على هامش حوار الرياض (الحوار بين الأهمية والمغالطة).

 


يُعد الحوار من الموضوعات الهامة والضرورية لمعالجة كثير من القضايا والخلافات بين الجماعات والمجتمعات.

ويحتل الحوار أهمية كبيرة في بنية الفكر الإنساني، نظرا لما يتضمنه من معاني تسِند وجود السلام والوئام وترفض الصدام والعنف. وفي الوقت الراهن تزداد أهمية الحوار بسب ارتفاع رقعة الصراعات والاضطرابات والخلافات التي تجري في واقعنا الراهن وتشهدها عدد من دول المنطقة، وتجاه ذلك يشكل الحوار احدى  الوسائل الناجعة التي يُنظر إليها كمسار لحل الخلافات والصراعات بدلاً من استمرار الخلافات والصراعات.

 فالحاجة للحوار هنا هو بحث القضية المشتركة وتبادل الآراء التي تهدف  إلى تحقيق تطلعات السواد الأعظم من أبناء المجتمع.

وعليه فان الدعوة الحوار فعّال لا تاتي إلا من داخل السياق، وفي الوقت والمكان المناسب.

فاذا افترضنا جدلاً، بان 

المؤتمر الجنوبي المزمع قيامه في الرياض، يهدف  إلى جمع القوى الجنوبية لمناقشة القضية الجنوبية والاتفاق حول معالجتها،  ليعلنوا للعالم أجمع بأن  الجنوب عبارة عن كتلة بشرية طبيعية، تشكلت عبر مسيرة تاريخية طويلة تمتد إلى آلآف السنين كوحدة غير قابلة للتجزئة على كامل امتداد الجنوب الطبيعي بحدوده الدولية المعروفة تاريخيا بالجنوب العربي الذي  يشمل أراضي الإقليم السيادي لما كان يسمى بجمهورية اليمن الجنوبية الشعبية بحدودها الدولية المعروفة والموثقة في وثيقة الإستقلال من الإستعمار البريطاني عام في 30 نوفمبر 1967 التي تمتد من حدود سلطنة عمان شرقا حتى باب المندب غرب والمعترف بها إقليميا ودوليا حتى 22 مايو1990 م.

 حيث يأتي هذا المؤتمر في ظل مرحلة حاسمة من تاريخ الجنوب، التي تتطلب لم الشمل وتوحيد الجهود لمواجهة كافة التحديات والصعوبات التي تعترض بنى المجتمع والسير نحو إرساء دعائم الأمن والإستقرار. 

فالنظر إلى المؤتمر في هذه الظروف بوصفه تتويجا لتضحيات وصمود ابناء الجنوب خلال السنوات الماضية الذين تمكنوا بدعم من قوات التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية من دحر مليشيات الحوثي من عاصمة الجنوب عدن وبقية المحافظات الاخرى، كما يأتي مدعوما بالقوة الكامنه في الإرادة الشعبية الجنوبية التي تجسدت في ميادين النضال السلمي خلال الثلاثة العقود الماضية عبر المسيرات الشعبية العارمة التي عمت جميع مناطق الجنوب في شبه إستفتاء شعبي لتقرير مصيره.

وهنا لابد من تحديد واضح لموضوع واهداف الحوار، الذي لابد ان تكون جاهزة قبل اطلاق الدعوة للحوار؟

ووفقًا لموضوع الحوار الذي تضمنته تصريحات الذين دعوا إليه، فيمكن إيجاز اهداف الحوار في الأتي:

 أ. الكشف عن أسباب التباين بين الأطراف والقوى الجنوبية حول موضوع القضية المشتركة بين المتحاورين .

ب. إبراز أهمية الحوار كا دليل نحو حل قضيتهم المركزية.

ج. الوصول إلى الآليات مناسبة تسير نحو تحقيق هدف الجنوبيين وتطلعاتهم. 

وتبرز أهمية الحوار الجنوبي في الوقت الراهن بوصفه المنهج الراجح لضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي في الجنوب.

إذا ماهو الحوار الفّعال والناجح؟ 

إن الحوار الفّعال هو الذي يتجاوز الضغوطات والكوابح والتدخلات التي تظهر في طريق نجاح الحوار، وهذا يحتاج إلى اجراءات جادة يجب مراعاتها في سياق عملية إجراء حوار فعّالة وناجح، بهدف حل التباين حول مستقبل القضية الجنوبية، عبر  الإقرار بمسلمات تحقيق الهدف وهي:

 اولا: الاقرار بان وحدة الجميع هي من ستاتي بالحلول على اعتبار بان الكل قد عانى من الواقع المشوه حلال 35 سنة ماضية والكل مستهدف.

 ثانيا: القرار بتبادل الآراء والأفكار والمعلومات وتقديم الأدلة والبراهين والحجج التي تزكي او تدعم الكيفية التي بموجبها تحقيق الهدف  المشترك عبر المقاربة الموضوعية لتطابق وجهات النظر بعيداً عن الخصومة أو التعصُب أو تذكير المواقف أو الخلافات السابقة.

ثالثا: الاعتماد على مسلمات ومنطلقات موضوعية تحفاظ على المصلحة المشتركة، مع الاستعداد الكامل لقبول الحقيقة التي تاتي من اي احد .

