من بلحاف إلى حضرموت.. هل تحوّل اليمن إلى ساحة صراع سعودي إماراتي على الثروة والنفوذ؟


بقلم: سها البغدادي

ليست مواجهة الميليشيات الإرهابية مبررًا لتأييد كل السياسات الإقليمية، كما أن رفع شعارات الدفاع عن الشرعية أو حماية الأمن القومي لا يمنح أي دولة حصانة من المساءلة عن تدخلاتها أو عن مصالحها داخل الدول الأخرى.


ومن هذا المنطلق، فإن موقفي الرافض للميليشيات الإرهابية، وفي مقدمتها ميليشيات الحوثي، لا يعني بالضرورة الانحياز إلى السعودية في كل تحركاتها داخل اليمن، ولا تجاهل الدور الإماراتي أو التنافس بين القوتين الخليجيتين على النفوذ في الجنوب اليمني.


فالقضية، في تقديري، تتجاوز الانقسام المذهبي بين السنة والشيعة، لتطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل كان الصراع في اليمن من أجل استعادة الدولة بالفعل، أم أن حسابات الأمن والممرات البحرية والطاقة والثروات والنفوذ الإقليمي أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة الحرب؟


 2019.. عندما ظهر التنافس السعودي الإماراتي إلى العلن


مع انطلاق العمليات العسكرية للتحالف العربي في اليمن عام 2015، بدا أن السعودية والإمارات تتحركان ضمن هدف مشترك يتمثل في مواجهة الحوثيين ودعم الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. لكن تطورات الحرب كشفت تدريجيًا عن اختلاف في الأولويات والأدوات والأطراف المحلية التي يعتمد عليها كل منهما.


فبينما ركزت الرياض على دعم الحكومة اليمنية والحفاظ على إطار الدولة اليمنية الموحدة، عززت أبوظبي علاقاتها بالمجلس الانتقالي الجنوبي وقوات محلية جنوبية، وأصبحت لها شبكة نفوذ عسكري وأمني في مناطق ساحلية واستراتيجية.


وفي أغسطس 2019، اندلعت مواجهات في عدن بين قوات الحكومة اليمنية والقوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم إماراتيًا. وامتد التوتر إلى شبوة، المحافظة الغنية بالطاقة، حيث تداخلت الحسابات المحلية والقبلية مع التنافس الإقليمي.


ولم يكن موقع بلحاف للغاز المسال بعيدًا عن هذه المعادلة؛ إذ يمثل منشأة استراتيجية ذات أهمية اقتصادية كبيرة، وأصبح الوجود العسكري والنفوذ حوله موضع خلاف بين أطراف يمنية وإقليمية.


وقد تناولت تحليلات سياسية معاصرة تلك الأحداث باعتبارها مؤشرًا على التباعد بين الاستراتيجيتين السعودية والإماراتية، لا مجرد خلاف عسكري بين قوات يمنية متنافسة.


وجاء اتفاق الرياض في 5 نوفمبر 2019، برعاية سعودية، ليضع إطارًا لتقاسم السلطة بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، ووقف المواجهات، ودمج القوات تحت مظلة مؤسسات الدولة. لكن الاتفاق لم ينهِ التنافس على النفوذ، كما تعثرت جوانب أساسية من تنفيذه، خصوصًا ما يتعلق بالترتيبات العسكرية والأمنية.


وبذلك، لم تكن أزمة 2019 نهاية للصراع بين حلفاء الأمس، بل كانت محطة كشفت أن التحالف ضد الحوثيين لا يعني تطابق الأهداف النهائية لجميع أطرافه.

بلحاف وحضرموت.. الطاقة والموقع الاستراتيجي في قلب المعادلة

تكتسب محافظتا شبوة وحضرموت أهمية استثنائية بسبب مواردهما الطبيعية وموقعهما الجغرافي وامتدادهما على بحر العرب، فضلًا عن ارتباطهما بمصالح الطاقة والموانئ وخطوط النقل والتجارة.

وتقع منشأة بلحاف للغاز الطبيعي المسال في شبوة، وهي من أهم المنشآت المرتبطة بقطاع الطاقة اليمني. أما حضرموت، فتضم حقولًا نفطية ومناطق ساحلية ومنافذ استراتيجية، ما يجعل السيطرة على مؤسساتها ومواردها مسألة تتجاوز الحسابات المحلية.

