رحلة البحث عن وطن ذكريات ومواقف..

 

رحلة البحث عن وطن

ذكريات ومواقف..

دقائق من وقتك.جرب نفسك

هل أنت ممن يقرؤون ويستفيدون أم ممن حياته هامشية.

بقلم: أبوخالد علي زين

ابن شنظور

لم تكن فكرة هذا الكتاب وليدة لحظة هدوء، ولا ثمرة استقرارٍ يسمح بالتأمل والكتابة، بل وُلدت في قلب العاصفة، وبين تقلبات واقعٍ عشته بكل تفاصيله، خلال سنواتٍ تُعد من أثقل وأصعب ما مرّ على بلادنا. سنواتٌ امتدت لأكثر من خمسة عشر عامًا، اختلطت فيها مشاعر الألم بالأمل، وتزاحمت فيها الأحداث حتى كادت تسرق من الإنسان قدرته على التوقف والتفكير، فضلًا عن الكتابة والتأليف.

سنوات  عصفت بنا وكانت مليئة بالاحداث والتقلبات

والتنقلات ونحمد الله على السلامة والحفظ من كل شر ضمن رحلة البحث عن وطن وماتزال تلك الرحلة مستمرة حتى نصل إلى بر الأمان بإذن الله

ورغم ذلك، وجدت نفسي

بفضل الله مدفوعًا لإعادة ترتيب أفكاري، وتحويل ما كنت أكتبه في الصحف أو أسجّله في مذكراتي الخاصة، إلى عملٍ مكتوبٍ لايبقى حبيس الأدراج، بل شاهدًا على مرحلة، ومرآةً لتجربة. وكان لزوجتي، شريكة حياتي “أم خالد”، دورٌ لا يُنسى في هذا التحول، حين أشارت علي ذات يوم وانا منهمك في الكتابة، لماذا لاتطبع ماتكتبه في كتاب؟!.. كلمات دفعتني للتفكير بجمع مالدي

وكانت البداية بكتاب القضية الجنوبية التي كنت ممن كتب عنها ودافع عن مشروعيتها وعدالتها في بعض الصحف اليمنية.

 طبعت الكتاب نهاية ٢٠١١م ووزعته في مطلع ٢٠١٢م مع احداث ماعرف بثورة الربيع العربي وسقوط الانظمة في بعض الدول منها صنعاء.

 كما لا أنسى  من وقف إلى جانبي منذ البدايات،  الشيخ عبد المجيد السعدي، ثم الشيخ عصام النمر بدعم طباعة بعض الكتب وكذلك الدكتور منيف احمد سيف بالمساهمة بطباعة كتاب.. من روائع التجربة الرواندية.

 وكل من آمن بأن الكلمة يمكن أن تصنع أثرًا.


لم أسعَ يومًا من خلال هذه الإصدارات إلى ربحٍ مادي، لأن الكتب لم تعد مصدر مادي في هذا الوقت بل كان هدفي، وما يزال، نشر المعرفة، وإشعال شمعة في طريق الوعي، وتشجيع الآخرين على القراءة، وعلى خوض تجاربهم الخاصة في الكتابة والتطوير، كلٌّ في مجاله.

 وقد جاءت هذه الرحلة ضمن سلسلة من الإصدارات التي عملت عليها خلال السنوات الماضية، بعضها ارتبط بمسار بحث ودراسة وبعضها كان انعكاسًا مباشرًا لتجربتي في الحياة.


غير أن هذا الكتاب تحديدًا، “رحلة البحث عن وطن”، ومازال قيد الكتابة يحمل طابعًا مختلفًا؛ فهو مشروع يعد جزءٌ من ذاكرتي، من مواقفي، ومن سفري ومن تنقلاتي في محافظات الوطن وفي الخارج ..بدأت العمل عليه بالتوازي مع بحثٍ آخر حول “القيادة والإدارة في البلدان المضطربة”، لكن تسارع الأحداث، خاصة ما شهدته الساحة الجنوبية من تطورات سياسية وميدانية، فرض عليّ التوقف، وكأن الواقع نفسه يكتب فصول هذا الكتاب قبل أن أكتبها أنا.


رحلة البحث عن وطن…هي رحلة وطنٍ لم نتوقف عن الحلم به، رغم كل ما مررنا به من إقصاءٍ وتهميش، ومن تحولاتٍ عصفت بالمنطقة منذ ما قبل عام 2011م، مرورًا بانهيار الأنظمة، وسقوط المدن، ووصولًا إلى واقعٍ ما يزال يبحث عن استقراره. إنها ليست رحلتي وحدي، بل رحلة شعبٍ بأكمله، ما يزال يسير بين الألم والأمل، باحثًا عن وطنٍ يحفظ كرامته، ويمنحه حق الحياة كما تستحقها الشعوب.