من أجل حوار ناجح وفعّال لابد من وضع بعض المحاذير والملاحظات امام المتحاورين؟ وهي:

1- سبق وان اثير موضوع الحوار وجرت بعض المحاولات خلال السنوات الماضية، ربما لم تكتمل او  شابها القصور اما بعدم التحضير الجيد لها او عدم الالتزام لمسار أهدافها وعليه لابد الاستفادة من ذلك.

2- من اجل نجاح الحوار والوصول إلى عملية التقارب وأنها الخلافات او التباينات، فلا بد من تقديم التنازلات وتغليب المصلحة المشتركة وجعل الحوار مساحة مغايرة للمنازلة في ساحة النزاع.

3-  يلحظ في كثيرٌ من تجارب الحوارات فبعضها لم تظهر الجدية والمصداقية في الحوار وعدم الالتزام لمبادئ وثقافة الحوار الفّعال.

ربما يعود ذلك إلى عدد من الأسباب أبرزها غياب هندسة واضحة للحوار، أو تداخل الاجندات الخارجية المختلفة التي تحاول تمرير أو فرض أهداف لها.

4-  اهمية اظهار جدية الحوار وأدراك مضامينه وآلياته من قبل الكل واستيعابها بمستوى واحد .

4- إن الحوار الناجح والفّعال لابد أن تستلزمه وضع مصفوفة من المبادئ والاُسس التي تجذب جميع الأطراف المدعوه إلى طاولة الحوارا، وتوفر البيئة الصالحة والمكان المناسب لقيام الحوار وتسييره بصورة انسيابية وسلسة تفضي إلى نتائج إيجابية وفعّاله. 

5- لابد من الحضور الذهني النيّر ضمن اجندات الحوار الذي ينشد حل التباين  عن طريق حوار راقي يتجاوز رواسب الماضي وتعقيدات الحاضر متطلع لمستقبل آمن ومزدهر، عن طريق التفهم للكل بعيداً عن التعصُب والتعالي والانانية، ويكون الحوار قائم على اُسس ومبادى صحيحة.

6- الحوار لا يتم الا بعد الفهم المعمق للمشكلة وأبعاد الحوار ومضامينه، من قبل الكل، ويتطلب ذلك تحديد خارطةخطة واضحة يسير عليها الحوار، بداءً من تحديد المفاهيم والمعايير التي يتطلبها الحوار، بحيث يسُند الحوار إلى نماذج إرشادية يفهمها ويستوعبها الجميع، تساعدهم على اجراء حوار ناجح وفعّال.

7- يبدأ الحوار من نقطة تحديد نقاط الضعف والالتقاء بين المتحاورين  وتحديد المواضيع العامة التي يتضمنها برنامج وجلسات الحوار

 والاتفاق عليها جميعًا .

8- الاستماع الجيد من قبل المحاورين لبعضهم، بشكل ملائم وبعمق وتأمل،وتركيز بطرق العمل التشاركي كفريق واحد، فالاستماع بشكل ملائم يساعد على التقارب وتثمين ما يقال من قبل الكل،و ليس تبادل وجهات النظر.

9- الابتعاد عما هو غير ملائم للبحث في جوانب الحوار، لاسيما التي يفهمها أطراف الحوار بمستوى متناقض، ومن ثم الانتقال الإيجابي إلى صلب مواضيع الحوار ومعانيه ومقاصده، ذلك سوف يجنب المتحاورين السجال أو التعصب أو حرف سير الحوار عن اتجاهاته والخروج عن منهجيتة ، فالتعارض في الحوار، قد يؤثر سلباً على سير عملية الحوار ويظهر كمعوق في طريق نجاح الحوار . 

10- إن التشبث بالقناعات والمواقف السابقة هو استمرار لحالة الصراع والخلاف، ومن ثم عدم تقدم الحوار وبقاء حالة الصراع قائمه، فوجود التنازلات بالضرورة تؤدي إلى خلق حالة من تقارب وجهات النظر التي ينتج عنها توقعات إعادة بناء الثقة والتوجه نحو نجاح الحوار.

11- ضرورة الالتزام بسير جلسات الحوار والاستماع، والاصغاء الجيد من قبل الجميع . والابتعاد عن بعض الاساليب مثل التهكم والسخرية والاستخفاف بالاخر، والابتعاد عن الغموض وعدم إصدار الاحكام الجاهزة في صياغ نتائج الحوار من قبل البعض.

واخيرا نقول ان الحوار الناجح هو الحوار الذي يسير وفق خطة وبرنامج  هادف وواضح، يحدد فيه الموضوعات والاهداف وآليات التنفيذ.

إذا يصبح الحوار أكثر عقلانية عندما يستند إلى المقاربة الموضوعية بين المتحاورين وبحث إشكالية التباين بعمق والنظر إليها من جميع الزوايا برؤية عقلانية مشتركة من منظور "نحن" لا "الانا".  فالشخصيات التي يتم اختيارها للجلوس للحوار، تكون على قدرٍ من العقلانية والمسؤولية الأخلاقية والادراك الواعي لأهمية الحوار ونجاحه.

 وتجنب التأثير السلبي للتدخلات الخارجية على مسار الحوارا، وإيجاد المخارج العملية القابلة لتطبيق مخرجات الحوار بما تخلق واقع مغاير ومقبول لمرحلة ما بعد الحوار عبر بناء وتأسيس مشروع مشتركة لمستقبل الجنوب.

مودتي

د. الربيعي

تعليقات