ميخائيل عوض / لبنان
قبيل زيارة دونالد ترامب المرتقبة إلى الصين، يبدو العالم وكأنه يقف على حافة تحوّل استراتيجي غير مسبوق.
واشنطن التي ذهبت إلى الحرب الاقتصادية والعقوبات والتهديدات، تجد نفسها اليوم أمام ثلاث فرامل كبرى تكبح اندفاعتها نحو فرض الهيمنة واستعادة الأحادية الأمريكية.
روسيا تكشف عن صاروخ “سارمات” الأسرع من الصوت بسرعة تتجاوز ٣٥ ماخ، في رسالة تقول إن ميزان الردع تغيّر، وإن زمن التفوق الأمريكي المطلق انتهى.
وإيران ترفع سقف التحدي معلنة أن أي اعتداء سيقابل برفع التخصيب إلى ٩٠٪، وسط تصاعد الحديث عن مضيق هرمز بوصفه “القنبلة النووية الاقتصادية” القادرة على خنق الأسواق والطاقة والاقتصاد العالمي خلال أيام.
في المقابل، تتسع معركة البحار والكابلات والرسوم والعقوبات، بينما تدخل البحرية الأمريكية مرحلة استنزاف مفتوح في الممرات الدولية الحساسة.
*العالم يدخل طورًا جديدًا… وزمن الهيمنة يترنح*
في قراءة إستراتيجية للمشهد الدولي، ومن فكرة محورية نعتبرها مفتاح فهم ما يجري: العالم لم يعد يعيش أزمة عابرة، بل يعيش لحظة انتقال تاريخي كبرى، لحظة سقوط منظومة وصعود أخرى.
الحرب بالنسبة إليه ليست مجرد اشتباكات متنقلة بين دول ومحاور، بل حرب وجود ومصير تعيد تشكيل موازين القوى وقواعد السيطرة والنظام الدولي كله.
ومن هنا، فإن كل ما يجري — من روسيا إلى إيران، ومن مضيق هرمز إلى زيارة ترامب المرتقبة للصين — ليس أحداثًا منفصلة، بل حلقات مترابطة ضمن مخاض ولادة عالم جديد، إن شعوب المنطقة ومحور المقاومة باتوا جزءًا أساسيًا من صناعته، بعد قرن كامل من التضحيات والحصار والاستنزاف.
ونؤكد أن المؤشرات الاستراتيجية لم تعد قابلة للإخفاء أو التجميل؛ فالقوة الغربية التي حكمت العالم بالبحر والدولار والعقوبات والسلاح بدأت تفقد تدريجيًا أدوات تفوقها التاريخي، بينما تتقدم قوى جديدة تمتلك الصبر والقدرة والإرادة والعقيدة الاستراتيجية الطويلة النفس.
*سارمات… الصفعة الروسية التي غيّرت معنى الردع وأسقطت البحرية الأمريكية والقبة الذهبية*
إن إعلان روسيا إدخال الجيل الجديد من صواريخ “سارمات” إلى الخدمة ليس مجرد حدث عسكري تقني، بل إعلان سياسي حضاري عن انتهاء عصر الهيمنة الأحادية.
فالصاروخ الذي يتحدث عنه الروس بسرعات تتجاوز عشرات أضعاف سرعة الصوت، وبقدرات تجعل اعتراضه شبه مستحيل، لا يمثل مجرد تطوير في سباق التسلح، بل يعكس انتقال ميزان القوى الكلي من الغرب إلى الشرق.
ونشير إلى أن الدلالة الأخطر ليست في الصاروخ نفسه، بل في توقيت الإعلان عنه، بالتزامن مع حرب كبرى مفتوحة اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، وفي لحظة تعيش فيها الولايات المتحدة وأوروبا أزمات استنزاف غير مسبوقة، وقبيل ساعات من وصول ترامب للصين بحقيبة شروط فارغة.
فإن موسكو لا تقول فقط إنها قادرة على الردع، بل تقول أيضًا إن زمن الابتزاز العسكري الأمريكي يقترب من نهايته، وإن العالم لم يعد خاضعًا لإرادة حاملات الطائرات ولا للهيمنة الأطلسية التقليدية. وأن إعلان سارمات داخل الخدمة في نهاية 2026 تعني نهاية هيمنة البحرية الأمريكية وتحطم هيبة القبة التريولونية الذهبية التي تفاخر فيها ترامب.