ومن هنا، يصبح من المشروع طرح تساؤلات حول علاقة التنافس السعودي الإماراتي بمستقبل إدارة هذه الموارد، وبالجهة التي ستمتلك القرار السياسي والأمني في المحافظات الجنوبية والشرقية.

لكن من الضروري التمييز بين وجود مصالح استراتيجية وتنافس على النفوذ، وهما أمران تدعمهما تحليلات عديدة، وبين اتهام دولة بنهب النفط أو استخدام أنابيب سرية لهذا الغرض؛ فهذه اتهامات تحتاج إلى وثائق وأدلة مستقلة تحدد مسارات الأنابيب والجهات المالكة والمستفيدة منها.

إن ثروات حضرموت وشبوة ملك للشعب ، ومن حقه معرفة كيفية إنتاجها وتصديرها، والجهات التي تتولى إدارتها، وحجم الإيرادات التي تدخل الخزانة العامة، وكيفية توزيعها على المحافظات والمواطنين.

ولا يجوز أن تتحول هذه الثروات إلى ورقة ضغط في صراع القوى الإقليمية أو وسيلة لإعادة تشكيل موازين السلطة على الأرض.

 لماذا يختلف المشروع السعودي عن الرؤية الإماراتية؟

لا يمكن اختزال السياسة السعودية في تنفيذ أوامر أمريكية، كما لا يمكن تفسير التحركات الإماراتية باعتبارها مجرد سعي للسيطرة على الموانئ. فلكل دولة حساباتها الأمنية والاقتصادية، لكن هذه الحسابات تتقاطع بوضوح مع أهمية اليمن الجيوسياسية.

بالنسبة إلى السعودية، يمثل اليمن عمقًا أمنيًا مباشرًا، وترتبط الحرب فيه بمخاوف الصواريخ والطائرات المسيّرة والحدود الجنوبية والنفوذ الإيراني، فضلًا عن الرغبة في الوصول إلى تسوية تحمي مصالح المملكة وتقلل كلفة الحرب.

أما الإمارات، فقد ارتبط حضورها في اليمن بمكافحة الجماعات المتطرفة، وبناء علاقات مع قوات محلية، وتعزيز نفوذها على امتداد الممرات البحرية والموانئ الاستراتيجية. وقد منحتها علاقاتها بالمجلس الانتقالي الجنوبي وحلفائه قدرة على التأثير في مستقبل الجنوب.

وتشير دراسات متخصصة إلى أن التنافس بين الرياض وأبوظبي لم يكن خلافًا عابرًا، بل ارتبط باختلاف تصورهما لمستقبل اليمن، وبشبكات الحلفاء المحليين، وبأهمية المناطق الساحلية والموارد الاقتصادية.

وهنا تظهر المفارقة: دولتان شاركتا في تحالف واحد ضد الحوثيين، لكنهما دعمتا أطرافًا يمنية متنافسة، بما أسهم في إضعاف وحدة المعسكر المناهض للحوثيين، وفتح المجال أمام صراعات داخلية إضافية.

 2026.. هل انتقل الصراع من التنافس غير المباشر إلى المواجهة المفتوحة؟

تكشف التطورات المتداولة في عام 2026 عن استمرار هشاشة التفاهمات السعودية الإماراتية بشأن اليمن، وعن بقاء مستقبل الجنوب ومناطق الطاقة والمنافذ الاستراتيجية ضمن الملفات شديدة الحساسية.

وقد تناولت تحليلات حديثة التمدد المتنافس للقوى المحلية المدعومة من الرياض وأبوظبي، في ظل سعي المجلس الانتقالي الجنوبي إلى استعادة دولة الجنوب السابقة على وحدة عام 1990، وتمسك أطراف أخرى ببقاء اليمن موحدًا.

كما أشارت تقارير منشورة في أكتوبر 2026 إلى عودة التنسيق السعودي الإماراتي في بعض الملفات العسكرية، بالتزامن مع تصاعد المواجهات مع الحوثيين، رغم الخلافات السابقة حول مستقبل الجنوب. وهو ما يوضح أن العلاقة بين الدولتين ليست قطيعة دائمة ولا تحالفًا متطابق الأهداف، بل علاقة تتغير وفقًا لحسابات المصالح والتهديدات.

