كثيرة هي الآراء والتقارير التي تحدثت ولا زالت تتحدث عن حرب الخليج الرابعة ما بين واشنطن وحليفها الكيان من طرف وإيران من طرف آخر، ولا أعني بتلك الآراء والتقارير التي تتحدث عن المعارك والصدامات العسكرية والصواريخ والقنابل وغيرها، وإنما لفت نظري تقارير تحدثت عن الخلافات الداخلية في طهران ما بين أركان النظام المتمثلين بالثلاثي بزشكيان وقاليبات وعراقجي من طرف، ووحيدي رئيس الحرس الثوري من طرف آخر بشأن الخلاف مع واشنطن لدرجة أن بعض التقارير تحدثت عن فرض إقامة جبرية على الثلاثة، وأن هناك انقلابًا حدث في طهران، وأن الحرس الثوري أمسك بقيادة السلطة.
هذه التقارير بتقديري ما هي إلا أضغاث أحلام يحلم بها البعض بالذات الذين هم في أروقة البيت الأبيض الذين يبحثون اليوم عن إبرة وسط حطام البنايات والمصانع والمنشآت المدنية منها والعسكرية التي بلغ عددها عشرات الألوف لدرجة أنه لم يعد هناك ما يمكن قصفه لإجبار طهران على الركوع والقبول بالشروط الصهيوأمريكية.
أنا بتقديري قد تكون تلك التقارير والأنباء تكتيكًا إيرانيًّا ولا أستبعد ذلك بتاتا لأن بجانب الحرب العسكرية هناك حرب سياسية تدور رحاها ليس في طهران فقط التي أرى بأنها أقل العواصم تأثرا بها، وإنما في واشنطن التي أرى بأنها أخطأت التقدير ، وأيضا الكيان مرورا بكبريات العواصم الدولية بالذات في بكين وموسكو اللتين كانتا على ما يبدو تراهنان على غباء تقدير الكيان وترامب بعقليته العقاراتية التي لا تفهم بالسياسية بقدر فهمها بصفقات عقاراتية وتورَّط بها.
الآن وبعيدا عن العواطف والجروح التي أحدثتها طهران في دولنا الخليجية التي قد تحتاج لعقود لاستعادة الثقة المجروحة تاريخيا ما بين الفرس والعرب أساسا والتي أدنتها وأدينها باشد عبارات الادانات والاستنكارات فإن حتمية الجغرافيا السياسية تفرض نفسها بهذا الواقع الذي سببته عقليتان عقلية ثيوقراطية متخلفة حتى النخاع، وعقلية استعمارية لا زالت تعيش بعقلية القوة التي تحقق كل شيء، والعقليتان لا تفهمان غير لغة القوة والضحية من يقع بوسطهما؛ لذلك دولنا الخليجية حقيقة يرفع لها العقال بتعاملها مع اعتداءات طهران وفصائلها عليها؛ لأن الهدف ولا يزال قائمًا هو تدمير النموذج الناجح لدول الخليج.
المراد أن ما يجري الآن بعد كل هذه الجروح التي أحدثتها صراع الفيلة ما هو إلا مناورات من الطرفين لكسب أكبر نقاط ممكنة قبل حل هذه الأزمة، والحل لن يأتي إلا بتنازل الطرفين عن بعض شروطها، وإلا ستبقى المهل تمدد الواحدة تلو الأخرى، مع وقف إطلاق النار حتى تتغير الظروف لتفرض واقعًا تتغير به المصالح تجبر طرفيْ الصراع على تقديم تنازل، وهذا لم تنضج ظروفه بعد؛ وعليه فلا خلاف بين أركان طهران ولا شيء من هذا بقدر ما هي إلا أماني من واشنطن والكيان لأن بكل بساطة الثلاثي هم أبناء الحرس الثوري ذاته، ونتاجه فمنهم من يدير المشهد سياسيا، ومنهم عسكريا، فالأزمة الحقيقة برأيي في واشنطن ذاتها وليس في طهران.

تعليقات
إرسال تعليق