ميخائيل عوض / لبنان
*أولاً: بين هدنةٍ شكلية وحربٍ مستمرة*
ينطلق طرحنا من مسلّمة أن ما يجري ليس “وقف إطلاق نار” بالمعنى الكلاسيكي، بل نرفض هذا التوصيف من أساسه، ونستبدله بمفهوم أدق: “تمديد العدوان بإيقاع منخفض”.
فالهدنة، وفق قواعد الصراع، تُبنى على توازن أو اعتراف متبادل بين طرفين متحاربين، بينما ما يجري — بحسب التحليل — هو استمرار للضغط العسكري والسياسي مع تغيير في الشكل لا في الجوهر.
هذا التفكيك اللغوي ليس تفصيلاً، بل مدخل أساسي لفهم طبيعة المرحلة: نحن لسنا أمام نهاية حرب، بل أمام إدارة زمن الحرب.
فالحروب لا تتوقف حين تكون الأهداف الكبرى لا تزال قائمة، بل تعيد تشكيل أدواتها. من هنا، يصبح “التمديد” أداة لإعادة التموضع، وليس تعبيراً عن إرادة تهدئة. هذا الفهم يحوّل المرحلة من كونها استراحة بين جولتين إلى كونها مرحلة داخل الحرب نفسها، تُدار فيها الضغوط بوسائل أقل صخباً وأكثر تعقيداً.
*ثانيًا: الزمن كسلاح: من يملك التوقيت يملك المبادرة ويفرض الحسم*
العامل الزمني في قلب المعركة، حيث لا تُقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل بالقدرة على تحمّل الزمن واستثماره. الإدارة الأمريكية تبدو محكومة بسقوف سياسية ودستورية وضغوط داخلية، ما يجعلها تسابق الوقت لإنجاز “نصر قابل للتسويق”. في المقابل، تتعامل إيران بمنطق النفس الطويل، حيث يصبح تأخير الحسم بحد ذاته إنجازاً استراتيجياً. هذه المفارقة تعني أن الصراع لم يعد فقط على الأرض، بل على إيقاع الزمن نفسه: من يفرض توقيت النهاية يفرض شكلها .
هناك خمسة أيام مفصلية، تتحرك ضمنها عدة سيناريوهات متوازية:
- إمكانية نضوج تسوية تحت الطاولة و مفاوضات غير معلنة قد تقود إلى صيغة مؤقتة: هذا الاحتمال لا يتجاوز 40% وفق تقديره. وأي تسوية ستكون محاولة لتسويق “وهم الربح المتبادل”، وهو ما يرفضه منطق الحرب.
- سيناريو الضربة الخاطفة الأمريكية: ضربة مركزة خلال 48–72 ساعة. واستخدام أقصى قوة نارية ممكنة. وصولًا إلى إعلان “نهاية المهمة” سريعاً قبل ضغط الكونغرس. ببنما استراتيجية إيران المقابلة ستكون امتصاص الضربة إن حصلت ثم الرد غير المباشر أو المفاجئ باللعب على عامل الزمن، حيث ترى أن الوقت يعمل لصالحها لا ضدها.
هنا يتحول الزمن إلى سلاح بحد ذاته ترامب تحت ضغط الوقت،بينما طهران تستثمره.
*ثالثًا: مأزق القرار الأمريكي — بين الحرب والسياسة*
يقدم التحليل صورة مركبة للوضع داخل الولايات المتحدة:
- ترامب يتعرض لضغط الكونغرس لتقييد الحرب خلال 60 يوماً.
- تراجع في الرأي العام وفي كتلة ماغا التي جاءت بترامب رئيسا.
- بوادر اضطراب اقتصادي عالمي (خاصة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة).
بناءً على ذلك، يُفهم سلوك الإدارة الأمريكية كالتالي:
حرب قصيرة مكثفة تؤدي إلى إعلان نصر سياسي ثم انسحاب تكتيكي.
لكن هذا النموذج يحمل تناقضاً جوهرياً فإذا كانت الحرب لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، فإن “إعلان النصر” يصبح مجرد أداة إعلامية، لا حقيقة ميدانية.
