تبحث هذه المقالة صنّاعة التوازن الجيوسياسي، للدرو العسكري الاحترافي والتأثير الإقليمي لقبائل يافع، عبر العصور.
تُعدّ قبائل يافع واحدة من أبرز الظواهر السوسيولوجية والتاريخية في جنوب شبه الجزيرة العربية، حيث ارتبط اسم يافع عبر التاريخ بخصال الشدة، واحتراف العمل العسكري، والقدرة العالية على التكيّف مع الحروب والتضاريس الجبلية الوعرة. ولم تكن يافع مجرد تجمع عشائري محلي محصور في نطاقه الجغرافي، بل شكلت على الدوام "خزاناً بشرياً وعسكرياً وتاريخياً عابر للحدود"، ورأسمالاً رمزياً اعتمدت عليه الدويلات والسلطنات القديمة والوسيطة على حد سواء.
(تؤكد الباحثة السعودية سلوى الغالبي في دراساتها أن يافع كانت تُشكل الملاذ والمستشار العسكري للقبائل والدول المجاورة، مثل آل الرصاص، والعوالق، والعبادلة). وتُبرز الروايات الشفهية والمدونات التاريخية دوراً محورياً ليافع في محطات مفصلية من تاريخ اليمن القديم والوسيط، بدءاً من مساهمتهم في تثبيت دعائم دول كالدولة الرسولية، والدولة الطاهرية، وحركة القرامطة.
لقد مثّل اليافعيون "القوة القتالية الضاربة" في المنطقة، بفعل التمرس المستمر على حماية مواطنهم الجبلية، وخوض النزاعات الداخلية، مما جعل حمل السلاح واقتناءه وممارسة الرماية جزءاً أصيلاً من تكوين الشخصية اليافعية.
هذا النمط من الحياة حوّل أهالي يافع إلى ما يشبه " النخبة العسكرية" في جنوب الجزيرة العربية، والتي كان يُستعان بها في حسم الحروب بين القبائل والسلطنات، وفي مواجهة الغزوات الأجنبية.
على الرغم من أن التوترات والنزاعات الداخلية كانت تؤثر أحياناً على وحدة الاتحاد القبلي اليافعي شديد المراس، إلا أنهم كانوا يمتلكون وعياً جمعياً حاسماً يدفهم لرصّ الصفوف فوراً لحماية استقلالهم ومواجهة أي تهديد أو تدخل خارجي. وبذلك، شكلت العصبية اليافعية صمام أمان وتوازناً جيوسياسياً منع انهيار المنظومة القبلية في الجنوب أمام الاجتياحات الخارجية.
إذ كانت يافع بمثابة المرجعية والدرع الرادع للغزاه.
ولم يقف الدور العسكري ليافع عند حدود الجغرافيا المحلية، بل امتد ليتكامل مع الأفق الإسلامي العالمي. فمع ظهور الإسلام، وظفت الدولة المركزية في المدينة المنورة ومكة المكرمة هذه الطاقات القتالية والخبرات الجبلية، وصهرتها تحت رأية العقيدة. وتذكر كتب التاريخ الإسہام البارز لرجال يافع في الفتوحات الإسلامية، وبروز قادة عسكريين منهم مثل: سراج بن شهاب اليافعي وحسان بن زياد.
إن هذا الانتقال السريع من نطاق الحروب القبلية الضيقة إلى " المجال العالمي" خلال الفتوحات أتاح للشخصية اليافعية صقل مهاراتها القيادية والإدارية. وهو ما يفسر تقلد العديد من رجالات يافع مناصب قيادية وحاكمة في مصر، والشام، والمغرب العربي، حيث استقرت بعض هجراتهم في تلك البلدان وحافظت على نسبها وأصولها. كما أمتد هذا التواجد لاحقاً عبر سفر الكثير من أبنائها للعمل كمجندين وقادة في جيوش العديد من الحكام العرب والآسيويين لكسب العيش وبناء النفوذ.
وعليه تكمن الفرادة السوسيولوجية ليافع في قدرتها الفائقة على الحفاظ على ثنائية مدهشة وموزونة، في صيانة النواة الصلبة والحرية المطلقة داخل القلعة الجبلية الأم من جهة، والقدرة العالية على الانفتاح والهجرة والاندفاع لقيادة الأحداث الكبرى في الإقليم والعالم الإسلامي من جهة أخرى.
ا. د. فضل الربيعي

تعليقات
إرسال تعليق