الفقيد صالح غسان الشعيبي ... وجع الفراق وسيرة المجد التي لا تموت

 


✍️ بازهير ابو محمد الحضرمي 

لم يكن خبر استشهاد الشاب البطل صالح غسان الشعيبي مجرد حادثة عابرة في سجل الأيام، بل كان فاجعةً هزّت القلوب قبل العيون، ووجعًا سكن صدور كل من عرفه، وكل من سمع بسيرته العطرة. أربعة أشهر مرّت على رحيله، ولا يزال اسمه حاضرًا، وذكراه نابضة في كل مجلس، وكأن روحه ما زالت ترفرف بين محبيه، تذكّرهم بمعنى الشجاعة، وبقيمة الإنسان حين يكون صادقًا مع نفسه ومع الآخرين.

لقد ارتقى صالح شهيدًا وهو يدافع عن ماله وكرامته، بعد أن تعرّض لهجومٍ غادر من قبل لصوصٍ في إحدى الولايات الأمريكية، في مشهدٍ يعكس حجم الظلم الذي طال شابًا لم يعرف في حياته سوى الخير والعطاء. وبرغم قسوة الفاجعة، إلا أن القبض على الجناة أعاد بصيص أملٍ في أن العدالة ستأخذ مجراها، وأن دماء الأبرياء لا تضيع سدى.

وفي عدن، حيث جذوره وذكرياته وأحبته، تعالت أصوات منظمات المجتمع المدني، مناشدةً الجهات المختصة بسرعة القصاص من القتلة، وإنصاف هذا الشاب الذي لم يكن مجرد فرد، بل كان رمزًا للأخلاق، ونموذجًا للإنسان الذي ترك أثرًا طيبًا في كل من حوله.

لقد كان الفقيد صالح شابًا خلوقًا، صاحب قلبٍ نقي، ووجهٍ بشوش، وكلمةٍ طيبة. كان كريمًا بطبعه، معطاءً دون انتظار مقابل، حاضرًا في ميادين الخير، خاصة في هذا الشهر الفضيل، حيث امتدت يداه بالعون لكثيرٍ من الأسر والشباب، دون ضجيج أو رياء. كان إنسانًا بمعنى الكلمة، يحمل همّ الآخرين كما يحمل همّ نفسه، ويزرع الابتسامة في وجوه من حوله، حتى صار رحيله خسارةً للجميع، لا لأسرته وحدها.

رحل صالح، لكن سيرته بقيت، وبقيت مواقفه شاهدةً على رجلٍ عاش كريمًا، ورحل عزيزًا، وسيبقى اسمه محفورًا في ذاكرة الوفاء.


يا صالح الخير يا طهرًا نُجِلُّهُ

ذكراك في القلب نورٌ لا نُبدِّلُهُ

كنتَ البشوشَ إذا ما جئتَ مجلسنا

تُحيي القلوبَ، وبالآدابِ تُكمِلُهُ

يا صاحبَ الكفِّ البيضاءِ ما بخلتْ

يومًا، ولا خابَ من بالخيرِ يسألُهُ

رحلتَ جسدًا ولكن في ضمائرِنا

باقٍ، وذكرك في الأرواحِ نحملُهُ

نم قريرَ العينِ يا فخرًا نفتخرُ

فالطيبُ أنتَ، وكل الناسِ تشهدُهُ

 

كذلك الشيخ غسان الشعيبي… أبٌ جسّد معاني الصبر والعطاء

وإذا كان الفقيد صالح مثالًا للابن الصالح، فإن والده الشيخ غسان الشعيبي هو مثالٌ للأب العظيم، ورجل الخير الذي عرفه الجميع بمواقفه الإنسانية، وكرمه الواسع، وقلبه المفتوح لكل محتاج.

لقد كان الشيخ غسان، ولا يزال، رمزًا للعطاء، وركيزةً من ركائز العمل الخيري والإنساني، رجلًا لم يتأخر يومًا عن مساعدة أحد، ولم يغلق بابه في وجه محتاج. واليوم، يقف شامخًا رغم الألم، محتسبًا مصابه عند الله، مؤمنًا بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.

إن الكلمات تعجز عن وصف حجم الفقد الذي ألمّ به، لكن عزاءه أن ابنه رحل شهيدًا، وأن دعوات الناس ومحبتهم تحيط به من كل جانب، تقديرًا لما قدمه، وما يمثله من قيمةٍ إنسانيةٍ عظيمة.


يا شيخَ غسانَ يا رمزَ الوفاءِ لنا

يا منبعَ الخيرِ يا عونًا لمن وَهَنُوا

أنتَ الكرامةُ إن ضاقت مسالكُنا

وأنتَ نورٌ بهِ في الدربِ نستكنُ

جُدتَ العطاءَ بلا منٍّ ولا ثمنٍ

حتى غدوتَ مثالًا يُحتذى زَمَنُ

صبرتَ صبرَ الكبارِ اليومَ محتسبًا

واللهُ يجزيك خيرًا، وهوَ المؤتمنُ


نسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يتغمد الفقيد البطل صالح غسان الشعيبي بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجعل ما قدمه من خيرٍ في ميزان حسناته.

اللهم اربط على قلب والده الشيخ غسان الشعيبي، وألهمه الصبر والسلوان، واجعل مصابه رفعةً له في الدرجات، واجعل ابنه شفيعًا له يوم القيامة.

اللهم إنا نسألك بعزتك وجلالك أن تُعجل بالقصاص العادل من قتلة الفقيد، وأن تجعلهم عبرةً لكل ظالم، وأن تنصر الحق وأهله، فإنك وعدت، ووعدك الحق، بأن دم المظلوم لا يضيع.

رحم الله صالح غسان الشعيبي، وأسكنه جنات الخلد، وجعل ذكراه نورًا في قلوب محبيه، وصبر أهله ومحبيه، وجعل الصبر مفتاح الفرج، والنصر حليف المظلومين.

تعليقات