وهنا ظهر الدور الحقيقي لرجال الصاعقة.

فقد كانت مجموعات منهم تتحرك إلى مناطق محددة خلف خطوط العدو أو في عمقه لتنفيذ كمائن وعمليات تعطل حركة القوات الإسرائيلية.

وتكشف شهادات قادة الصاعقة عن عمليات إبرار جوي لقوات صاعقة خلف خطوط العدو، وعن اشتباكات مع القوات الإسرائيلية أدت إلى تأخير تقدمها وإرباك تحركاتها.

وهذا النوع من القتال لا يقاس دائمًا بعدد الدبابات التي دُمرت أو المواقع التي تم الاستيلاء عليها، وإنما أحيانًا بعدد الساعات التي استطاع خلالها المقاتل أن يمنع قوة معادية من الوصول إلى هدفها.

أحمد نادي زيدان عمار.. اسم من دفتر أبطال سوهاج

وسط هذه الملحمة الوطنية الكبرى، يأتي اسم أحمد نادي زيدان عمار، الشهير بمحمد نادي زيدان عمار، ابن الشعارنة الغربية في سوهاج، ليحمل قصة جندي مصري من أبناء الصعيد الذين تركوا حياتهم اليومية والتحقوا بالقوات المسلحة في زمن كانت فيه مصر تخوض معركة مصيرية لاستعادة الأرض والكرامة.

وبحسب المعلومات المتداولة عن أسرته، كان الراحل من مصابي حرب العمليات وأحد رجال الصاعقة المشاركين في حرب أكتوبر 1973.

ولا تكتمل قيمة هذه الحكاية بمجرد ذكر أنه كان جنديًا شارك في الحرب؛ فالأهم أن ندرك أن وراء كل اسم من أسماء أبطال أكتوبر قصة إنسانية كاملة.

كان هناك أب ينتظر.

وأم تدعو.

وزوجة وأسرة لا تعرف ما إذا كان المقاتل سيعود أم ستعود ذكراه فقط.

وكان هناك شاب ترك حياته وذهب إلى الجبهة، واضعًا احتمال التضحية بحياته في سبيل أن تعود سيناء إلى مصر.

رحل الجندي.. وبقيت الحكاية

في عام 2012 رحل أحمد نادي زيدان عمار عن عالمنا.

لكن الموت لا يستطيع أن يمحو أثر رجل عاش جزءًا من حياته في خدمة وطنه، خصوصًا عندما تكون حياته مرتبطة بواحدة من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث.

واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر، تصبح مسؤولية الأبناء والأحفاد أن يحافظوا على ذاكرة هؤلاء الرجال.

فالتاريخ لا يُكتب فقط بأسماء القادة المشاهير، وإنما أيضًا بأسماء الجنود الذين حملوا السلاح، وصعدوا إلى الجبهة، وخاضوا المعارك، وعاد بعضهم مصابًا، بينما بقي آخرون هناك إلى الأبد.

ومن حق أحمد نادي زيدان عمار، ابن الشعارنة الغربية بسوهاج، أن تظل حكايته حاضرة في ذاكرة أبناء قريته ومحافظته ووطنه.

أكتوبر.. حين انتصر الإنسان المصري

لم تكن حرب أكتوبر مجرد معركة عسكرية.

كانت لحظة استعاد فيها المصري ثقته بنفسه بعد سنوات من الألم.

وكانت الصاعقة واحدة من أهم أدوات هذه الإرادة المصرية؛ رجالًا تدربوا على الصعب، وخاضوا الأخطر، وتحركوا حيث يصعب على القوات التقليدية التحرك.

لقد أثبتت حرب أكتوبر أن الجيوش لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما بالعقيدة والتخطيط والتدريب والإرادة.

وفي كل مرة نتحدث فيها عن أكتوبر، علينا ألا ننسى الجندي الذي لم يعرفه الإعلام، والمقاتل الذي عاد إلى قريته يحمل إصابته، والأسرة التي انتظرت أبناءها، والشهيد الذي لم يعد.

ومن هنا تأتي قيمة حكاية أحمد نادي زيدان عمار.. جندي من أبناء سوهاج، ورجل من رجال الصاعقة، ومقاتل من جيل أكتوبر، رحل جسده عام 2012، لكن اسمه بقي شاهدًا على جيل كتب بدمه صفحة من صفحات تاريخ مصر.

رحم الله أبطال مصر.. وحفظ الوطن الذي ضحوا من أجله.

تعليقات