في ضوء ما يتم تداوله من تقارير إعلامية دولية ومعطيات بشأن إستهداف قاعدة "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي، أكد المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، ورئيس إئتلاف الجبهة الوطنية الديمقراطية، أن هذه التطورات – إذا ما ثبتت دقته – لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد حادث عسكري عابر، بل تمثل تحولاً استراتيجياً بالغ الخطورة في بنية النظام الدولي وقواعد الاشتباك التقليدية.
وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن الحديث عن إستهداف قاعدة عسكرية بهذا العمق الجغرافي، والتي تُعد من أهم مراكز الإرتكاز الإستراتيجي الأمريكي–البريطاني خارج نطاق الشرق الأوسط وأكثرها تحصيناً، يعكس إنتقالاً نوعياً من مفهوم “الحروب الإقليمية المحدودة” إلى “الحروب ذات الامتداد العالمي”، وهو ما يضع العالم أمام مرحلة جديدة من التعقيد وعدم اليقين الإستراتيجي.
وأشار إلى أن أهمية القاعدة المستهدفة لا تقتصر على موقعها الجغرافي البعيد، بل تمتد إلى دورها المحوري في إدارة العمليات العسكرية بعيدة المدى، ودعم منظومات الاستطلاع والردع والانتشار السريع، بما يجعل أي تهديد لها بمثابة مساس مباشر بمنظومة الأمن الغربية في عمقها الاستراتيجي، ويعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مدى صلابة ترتيبات الأمن الدولي الحالية.
وأضاف "غزال" أن ما يتم تداوله بشأن إستخدام صواريخ بعيدة المدى أو متقدمة تقنياً – بغض النظر عن مدى دقة هذه المعلومات – يفتح الباب أمام تحولات عميقة في مفاهيم الردع والهجوم، ويؤشر إلى تسارع غير مسبوق في سباق التسلح التكنولوجي، بما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل خريطة التوازنات العسكرية العالمية وتقليص الفجوة التقليدية بين القوى الكبرى والدول الإقليمية الصاعدة.
وأكد علي أن أحد أخطر التداعيات المحتملة لهذه التطورات يتمثل في إعادة تعريف مفهوم “العمق الآمن”، حيث لم تعد المسافات الجغرافية الطويلة تمثل ضمانة كافية للحماية من الاستهداف، وهو ما يفرض على القوى الدولية إعادة تقييم شاملة لعقيدتها الدفاعية واستراتيجياتها الأمنية في ضوء طبيعة التهديدات الحديثة.
وفي السياق ذاته، لفت إلى أن القلق المتزايد في عدد من العواصم الأوروبية – كما تعكسه التغطيات الإعلامية الغربية – يعكس إدراكاً متنامياً بأن مسارح الصراع لم تعد محصورة جغرافياً، وأن أي تصعيد قد يمتد ليشمل نطاقات أوسع، بما في ذلك المحيطات والممرات البحرية الاستراتيجية، وهو ما يرفع منسوب المخاطر على الأمن والسلم الدوليين.
كما شدد على أن التداعيات المحتملة لهذه التطورات لا تقتصر على البعد العسكري فقط، بل تمتد إلى أبعاد جيوسياسية أوسع، حيث قد تجد أوروبا نفسها – بحكم منظومة التحالفات القائمة – في قلب معادلة أمنية أكثر تعقيداً، ما يفرض عليها إعادة النظر في حسابات الأمن الجماعي وآليات الردع المشترك.
وحذر المفكر السياسي من خطورة الانزلاق وراء قراءات تحليلية متسرعة أو مبالغ فيها، وأن التعامل مع مثل هذه الملفات يتطلب قدراً عالياً من الدقة والمسؤولية السياسية، لتجنب دفع الأوضاع نحو تصعيد غير محسوب قد يخرج عن نطاق السيطرة.
وأشار إلى أن إحتمالات التصعيد، في حال عدم إحتوائها سياسياً ودبلوماسياً، قد تقود إلى توسع غير منضبط في نطاق المواجهة، بما ينذر بانتقال الصراعات من الأطر الإقليمية إلى مستويات أكثر شمولاً وتعقيداً، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً لاستقرار النظام الدولي برمته.
وفي ختام تصريحه شدد على أن المرحلة الراهنة تمثل اختباراً حقيقياً لمنظومة الأمن الدولي، داعياً جميع الأطراف الفاعلة إلى التحلي بأقصى درجات ضبط النفس، والعمل الجاد على خفض التوتر عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، مؤكداً أن الحكمة السياسية باتت ضرورة وجودية لتفادي سيناريوهات التصعيد المفتوح، والحفاظ على ما تبقى من توازنات الاستقرار في النظام العالمي.
وختم مؤكداً على أن العالم يقف أمام لحظة فارقة قد تعيد تشكيل قواعد اللعبة الدولية، وأن تجنب الإنزلاق إلى مواجهات واسعة النطاق يتطلب إرادة سياسية واعية، قادرة على تغليب منطق التهدئة والتوازن الاستراتيجي على حساب منطق الصدام والتصعيد.

تعليقات
إرسال تعليق