من كتاب رحلة البحث عن وطن...2 للكاتب السياسي علي بن شنظور

 


في المدخل 1 المقدمة تحدثت عن منطلقات كتابي الجديد رحلة البحث عن وطن وفي هذا الفصل الأول نقول..


 بدايات رحلة البحث عن وطن بدئت مبكرا..الفصل الأول.


حين أُعلنت وحدة اليمن بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية( عدن ) والجمهورية العربية اليمنية( صنعاء) في الثاني والعشرين من مايو عام 1990 من العاصمة الجنوبية عدن، برئاسة الرئيس اليمني الشمالي علي عبدالله صالح والامين العام للحزب في الجنوب الرئيس علي سالم البيض.

وفي مشهد غاب عنه الحضور

العربي باستثناء الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات


 كانت تلك اللحظة مفصلية في حياتنا جميعًا. كنا حينها جيلًا شابًا، نحمل في صدورنا آمالًا واسعة بحياة كريمة ومستقبل أكثر استقرارًا. ولم نكن، كما قد يُظن، ناقمين على واقعنا السابق؛ بل على العكس، كنا قد نشأنا وتعلمنا في مدارس الجنوب، وتدرّجنا في مسارات التعليم والتأهيل، وبدأنا نخطو بثقة نحو بناء مستقبلنا.

كنت واحدًا من أولئك الشباب الذين التحقوا مبكرًا بوزارة الدفاع والقوات المسلحة في الجنوب، حيث لم يتجاوز عمري آنذاك سبعة عشر عامًا، بينما كان كثير من أقراني لا يزالون على مقاعد الدراسة الثانوية. وقد أتاح لي ذلك الالتحاق المبكر فرصة الانخراط السريع في بيئة العمل العسكري، مستفيدًا مما كنت أتمتع به منذ الصغر من نشاط، وقدرة على بناء العلاقات، وشغف بالقراءة والثقافة، فضلًا عن مهارات النقاش والتفاعل مع الآخرين.

تم تأهيلي بشكل مبكر، ودرست العلوم الاجتماعية والتوجيه السياسي والشبابي، حتى تخرجت برتبة ضابط، أحمل مع غيري من أبناء جيلي آمالًا كبيرة بمستقبل واعد. كنا ننتظر فرص الابتعاث لمواصلة التعليم العالي في الخارج، وننظر إلى الغد بثقة لا يشوبها شك.

لكن، وبحماسة الشباب واندفاعه، لم نكن نُدرك حجم التحولات العميقة التي كانت تعصف بالعالم من حولنا. فقد شهدت تلك الفترة انهيار الأنظمة ذات التوجه الاشتراكي، وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي، وما تبع ذلك من تغيرات جذرية في عدد من الدول الأوروبية. وكان للجنوب، الذي كان يسير في إطار ذلك التوجه، نصيبه من تلك التحولات.

جاءت الوحدة اليمنية في هذا السياق المضطرب، لكنها لم تُبنَ على أسس متينة أو ضمانات كافية تكفل استمراريتها دون صراعات. كان الدافع العاطفي والقومي حاضرًا بقوة، حيث سادت شعارات الوحدة العربية، والأمل في أن تكون وحدة اليمن خطوة على طريق تحقيق ذلك الحلم الكبير. غير أن الواقع كان أكثر تعقيدًا.

خلال المرحلة الانتقالية، استطاع النظام في صنعاء أن يعيد ترتيب أوراقه، وأن يتغلغل في مفاصل الجنوب، بما في ذلك داخل الحزب الاشتراكي الحاكم آنذاك. وبدأت ملامح التوتر تظهر تدريجيًا، مع تصاعد الخلافات السياسية، وضعف الثقة بين الشريكين.

ورغم أن انتخابات عام 1993 حافظت ظاهريًا على توازن نسبي في التمثيل، إلا أن الانقسام السياسي كان يتعمق في الداخل. فقد ظل الجنوب تحت قيادة الحزب الاشتراكي، بينما بقي الشمال تحت سيطرة القوى النافذة، وعلى رأسها الرئيس علي عبد الله صالح، مدعومًا بتحالفات سياسية وقبلية قوية.

بلغت الأزمة ذروتها مع فشل تنفيذ وثيقة العهد والاتفاق التي وُقعت في الأردن برعاية الملك حسين، والتي كانت تهدف إلى احتواء الخلافات وإعادة بناء الثقة بين الأطراف. لكن تلك الوثيقة لم تُنفذ على أرض الواقع، ولم تجد طريقها إلى التطبيق، فانهارت سريعًا، لتُفتح أبواب المواجهة.

في عام 1994، حُسم الصراع بالحرب، وكانت الغلبة فيها لصالح صنعاء. ولم تكن تلك الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت نقطة تحول عميقة في مسار حياة جيل كامل، كنا نحن في مقدّمته.

بعد الحرب، وجدنا أنفسنا أمام واقع جديد لم نكن مستعدين له. تعرض كثير من أبناء الجنوب، وخاصة من الشباب، للإقصاء والتهميش، وأُبعدوا عن مواقعهم ووظائفهم، أو أُعيد توزيعهم في مهام لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو طموحاتهم.

بالنسبة لي، تم نقلي إلى موقع توجيهي في أحد محاور القوات المسلحة في حضرموت، لكنني لم أكن أملك القناعة الكافية للاستمرار في هذا المسار الجديد. لم أكن ممن يجيدون التكيف السريع مع التحولات المفاجئة، ولا من الذين يستطيعون الترويج لواقع لم يؤمنوا به.

