في قرية صغيرة تُدعى "إسقاط" في ريف إدلب بسوريا، تعيش اليوم امرأة في الثلاثينات من عمرها تُدعى سمر خميس داخل دار للعجزة. لكنها لا تشبه من هم في عمرها، لا تتكلم، لا تنظر لأحد، فقط تحدّق في الفراغ وكأنها لم تعد تنتمي لهذا العالم.
قصة سمر بدأت منذ أن كانت طفلة في السادسة. لم تكن مريضة، ولا مجنونة، بل فقط فتاة بريئة رفضتها زوجة والدها، واعتبرتها "ناقصة عقل" بسبب تبول لا إرادي. الأب لم يرحم، بل اتخذ قرارًا قاسيًا لا يخطر على بال:
حبس طفلته داخل كهف مهجور، وأغلق بابه الحديدي بقفل كبير، وترك كلبًا أمامه للحراسة.
ومنذ تلك اللحظة… توقفت حياة سمر.
العيش في الظلام
لم يكن في الكهف ليل أو نهار.
كان الطعام مجرد كسرة خبز وزجاجة ماء يلقيها والدها كمن يرمي بقايا طعام.
الكلب الذي تركه الأب لم يكن حارسًا فقط، بل أصبح رفيقها الوحيد، تعوّدت على وجوده، وقلدته في حركاته وأصواته.
مع مرور السنين، بدأت تتصرف كالكلب: تمشي على أربع، تصدر أصوات نباح، تخاف من الضوء، وترتعب من البشر.
لم تعرف شيئًا اسمه الحنان… لم تسمع كلمة حب… ولم تعد حتى تتذكر اسمها.
شتاء قاسٍ ومحاولة للهروب
في أحد الشتاءات، تسربت مياه الأمطار إلى الكهف، جسد سمر النحيل تجمّد من البرد. لم تستطع الوقوف، كانت تزحف بأسنانها نحو الطعام. وفي لحظة يأس، ضربت رأسها بحجر ظنًا منها أن الدم سيُخرجها من سجنها.
لكن لا الدم حررها، ولا الصراخ أنقذها…
الاكتشاف الصادم
في عام 2005، تلقّت السلطات بلاغًا غامضًا، وعندما فتحت باب الكهف، خرجت منه سمر… لكن لم تكن كما يتخيلها الناس.
كانت تمشي على أطرافها الأربع، تلهث، تخاف الضوء، وتقلد صوت كلب.
نُقلت إلى دار للعجزة في جسر الشغور، حيث وُضعت بين كبار السن، دون رعاية نفسية أو تأهيل، فقط مكان تأوي فيه جسدًا هشًا مكسورًا من الداخل.
سمر اليوم…
اليوم، سمر ترتدي ملابس نظيفة، لكنها ما زالت أسيرة الكهف داخل عقلها.
تنظر من النافذة، لا تتحدث، لا تبتسم…
لكنها ذات مرة، همست بجملة واحدة فقط:
"هل أنا كنت إنسانة؟"
تلك الكلمات كانت كافية لتروي قصة 15 عامًا من العذاب، من الوحدة، من الطفولة التي دُفنت وهي على قيد الحياة.

تعليقات
إرسال تعليق