ولذلك، فإن قراءة أحداث 2026 يجب ألا تقوم على افتراض أن كل تحرك سعودي يستهدف نهب الثروات، أو أن كل تحرك إماراتي يستهدف السيطرة على الموانئ؛ بل ينبغي فحص كل واقعة على حدة، وتحديد الأطراف المشاركة فيها، والقرارات المعلنة، والأدلة المتاحة على أهدافها.

أما إذا ثبت أن أي طرف يستخدم القوة لفرض السيطرة على الموارد أو لإقصاء المكونات اليمنية الأخرى، فإن ذلك يستوجب مساءلة سياسية وقانونية وفقًا للأدلة والقواعد ذات الصلة.

 هل المذهب هو المحرك الحقيقي للصراع؟

تطرح هذه التطورات سؤالًا جوهريًا: إذا كان الانقسام المذهبي هو المحدد الأول للمواقف الإقليمية، فكيف نفسر التنافس بين دول تتبنى خطابًا متقاربًا بشأن مواجهة الحوثيين، بينما تدعم قوى يمنية متعارضة على الأرض؟

إن المصالح الاستراتيجية لا تختفي خلف الشعارات الدينية، ولا يمكن الحكم على سياسات الدول من خلال الخطاب المعلن وحده. فالأمن والطاقة والموانئ والحدود والنفوذ السياسي عناصر حاضرة في حسابات الدول، وقد تتقدم على الاعتبارات المذهبية عندما تتعارض المصالح.

ومن هنا، فإن رفض المشروع الحوثي لا يقتضي تأييد كل تحرك سعودي، مثلما أن رفض التدخلات الخارجية لا يعني تأييد الحوثيين أو تبرير انتهاكاتهم.

الموقف المتوازن هو رفض الميليشيات التي تقوض الدولة، ورفض تحويل الأراضي والثروات اليمنية إلى مناطق نفوذ تتقاسمها القوى الخارجية، مع الاحتفاظ بالحق في نقد جميع الأطراف دون استثناء.

 الجنوب اليمني ليس غنيمة لأحد

إن أبناء الجنوب اليمني ليسوا مجرد أوراق تستخدمها العواصم الإقليمية في صراعاتها، كما أن أبناء حضرموت وشبوة ليسوا أدوات لحماية مصالح أي قوة خارجية.

ومن حق الجنوبيين أن يناقشوا مستقبلهم السياسي ويطالبوا بتقرير مصيرهم عبر مسار سياسي واضح، بعيدًا عن الإكراه والتدخلات المسلحة، وبما يضمن حقوق جميع السكان، بمن فيهم من لا يتفقون مع المجلس الانتقالي أو مع مشروع الانفصال.


كما أن من حق أبناء حضرموت إدارة شؤون محافظتهم والمطالبة بنصيب عادل وشفاف من عائدات النفط، بعيدًا عن احتكار القرار من أي طرف محلي أو خارجي.

ولا يمكن تحقيق الاستقرار في اليمن من خلال فرض واقع عسكري جديد، أو استبدال نفوذ خارجي بآخر، أو استخدام القوات المحلية في صراعات لا تخدم مصالح المواطنين.

 لا قداسة للتحالفات عندما تتعارض مع حقوق الشعوب

إن ما شهدته اليمن منذ عام 2019، وما تكشفه تطورات عام 2026، يؤكد أن التحالفات الإقليمية تحكمها المصالح المتغيرة بقدر ما تحكمها الشعارات المعلنة.

وموقفي واضح: أنا ضد الميليشيات الإرهابية، وضد استغلال الدين لتبرير العنف، لكنني في الوقت نفسه أرفض أن يتحول هذا الموقف إلى تفويض مفتوح لأي دولة كي تتدخل في شؤون اليمن أو تفرض إرادتها على أبنائه.

فلا يجوز أن تكون مواجهة الحوثيين مبررًا لإهمال حقوق الجنوبيين، ولا أن تكون مكافحة الإرهاب غطاءً لأي استحواذ غير مشروع على الثروات، ولا أن تصبح الموانئ والحقول النفطية أوراقًا في مساومات إقليمية على حساب الشعب اليمني.

إن المعيار الحقيقي ليس هوية الدولة أو مذهبها أو شعاراتها، بل ما تفعله على الأرض، ومدى احترامها لسيادة اليمن وحقوق أبنائه وموارده.

فاليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات، وحضرموت وشبوة ليستا غنيمة، وثروات الجنوب ليست ملكًا للقوى المتنافسة، بل حق أصيل للشعب اليمني وحده.

بقلم: سها البغدادي


تعليقات