وفي خضم هذه الرحلة، كانت تجربة السفر في مناسبات وظروف عدة من أهم المحطات التي أعادت تشكيل وعيي.

 أدركت أن السفر ليس مجرد انتقالٍ من مكانٍ إلى آخر، بل هو مدرسةٌ للحياة؛ تتعلم فيه الصبر، وتفهم معنى الابتعاد عن الأهل والوطن وتدرك قيمة الأسرة حين تبتعد عنها، وتعيش شيئًا من تجربة السفر مع الذين قضوا سنواتٍ طويلة بعيدًا عن أوطانهم، يسعون خلف لقمة العيش، أو بحثًا عن الاستقرار.


وقد التقيت خلال هذه الرحلة في الداخل أو الخارج بأشخاصٍ تركوا أثرًا عميقًا في نفسي؛ منهم من بدأ من لا شيء، لكنه وضع لنفسه هدفًا واضحًا، ورسم طريقه بإصرار، حتى استطاع خلال سنواتٍ محددة—بل خلال عقدٍ من الزمن—أن يحقق ما كان يبدو مستحيلًا. كانت تلك القصص درسًا حيًا في أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه اليوم، بل بما يسعى إليه، وبقدرته على تحويل أحلامه إلى واقع.


ومن هنا، كانت أهمية الأهداف إحدى أبرز القناعات التي نؤكد عليها.


 فالحياة بلا هدف تستهلك الإنسان، بينما الهدف يمنحه معنى، ويقوده نحو الإنجاز.


 ولم يعد مقبولًا أن يظل الإنسان أسير وظيفةٍ تقيده، بل من المهم أن يضع الشباب اهداف نصب أعينهم والاستفادة من غلط مثاليتنا التي جعلتنا نترك التفكير بترتيب اوضاعنا ظناً منا أن الوطن سوف ينصفنا..


البشر اغلبهم لايعترفون الّا بمن يملك السلطة والمال ولايهمهم كثيرا تضحياتك ولاعقلك وثقافتك وقيمك.

فالعقل مكانته قليلة عند كثير من الناس.


 هذه الفكرة التي لامستني في لقاءاتٍ عدة، وأثّرت في طريقة تفكيري، انقلها للشباب لوضع اهداف لهم خاصة في ما يتعلق ببناء الذات، والتخطيط للمستقبل.


كما لم تغب عني في هذه الرحلة اللحظات الإنسانية التي تمنح الحياة توازنها وتجدد حيويتها بالمحبة.


 فليس كل شيء سياسة، ولا كل الوقت عمل. هناك لحظات الحب، والحنين، والتواصل مع من نحب، وهي لحظات لا تقل أهمية عن أي إنجازٍ آخر، بل ربما كانت هي الوقود الحقيقي للاستمرار. فالقلب—كما أؤمن—لا يعرف عمرًا، وما يهم هو أن يظل حيًا، قادرًا على العطاء.


وفي زمنٍ باتت فيه وسائل التواصل الاجتماعي تستهلك أعمارنا، كان لا بد من التوقف عند هذه الظاهرة، والتنبيه إلى خطورة الانغماس الكامل فيها، على حساب الوقت، والصحة، والعلاقات الحقيقية. فالتوازن ضرورة، وتجديد النفس لا يقل أهمية عن السعي والعمل.


إن “رحلة البحث عن وطن عنوان كتابي القادم بإذن الله هو خلاصة لتجربة عشتها منذ مابعد حرب ١٩٩٤م ومن خلال علاقاتنا الواسعة ومعرفتنا بكثير من الرؤساء والمسؤولين والقادة في السلطة والمعارضة وفي قوى الحراك والثورة والمقاومة الجنوبية وهي دعوةٌ مفتوحة لكل إنسان يسير

في هذا الركب.


وهناك ملاحظات سريعة. منها أن يحدد المرء أهداف

وأن يتمسك بقيمه،

وأن يكون صادقًا، أمينًا، متواضعًا، وفيًا لمن يستحق الوفاء، وأن يسعى لأن يكون أفضل مما كان عليه بالأمس.


وفي طريق رحلة البحث عن

وطن الكثير من الذكريات والمواقف والدروس، التي سأحاول أن أشاركها تباعًا، لعل فيها ما ينفع كل قلبٍ يسير في ذات الطريق.


والله من وراء القصد،

أبو خالد

علي زين بن شنظور

29 مارس 2026

الرياض

تعليقات