*رابعًا: وهم “رابح-رابح”: تفكيك خطاب التسويات*
فمقولة “التسوية المتوازنة” في سياق الحروب، تعتبر خدعة لغوية لتغطية اختلالات القوة. فالحرب، بطبيعتها، تنتج غالباً ومغلوباً، حتى لو جرى تغليف النتائج بصيغ دبلوماسية. لذلك، فإن أي اتفاق يُطبخ في الظل خلال هذه المرحلة لن يكون إلا تعبيراً عن ميزان قوى مختل، لا عن توازن حقيقي. من هنا، يُفهم الحذر الإيراني والتريث في التفاوض كإدراك عميق بأن الاعتراف المبكر بالتسوية قد يعني تثبيت خسارة مؤجلة.
*خامسًا: سيناريو الضربة الخاطفة: القوة كأداة للخروج لا للحسم*
إن احتمال لجوء واشنطن إلى ضربة مركزة وسريعة، تُستخدم فيها أقصى قدرات التدمير خلال وقت قصير، ليس بهدف تحقيق نصر استراتيجي، بل لفرض واقع سياسي يسمح بإعلان “نهاية المهمة”. هذا النموذج يعكس تحولاً في العقيدة القتالية: من حروب الحسم الطويلة إلى ضربات استعراضية عالية الكثافة تُستخدم كجسر نحو الانسحاب. غير أن هذا السيناريو يحمل مخاطرة كبرى، إذ قد يفتح الباب أمام ردود غير متوقعة تُفشل هدفه الأساسي: التحكم بمسار النهاية.
*سادسًا: إيران واستراتيجية الامتصاص: تحويل الضربة إلى فرصة*
في المقابل، يستند السلوك الإيراني — إلى فرضية أن الضربة الأمريكية، إن حصلت، ستكون محدودة زمنياً، ما يتيح امتصاصها ثم إعادة توجيه الصراع. هذه الاستراتيجية تقوم على مراكمة عناصر القوة غير المباشرة: الصبر، الانتشار الإقليمي، والقدرة على الرد غير المتناظر. وبهذا المعنى، لا تُقاس النتيجة بعدد الضربات، بل بقدرة الطرف على البقاء في المعركة بشروط أفضل بعد الضربة.
*سابعًا: لبنان ساحة إعادة تعريف: من دولة إلى أداة*
ننتقل إلى النقطة الأخطر: تحويل لبنان من طرف متأثر إلى طرف مُوظَّف.
حيث نرى أن ما جرى في اللقاء السياسي في واشنطن بين السفير الإسرائيلي والسفيرة اللبنانية لم يكن مفاوضات، بل:
منصة إعلامية لإعلان موقف.
ولإعادة تعريف العدو: من إسرائيل إلى المقاومة.
في محاولة إضفاء شرعية على تدخل خارجي مباشر.
أخطر ما في هذا التحول هو إطلاق يد إسرائيل عملياً رغم الحديث عن هدنة.
وإدخال الولايات المتحدة كطرف مباشر داخلياً. والسعي لانتزاع غطاء قانوني لبناني لضرب المقاومة.
وهنا يصل التحليل إلى خلاصة صادمة المسار ليس تفاوضياً، بل تمهيد لإعادة تعريف الشرعية داخل لبنان.
إن الخطر لا يكمن فقط في العدوان الخارجي، بل في إعادة توظيف الدولة نفسها داخل هذا العدوان. اللقاءات السياسية التي جرت لا تُفهم كمسار تفاوضي، بل كمنصة لإعادة صياغة المفاهيم: من هو العدو؟ ومن هو الحليف؟ الأخطر هنا هو محاولة نقل لبنان من موقع الضحية إلى موقع الشريك في استهداف جزء من بنيته الداخلية، ما يعني عملياً إعادة تعريف وظيفة الدولة ضمن المشروع الإقليمي.
*ثامناً: إسقاط الشرعية عن المقاومة: المعركة الحقيقية خلف الواجهة*
فالهدف الجوهري للتحركات الجارية وهو نزع الشرعية عن المقاومة، ليس عسكرياً بل قانونياً وسياسياً.
فحين تُجرَّد قوة من شرعيتها الداخلية، تصبح هدفاً مشروعاً لأي تدخل خارجي. هذه الاستراتيجية أخطر من الحرب المباشرة، لأنها تنقل المعركة إلى مستوى البنية القانونية للدولة.
وبالتالي، فإن ما يجري ليس مجرد ضغط عسكري، بل محاولة لإعادة كتابة قواعد اللعبة بحيث يصبح العدوان مغطى بشرعية محلية.