كان من الصعب علينا أن نعترف بفشل التجربة السابقة بكل بساطة، كما كان من الصعب في الوقت ذاته أن نتبنى الواقع الجديد دون قناعة. فاخترنا، كثير منا، طريقًا آخر… طريق البحث عن لقمة العيش بعيدًا عن الوظيفة الرسمية.

تفرّق أبناء جيلي في مجالات متعددة؛ فمنهم من اتجه إلى التجارة البسيطة، ومنهم من عمل في سيارات الأجرة، أو في البقالات، أو في أعمال حرة متواضعة. وبعضهم اختار الهجرة، بينما انكفأ آخرون على أنفسهم، مثقلين بآثار الصدمة النفسية التي خلفتها تلك التحولات القاسية.

كانت مرحلة صعبة بكل المقاييس. انقطعت الرواتب، وضاقت سبل العيش، وتبددت الأحلام التي كنا نرسمها بثقة في سنوات الشباب الأولى.

ومن رحم تلك المعاناة، بدأت تتشكل في داخلي – وفي داخل كثيرين غيري – فكرة عميقة ومؤلمة في آن واحد:

رحلة البحث عن وطن.

لم تكن رحلة جغرافية بقدر ما كانت رحلة بحث عن الأمان، عن الكرامة، عن مكان نشعر فيه بأننا ننتمي، ونستحق أن نعيش فيه حياة تليق بإنسانيتنا.

وفي الصفحات القادمة، سأروي شيئًا من تفاصيل هذه الرحلة… كما عشتها، وكما شعرت بها، بكل ما فيها من ألم وأمل.


في الفصل الثاني نستعرض

أبرز ذكريات مابعد فرض

القوة من صنعاء على الجنوب

واستكمال مشروع الوحدة بالقوة وانعكاسات ماجرى

على الجنوب.


 ملاحظات في هذا الفصل.

1..

انا اتحدثت عن بداية الرحلة التي عشت فيها، وهناك من عاشوا قبلنا مراحل من النضال من أجل العيش في وطن آمن مستقر.

قرأت لاحد المشائخ وهو يحكي في كتاب قصير رحلة العبور إلى الحرية، وكان يتحدث عن رحلته مع والدته واسرته وهو صغير السن، هربًا من الوضع في الجنوب ابان النظام السابق في عدن في السبعينات، بسبب الأخطاء التي ارتكبها النظام بالتضييق على الحريات والتجارة ومشائخ الدين.

وهذا الكتاب هو للمؤرخ

محمد سالم بن علي جابر،

وفيه قصة ممتعة حول البحث عن لقمة العيش والكفاح والنجاح في الحياة.

2..

هناك قصص مماثلة لمن هاجروا باحثين عن الأمن والحياة الكريمة، وطامعين في وطن يؤيهم مستقر آمن يكفل حقوق الجميع، ولكن للأسف كانت كل مرحلة أصعب من الأخرى بسبب موجات الصراع البيني، مما أدى لضياع الوطن المتاح باليد في عام ١٩٩٠م، بحكم الوحدة الاندماجية التي لم تنقل الجنوب لوطن آمن مستقر، بل أدخلته في رحلة من الضياع ومحاولة البحث عن العودة للوضع السابق.

شبيه بذلك الذي ادخل رأسه في شباك المنزل ينظر ليلة القدر، ويدعو الله بأن يجعل رأسه كبير، ثم لما اصبح رأسه كبير لم يستطع ادخاله من الشباك او النافذة، فدعا الله أن يجعل رأسه صغير، فصغر رأسه ووجد انه في صورة مزعجة، فقال: يارب ارجع لي رأسي كما كان.

3..

اود الاشارة الى انني هنا لا اوثق تاريخ الجنوب ولا اليمن، ولكن احكي فصول من رحلة عشتها.

بفضل من الله كان الوطن هو الهدف الأسمى الذي تربينا عليه، وجعلناه شعارنا وهدفنا، وكان الوطن بالنسبة لنا مقدمًا فوق كل الاعتبارات، بما فيها الشخصية.

ومن أجل الوطن لم ارتب وضعي الشخصي في أي منصب رسمي حتى كتابة هذه الاسطر، ونحن في بداية ٢٠٢٦م، لكنني الواقع وجدت ان تلك تضحيه وموقف مثالي لا انصح به اولادي والشباب بل من حق كل فرد ان يضع له اهداف شخصية مشروعة كما اشرت في المقدمة للكتاب.


 وفي اطار هذا الحق وافقت على مقترح بترتيب وضعي الحكومي أن حصل ذلك فلن يكون الا مسؤولية لخدمة الوطن ورحلة البحث عن وطن بإذن الله ، ويؤسف انه في العقود الماضية، قفز للمشهد قبلنا اناس فوجئنا بضحالة فكرهم وفشلهم في قيادة الوطن، ونحن ندفع الثمن، وكأنه مطلوب منا فقط أن نستمر في لملمة الصفوف والحوار والنضال، وهم يتربعون على كراسي السلطة دون أن يحققوا شيئا مما يسعى له الشعب.

4..

نترحم على أرواح الشهداء، وندعو الله الشفاء للجرحى في رحلة البحث عن وطن، ونحمد الله أن جنبنا واخرجنا من كل الأزمات بخير وسلام.


وفي الفصول القادمة نضع القارى على توضحيات اخرى من رحلة البحث عن وطن بإذن الله تعالى.


الكاتب والباحث السياسي

علي زين بن شنظور ابوخالد

تعليقات