وأن الفارق الحضاري بين المعسكرين يظهر بوضوح هنا: روسيا والصين وإيران تستثمر في العلم والفيزياء والتكنولوجيا العميقة، بينما تتحول النخب الغربية — بحسب وصفه — إلى نخب مضاربة وسمسرة وإدارة أزمات، فاقدة للرؤية التاريخية بعيدة المدى.
*التضخيم الأمريكي وسقوط أسطورة التفوق العسكري*
نتوقف عند ”التهويل الإعلامي الغربي” حول الأسلحة الأمريكية الجديدة، خصوصًا الحديث عن الصواريخ فرط الصوتية.
فبحسب قراءتنا ، فإن كثيرًا مما يُعرض على أنه إنجاز أمريكي نوعي هو في الواقع تقنيات قديمة ومتجاوزة باتت تمتلكها قوى كإيران واليمن وكوريا الشمالية منذ سنوات، بينما لا تزال واشنطن تعاني من تعثر متكرر في برامجها العسكرية المتقدمة.
ومن هنا نرى أن الحرب الأوكرانية، والحرب في البحر الأحمر، والتطورات في الخليج، كشفت حجم التراجع الغربي في ميادين التكنولوجيا العسكرية الحديثة، خصوصًا في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية.
ونعتبر أن أخطر ما كشفته هذه الحروب هو أن احتكار القوة قد انتهى، وأن قوى أصغر اقتصاديًا باتت قادرة على تهديد بنية الردع الأمريكية ذاتها، الأمر الذي يُفقد الغرب الليبرالي المتوحش بزعامة أمريكا أهم عناصر تفوقه التاريخي: الهيبة.
*إيران وورقة تخصيب الـ90%… الرسالة التي سبقت ترامب*
في موازاة الرسالة الروسية، إن إعلان إيران استعدادها لرفع نسبة التخصيب إلى 90% في حال تعرضها للاعتداء شكّل رسالة استراتيجية مدروسة قبيل زيارة ترامب إلى الصين.
فإيران — لم تكن تهدد من موقع ضعف أو مناورة تفاوضية، بل من موقع امتلاك القدرة الكاملة والقرار المؤجل فقط.
إن مجرد الحديث العلني عن إمكانية الوصول إلى مستوى التخصيب العسكري يعني أن البنية النووية الإيرانية بقيت سليمة رغم كل الضربات والضغوط، وأن طهران أرادت إيصال رسالة واضحة:
إذا فُرضت الحرب الشاملة، فإن سقف الرد الإيراني لن يبقى تقليديًا.
وأن إيران تتصرف بعقل استراتيجي طويل النفس؛ فهي تكشف من أوراقها بقدر ما يخدم الردع فقط، دون انفعال أو استعراض مجاني، ولذلك فإن خصومها يجدون أنفسهم دائمًا أمام مفاجآت غير محسوبة.
كما نلفت إلى أن طهران، رغم امتلاكها القدرة التقنية، ما تزال — حتى اللحظة — ملتزمة بعدم إنتاج السلاح النووي وفق فتوى دينية وسياسية، لكنه يلمّح إلى أن البيئة الدولية الحالية قد تدفع الأمور إلى تحولات غير مسبوقة إذا استمر التصعيد ويلمح أن العقل الشرقي المتمكن لا يعلن عن خطوة إلا وقد بلغها وامتلكها فعلا ومسألة الإعلان عنها فارق توقيت بين التهور الأمريكي والاتزان الإيراني.
*مضيق هرمز… القنبلة النووية الاقتصادية*
إن أخطر تحول استراتيجي في المرحلة الحالية يتمثل في انتقال السيطرة الفعلية على مضيق هرمز من الهيمنة الغربية إلى معادلة ردع جديدة تقودها إيران بعد تحرير المضيق وكذلك محور المقاومة.
فالمضيق بالنسبة إليه لم يعد مجرد ممر بحري، بل صار “القنبلة النووية الاقتصادية” القادرة على شل الاقتصاد العالمي دون إطلاق صاروخ واحد.
وأن الاقتصاد الرأسمالي العالمي قائم أساسًا على حرية حركة الطاقة والتجارة والمال، وأي تهديد فعلي للمضائق البحرية يضع قلب النظام المالي العالمي تحت الخطر المباشر.