الهدف المركزي للتحركات:
- نزع الشرعية الوطنية والقانونية عن المقاومة، عبر قرارات حكومية يبرر غطاء دولي.
- توصيف جديد للصراع من مواجهة العدو المحتل الذي يرتكب المجازر ويحتل الأرض ويعتدي على السيادة إلى توجيه البندقية للمقاومة التي تشرع كل القوانين وجودها في واقع الاحتلال.
هذا التحول، إن تحقق، يعني
تحويل الصراع من مواجهة خارجية إلى صراع داخلي.
وفتح الباب لتدخل عسكري مباشر تحت طلب “رسمي”.
وبالتالي إعادة إنتاج نموذج “السلطة الهامشية” التابعة.
*تاسعاً: السيناريو الأخطر — طلب التدخل الخارجي*
يطرح التحليل احتمالاً بالغ الخطورة أن تطلب الحكومة اللبنانية رسمياً تدخلاً أمريكياً.
وهو أخطر السيناريوهات المطروحة أن تطلب السلطة اللبنانية تدخلاً خارجياً بشكل رسمي. عندها، يتحول التدخل من عدوان إلى “استجابة لطلب سيادي”، ما يغيّر جذرياً طبيعة الصراع. في هذه الحالة، لا يعود الحديث عن مواجهة بين طرفين خارجيين، بل عن إعادة احتلال مغلّف بشرعية قانونية. وهذا ما يرفع مستوى الخطر من نزاع إقليمي إلى تهديد وجودي للكيان نفسه.
في هذه الحالة:
- يتحول التدخل إلى “شرعي دولياً”.
- تصبح إسرائيل جزءاً من هذا التدخل.
- يتحول الصراع إلى حرب سيادية شاملة.
ونؤكد أن هذه ليست حرباً أهلية، بل هي *حرب وطنية* وهي أشد خطرا من الحرب الأهلية إنها حرب يشنها غزو خارجي بغطاء داخلي لمواجهة مكون أصيل مقاوم في النسيج اللبناني.
*عاشراً: الحرب الوطنية: حين تتحول السلطة إلى بوابة الغزو ويصبح الصراع على وجود لبنان لا على حكمه*
إن سيناريو “الحرب الوطنية” هي الأخطر على الإطلاق، لا لأنها تزيد مستوى جديداً من العنف فحسب، بل لأنها تعيد تعريف طبيعة الصراع جذرياً. ففي حال أقدمت السلطة اللبنانية على توقيع اتفاق مع إسرائيل وطلبت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تدخلاً خارجياً لتنفيذه، فإن ذلك لا يعني اندلاع حرب أهلية بالمعنى التقليدي، بل انتقال البلاد إلى حالة مواجهة مع غزو خارجي مغطّى بشرعية داخلية. هنا تكمن الخطورة النوعية: إذ يتحول جزء من مؤسسات الدولة إلى أداة في مشروع يستهدف جزءاً آخر من بنيتها الاجتماعية، ما ينسف فكرة الدولة نفسها ويُسقط الحدود بين الداخل والخارج. الحرب الأهلية، مهما بلغت قسوتها، تبقى صراعاً على السلطة أو التوازنات داخل الكيان، أما “الحرب الوطنية” في هذا السياق فهي صراع على وجود الكيان وهويته ووظيفته.
بهذا المعنى، يتجاوز السيناريو كل ما شهده لبنان سابقاً، بما في ذلك تداعيات اتفاق 17 أيار، الذي مثّل محاولة لإعادة تموضع لبنان ضمن مشروع إقليمي، لكنه بقي محكوماً بسقوف زمنية وتوازنات دولية حالت دون اكتماله. أما اليوم ، فإن البيئة الدولية تغيّرت جذرياً: لم تعد هناك ضوابط حقيقية تكبح التدخلات، ولا توازنات رادعة كما في الثمانينيات، ما يجعل أي خطوة من هذا النوع بمثابة فتح الباب أمام تدخل مباشر متعدد المستويات — عسكري، سياسي، وأمني — تحت عنوان “الشرعية”. الأخطر أن هذا المسار لا يكتفي بإشعال المواجهة، بل يعيد إنتاجها بشكل مفتوح، بحيث تتحول إلى حرب طويلة تتجاوز قدرة أي طرف داخلي على احتوائها، وتستدعي تلقائياً تدخلات إقليمية ودولية أوسع.
إن هذه الحرب، إذا اندلعت، لن تكون مجرد تكرار لسيناريوهات سابقة، بل ستكون ذات طابع وجودي، حيث تتداخل فيها خطوط الاشتباك بين المحلي والإقليمي والدولي. فالمجتمع الذي يُطلب منه القبول بإعادة تعريف “عدوه” لن يستجيب بسهولة، بل سيتحول إلى بيئة مقاومة واسعة، ما يعني أن الصراع سيتخذ طابعاً شاملاً يتجاوز الانقسامات التقليدية. في هذه الحالة، لا تعود المعركة على من يحكم، بل على لمن ينتمي الوطن نفسه. ومن هنا تأتي خطورتها القصوى: إنها حرب لا تنتهي بتسوية سياسية سريعة، بل قد تعيد تشكيل لبنان بالكامل — جغرافياً وسياسياً وديموغرافياً — وتضعه أمام احتمال التفكك أو إعادة التأسيس القسري ضمن شروط خارجية.
*الحادي عشر: إمكانيات الإحباط — هل لا يزال هناك مخرج؟*
رغم الصورة القاتمة، فإن مسارات محتملة لمنع الانهيار:
- استقالة الحكومة والذي يؤدي تعطيل أي قرار استراتيجي وتحويلها إلى حكومة تصريف أعمال.
- انسحاب مكونات أساسية من السلطة وإسقاط الغطاء الوطني.
- إعادة تعريف المشهد السياسي.
ونتوجه مرة أخرى بالنصيحة للرئيس اللبناني بأن يأخذ قرار الاستقالة فهذا القرار
يخلق صدمة سياسية أمام المشروع الصهيوأمريكي المعد للبنان ويعمل على إعادة خلط الأوراق داخلياً.
هذه السيناريوهات ليست سهلة، لكنها — وفق الطرح — واقعية ومجربة في لبنان.
هذه الأدوات، وإن بدت تقليدية، يمكن أن تتحول إلى آليات دفاع سيادي إذا استُخدمت في اللحظة المناسبة. غير أن فعاليتها تبقى مرهونة بوجود إرادة سياسية تدرك حجم الخطر وتتصرف على هذا الأساس.
*الثاني عشر: من باب المندب إلى تيغراي: القرن الإفريقي يدخل معادلة الصراع ويعيد رسم ميزان القوى العالمي*
إن بروز الصومال وأثيوبيا في سياق الصراع الدائر ليس حدثاً هامشياً أو طارئاً، بل مؤشر على تحول فرط-استراتيجي يعيد رسم خرائط الاشتباك خارج المراكز التقليدية. فحين تعلن الصومال استعدادها للتأثير في أحد أهم الشرايين البحرية العالمية "باب المندب"، وفي توقيت يتقاطع مع اشتداد المواجهة في الإقليم، فإن ذلك لا يُقرأ كقرار سيادي معزول، بل كدخول فاعل جديد يحمل موقعاً جيوسياسياً بالغ الحساسية، ويملك في الوقت نفسه خلفية أيديولوجية-مذهبية تضفي على الصراع بعداً مختلفاً. أهمية هذا التطور، وفق طرحنا ، تكمن في أنه يكسر النمط الذي حكم الصراع لعقود، حيث كانت المواجهة تُدار ضمن ثنائية محددة؛ أما اليوم فنحن أمام توسّع أفقي للصراع تدخل فيه قوى من خارج “المسرح المركزي”، ما يعني أن موازين القوى لم تعد تُحسم فقط في الشرق الأوسط التقليدي، بل باتت تتأثر بأطراف بعيدة جغرافياً لكنها حاسمة وظيفياً.
وفي المقابل، فإن عودة التوترات في أثيوبيا، وخصوصاً في إقليم تيغراي، تحمل دلالات لا تقل خطورة، إذ تعكس إمكانية إعادة فتح جبهات كانت قد أُغلقت مؤقتاً، بما يهدد بإشغال قوى إقليمية ودولية في مسارح متوازية. هذا التزامن بين التحرك الصومالي والاهتزاز الأثيوبي ، فإن المنطقة الممتدة من القرن الإفريقي إلى البحر الأحمر تتحول تدريجياً إلى ساحة اشتباك استراتيجية مكمّلة للصراع الدائر، لا مجرد خلفية له. الأخطر من ذلك أن البعد المذهبي — حيث تتقاطع قوى ذات خلفيات سنية جهادية مع محور تقوده إيران — قد يفتح الباب أمام تحولات غير مسبوقة، تصل إلى حدود تقاطع أو تلاقي موضوعي بين قوى كانت تاريخياً في حالة صراع. وإذا ما تحقق ذلك، فإنه يبدّل قواعد اللعبة بالكامل، لأن توحيد أو تنسيق جهود هذه القوى، حتى بشكل غير مباشر، كان كفيلاً — بإحداث تغييرات كبرى لو حصل في مراحل سابقة.
بهذا المعنى، لا يتوقف التحليل عند توصيف حدثين منفصلين، بل يقرأهما كجزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل مسرح العمليات، حيث تتحول الممرات البحرية، والهوامش الجغرافية، والقوى “الطرفية” إلى عناصر مركزية في الصراع. إن دخول الصومال وأثيوبيا على خط الأحداث لا يعني فقط اتساع رقعة المواجهة، بل إن العالم يتجه نحو نموذج صراع شبكي متعدد العقد، تتوزع فيه مراكز التأثير، وتتعقد فيه مسارات الحسم. وهذا، في جوهره، هو التحول الفرط-استراتيجي الذي تحدثنا عنه : انتقال من صراع يمكن احتواؤه ضمن جغرافيا محددة، إلى صراع مفتوح يعاد تشكيله عبر نقاط غير متوقعة، وقد يحسم في أماكن لم تكن محسوبة سابقاً ضمن معادلة القوة.
*الثالث عشر: مرحلة الانفجار المؤجّل وإعادة التشكّل العميق*
مع استمرار حالة التوازن الحرج حيث لا عودة للحرب ولا اتفاق على هدنة ولا مفاوضات تنهي الخلاف أو حسم عسكري ينهي الحرب فخلاصة المرحلة بوصفها لحظة تاريخية معلّقة بين انفجار لم يقع بعد، وإعادة تشكّل لم تكتمل ملامحه. فلا توازن مستقر يمكن الركون إليه، بل حالة سيولة استراتيجية تتأرجح فيها الأحداث بين التصعيد والتهدئة دون أن تستقر على معادلة نهائية. هذا التذبذب ليس عارضاً، بل يعكس عجز جميع الأطراف عن فرض حسم واضح، وفي الوقت نفسه عدم قدرتها على التراجع. وهكذا يتحول المشهد إلى ما يشبه اختباراً مفتوحاً للقوة، حيث يدفع كل طرف بحدوده إلى أقصاها، دون أن يضمن النتائج، ما يجعل الصراع أشبه بعملية جسّ نبض كبرى لموازين القوى الدولية والإقليمية.
في هذا السياق، تصبح القرارات الكبرى مؤجلة لا ملغاة، وتتحول المعارك الجارية إلى أدوات استكشاف أكثر منها أدوات حسم. كل ضربة، كل تصريح، كل تحرك دبلوماسي، يدخل ضمن معادلة اختبار الإرادات، لا ضمن معادلة إنهاء الصراع. لذلك، فإن اللحظة الراهنة ليست مجرد محطة ضمن مسار طويل، بل هي لحظة مفصلية قد تعيد تعريف قواعد اللعبة بالكامل، سواء على مستوى الإقليم أو النظام الدولي الأوسع.
ومن هنا تأتي الفكرة المركزية في طرحنا : السؤال الحقيقي لم يعد من سينتصر في الجولة الحالية، بل كيف ستُهزم القوى الكبرى نفسها، وبأي ثمن. فالهزيمة هنا لا تُقاس فقط بخسارة معركة، بل بتآكل القدرة على فرض الإرادة، وانكشاف حدود القوة، وتراجع المكانة في النظام الدولي. هذا التحول يعني أن العالم يتجه نحو مخاض ولادة نظام جديد، لن يتشكل عبر انتصار حاسم لطرف واحد، بل عبر سلسلة من الاستنزافات المتبادلة التي تعيد توزيع القوة على نحو مختلف.
وبالتالي، فإن ما نشهده ليس نهاية صراع، بل بداية طور جديد منه، حيث تتحدد ملامح المستقبل لا في لحظة إعلان النصر، بل في مسار التآكل التدريجي للقوى التقليدية، وصعود أنماط جديدة من الفعل والتأثير. إنها لحظة يُعاد فيها تعريف النصر والهزيمة معاً، وتُكتب فيها معادلات العالم القادم على وقع الانفجار المؤجّل وإعادة التشكّل العميق.
🖋 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق