بقلم: سها البغدادي
في كل مرة تُروى فيها الحكاية الفلسطينية بصدق، يتجدد القلق لدى الاحتلال. ليس لأن مسلسلًا عُرض على شاشة، بل لأن القصة خرجت من حدود السياسة إلى فضاء الإنسان.
مسلسل «أصحاب الأرض» لم يحمل سلاحًا، ولم يطلق خطابًا تحريضيًا، لكنه فعل ما هو أعمق: أعاد تذكير المشاهد العربي — وربما العالمي — بأن خلف العناوين السياسية عائلات، وأمهات، وأطفال، وذكريات بيوتٍ لم تعد قائمة، وأرضٍ ما زالت حاضرة في الوجدان.
لماذا يثير السرد الإنساني هذا القلق؟
لأن السرد الإنساني يجرّد الصراع من تعقيداته الرسمية، ويضعه في صورته البسيطة:
إنسان يريد أن يعيش بكرامة على أرضه.
حين تتحول القضية الفلسطينية من خبرٍ عابر إلى قصة شخصية يعيشها المشاهد عبر الشاشة، فإنها تستعيد بعدها الأخلاقي. وهنا يكمن التأثير الحقيقي. فالمشاهد لا يتفاعل مع بيان سياسي، لكنه يتأثر بدمعة أم، أو بحلم طفل، أو بذكرى بيتٍ هُجّر أصحابه منه.
إسرائيل تدرك جيدًا أن معركتها لم تعد فقط على الأرض، بل على الرواية. ولذلك فإن أي عمل فني يعيد تقديم الفلسطيني باعتباره إنسانًا صاحب حق، لا رقمًا في نشرة أخبار، يُعتبر تحديًا مباشرًا للسردية التي تسعى إلى اختزال القضية في أبعاد أمنية فقط.
معركة الصورة… لا البندقية
في زمن الإعلام المفتوح، الصورة أقوى من كثير من الخطابات.
والدراما، بما تملكه من قدرة على التأثير الوجداني، قادرة على إعادة تشكيل الوعي الجمعي.
حين يشاهد جيل جديد قصة متجذرة في الأرض والهوية والانتماء، فإنه لا يتلقى معلومات فحسب، بل يتبنى موقفًا شعوريًا. وهذا ما يثير القلق الحقيقي: أن تتحول الشاشة إلى مساحة استعادة للحق، وأن تصبح الحكاية الفلسطينية حاضرة في الوعي اليومي، لا موسمية ولا مرتبطة بتصعيد عسكري فقط.
القضية كحكاية شعب
القضية الفلسطينية لم تكن يومًا مجرد نزاع حدودي. هي حكاية شعب ارتبط بأرضه تاريخيًا وثقافيًا وروحيًا.
وعندما تُقدَّم هذه الحكاية عبر الفن، فإنها تخرج من قوالب الشعارات إلى فضاء الذاكرة والهوية.
مسلسل «أصحاب الأرض» — بصرف النظر عن تفاصيله الفنية — أعاد التأكيد على حقيقة بسيطة: أن الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل تاريخ وبيت وذكريات. وأن الدفاع عن هذه الحقيقة لا يحتاج إلى سلاح، بل إلى رواية صادقة.
في النهاية
القلق من عمل درامي هو اعتراف غير مباشر بقوة الكلمة والصورة.
والحقيقة أن ما تخشاه إسرائيل ليس المسلسل ذاته، بل تأثيره الإنساني الممتد.
فحين تنتصر القصة للإنسان، تنتصر للحق.
وحين يُروى الألم بكرامة، يصبح جزءًا من الوعي العام لا يمكن محوه.
وهكذا، تبقى فلسطين — في الدراما كما في الواقع — حكاية أصحاب أرض، قبل أن تكون عنوان صراع.
— سها البغدادي

تعليقات
إرسال تعليق