ومن هنا، فإن الرسالة الإيرانية — بحسب التحليل— لم تعد مقتصرة على الدفاع عن النفس، بل أصبحت رسالة تقول للغرب:
إذا استمرت سياسة الحصار والتجويع والعقوبات، فإن أدوات السيطرة البحرية والاقتصادية الغربية نفسها ستصبح هدفًا مشروعًا للرد.
ونضيف أن ما يجري اليوم في الخليج يُظهر بوضوح تراجع الردع البحري الأمريكي، بعدما باتت حاملات الطائرات والقواعد العسكرية عاجزة عن فرض السيطرة الكاملة كما في السابق. ويشير عوض إلى حتميات التاريخ التي حكمت عبر عمر الإمبراطوريات أن نهاية القوى والامبراطوريات يبدأ بفقدان السيطرة على الأمواج.
*الكابلات البحرية… الحرب التي قد تُطفئ العالم*
في واحد من أكثر المحاور حساسية، نتحدث عن الكابلات البحرية بوصفها “سلاح العصر الأخطر” والتي تمر عبر مياه الخليج.
فالعالم الحديث — كما نشرح — لا يقوم فقط على النفط والسلاح، بل على تدفق البيانات والتحويلات المالية والتجارة الرقمية والاتصالات العابرة للقارات.
وهذه البنية كلها تمر عبر كابلات بحرية تمتد في قاع البحار والمحيطات.
ومن هنا إن أي حرب مستقبلية لن تكون فقط حرب صواريخ وطائرات، بل حرب تعطيل شامل للاقتصاد العالمي، إذ إن ضرب الكابلات البحرية قد يشل التجارة والبنوك والتحويلات والأسواق والأنظمة الرقمية العالمية دفعة واحدة.
ونعتبر أن الغرب نفسه فتح هذا الباب حين انتقلت الحروب إلى استهداف البنية التحتية للطاقة والاتصالات، ما يعني أن قواعد الاشتباك العالمية تغيّرت بالكامل.
*لماذا يذهب ترامب إلى الصين الآن؟*
بحسب القراءة ، فإن زيارة ترامب المرتقبة إلى الصين لا تأتي من موقع القوة، بل من موقع الحاجة والقلق ومحاولة احتواء الانهيارات المتراكمة.
فالولايات المتحدة — كما نرى — تواجه اليوم معضلة استراتيجية غير مسبوقة:
فشل في الحروب المفتوحة،
تراجع في السيطرة البحرية،
أزمة اقتصادية داخلية،
صعود روسي عسكري،
تصاعد نفوذ إيران،
وتقدم صيني هائل اقتصاديًا وتكنولوجيًا.
ومن هنا، فإن واشنطن تحاول إعادة ترتيب التوازنات قبل أن تفقد القدرة على إدارة النظام العالمي بالكامل.
لكننا نعتقد أن الصين تدرك جيدًا حجم التحول الجاري، ولذلك تتعامل بثقة وهدوء، باعتبار أن الزمن التاريخي يعمل لمصلحتها، لا لمصلحة الغرب.
*حرب طويلة… لكن نتيجتها بدأت تظهر*
نؤكد أن الخطأ الأكبر هو قياس الحرب الحالية بمنطق المعارك السريعة أو الحسابات الآنية.
فالحروب الكبرى — بحسب منطقه — تُحسم بتراكم التحولات في ميزان القوى الكلي، لا بعدد الغارات أو الضربات الإعلامية.
ولذلك نرى أن ما يجري اليوم يشبه التحولات التاريخية الكبرى التي سبقت سقوط إمبراطوريات وصعود أخرى، وأن المنطقة دخلت بالفعل زمنًا جديدًا عنوانه:
نهاية الاحتكار الغربي للقوة،
صعود الشرق، واستعادة الشعوب لقدرتها على فرض معادلاتها.
إن ما يعتبره البعض “فوضى عالمية” هو في الحقيقة مخاض ولادة عالم مختلف، ستكون له قواعد جديدة، وتحالفات جديدة، ومراكز قوة جديدة، وأن السنوات المقبلة قد تحمل تحولات أعمق بكثير مما يتوقعه العالم اليوم.
🖋 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق