كتبت .. سها البغدادي
كانت الشمس تُلقي خيوطها الذهبية على طيبة، حين خرجت الملكة نفرتيتي إلى شرفة القصر. بدت هادئة كعادتها، لكن قلبها كان يخفي شيئًا لا يعرفه أحد.
منذ أيام قليلة، عادت من معبد “آتون” تحمل سرًا ثقيلًا: تمثالها الشهير الذي نحته النحات “تحتمس” ظهر بعين واحدة فقط. لم يسألها أحد… ولم تُجِب أحدًا. لكن تلك العين الغائبة كانت تحمل قصة لا يعرفها إلا هي.
في تلك الليلة، دخلت نفرتيتي ورشة النحات ووجدت تمثالها مُكتملًا تقريبًا. اقتربت منه، لمست الوجنة المنحوتة بدقّة، ثم همست بصوت منخفض:
“لا أريد أن يراني العالم كاملة… الكمال يقتل الحكمة.”
رفع تحتمس رأسه بدهشة.
– “مولاتي، الناس ينتظرونك كاملة، جميلة كما أنت.”
ابتسمت نفرتيتي وقالت:
– “الجمال لا يعيش طويلًا، لكن الرسالة… تبقى. دع لهم عينًا واحدة، ليبحثوا عن الأخرى في قصتي، في عقلي، في دولتنا التي نحاول أن نغيّرها.”
أرادت الملكة أن تترك لغزًا، علامة، شيئًا يجعل الأجيال القادمة تتساءل، وتفتش، وتتعلم أن الحياة لا تُرى بعينين دائمًا… أحيانًا تكفي عين واحدة ترى ما لا يراه الجميع.
وفي اليوم التالي، خرج تمثال نفرتيتي أمام الناس… نصف رؤية، ونصف حكاية. ومنذ ذلك الوقت، لم يعرف أحد لماذا بقيت عينها مفقودة — هل هي فن؟ هل هي خطأ؟ أم رسالة؟
لكن نفرتيتي فقط كانت تعرف أن العين الناقصة… هي بداية الحكاية، وليست نهايتها.

تعليقات
إرسال تعليق