ميخائيل عوض / لبنان
بين واشنطن وبكين… ترامب يدخل إلى عرين التنين لا بصفة المنتصر بل كسمسار متوحش أرهقته الحروب والعقوبات والفشل، فيما تقف الصين بثقة “العقل المهندس” الذي يعيد رسم خرائط الاقتصاد والقوة والنظام العالمي الجديد.
لا ينتزع “الوحش الأميركي” في صفقة تنقذه؟بل ليروضه الأسد الصيني بهدوء القوة وصبر الحضارات.
وفي لبنان… مفاوضات سلطة أبو عمر مع العدو تجري تحت سقف انتزاع السيادة، حيث يحاول العدو فرض شروطه السياسية بعدما عجزت آلته العسكرية عن كسر الإرادة في الميدان بعد أن استقدم الوحش النعجة ليفترسها الذئب.
أما في الميدان… فالصورة تبدلت؛ من زئيرٍ كان يعتقد المعتدي أنه يملأ أرض البطولة إلى مواءٍ مرتبك يكشف حجم الاستنزاف والتحولات الكبرى في ميزان الردع والقوة.
*العالم يدخل زمن افتراس الإمبراطوريات*
إن العالم يعيش أخطر مراحل التحول التاريخي منذ سقوط الاستعمار التقليدي، وأن ما يجري اليوم ليس مجرد حروب متنقلة أو مفاوضات عابرة، بل صراع وجود بين مشروعين:
مشروع “التوحش الأنجلوسكسوني” القائم على الهيمنة والإبادة والنهب والتدمير، ومشروع “أوراسيا الصاعدة” التي تقودها الصين وروسيا وقوى المقاومة، بوصفها تعبيرًا عن عالم جديد متعدد أكثر عدالة وأخلاقية يتشكل خارج السيطرة الأمريكية.
ومن هنا جاءت الصورة التي اختصر بها المشهد العالمي كله:
في بكين… أسد يروض وحشًا.
في واشنطن… ذئب يفاوض نعجة.
وفي الميدان… تتحول جيوش التكنولوجيا إلى مواء قطط أمام رجال العقيدة والإرادة.
*بكين: حين جلس “الوحش” أمام حضارة عمرها آلاف السنين*
لم تكن زيارة ترامب إلى الصين مجرد قمة سياسية أو اقتصادية، بل لحظة تاريخية تعكس انقلاب موازين القوة الدولية.
ترامب، القادم من عقلية “السمسار”، وصل إلى بكين محمولًا على تهديدات الرسوم الجمركية والأساطيل وحاملات الطائرات والعقوبات الاقتصادية، وخطر انفجار الداخل، وأثقال هزيمته في حربه على إيران، معتقدًا أن الصين ستتراجع أمام الضغوط الأمريكية، لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
الصين – لم تستقبل رئيسًا منتصرًا، بل استقبلت رجلًا مأزومًا جاء يطلب النجاة للاقتصاد الأمريكي الذي بدأ يختنق تحت وطأة التضخم، والعجز، واستنزاف الحروب، وفقدان السيطرة على البحار والمضائق والأسواق.
ولهذا بدت لغة الرئيس الصيني شديدة البرودة والثبات، وكأنها رسالة تقول لواشنطن: " نحن لا نتفاوض تحت التهديد… بل نرسم نظام العالم القادم وأن أمريكا العظيمة لن تكون إلا بشراكة الصين العظيمة.
*الصين: عقل المهندس في مواجهة عقل السمسار*
فالفرق بين نموذجين حضاريين:
أمريكا التي يحكمها عقل المضارب والسوق والربح السريع.
والصين التي يحكمها “عقل المهندس” القادر على التخطيط لمئة عام مقبلة.
فالصين – كما تشرح – ليست دولة تبحث عن صفقة عاجلة، بل حضارة تبني بهدوء، وتفكر بمنطق التراكم الطويل، وتستخدم الاقتصاد والتكنولوجيا والبنى التحتية كأدوات نفوذ عالمي.
ونشير إلى أن الصين خلال نصف قرن فقط: أخرجت أكثر من مليار إنسان من الفقر،
وبنت أكبر قاعدة صناعية في التاريخ، وفرضت نفسها مركزًا للتكنولوجيا والذكاء الصناعي،
وتحولت إلى قلب الاقتصاد العالمي.
ولهذا لم يعد بإمكان واشنطن إخضاعها بالعقوبات أو التهديد. بل أصبح من الضروري أن ترضخ أمريكا لإرادة الأسد حين تجد نفسها مضطرة لاستجدائه في عرينه.
*روبيو كشف السر: المطلوب إنقاذ أمريكا لا هزيمة الصين*
نتوقف عند التصريح الخطير لوزير الخارجية الأمريكي، الذي قال فيه إن صعود الصين يجب ألا يكون على حساب انهيار أمريكا.
بالنسبة لنا ، هذا التصريح يكشف جوهر المفاوضات الحقيقية: أمريكا لم تعد تبحث عن الهيمنة المطلقة، بل عن “هبوط آمن” يمنع الانهيار الكامل.
فالولايات المتحدة استنزفت في الحروب، وأفرغت مخازنها العسكرية، وتورطت في صدامات داخلية، وفقدت السيطرة على الممرات البحرية،
وبدأت تعاني من تفكك اقتصادي واجتماعي خطير.
أما الصين، فلا تستعجل إسقاط أمريكا، لأنها تدرك أن الزمن يعمل لصالحها، وأن التوازنات الدولية تتحول تلقائيًا نحو الشرق.
*من مضيق هرمز إلى تايوان: الصين ترسم خطوطها الحمراء*
إن بكين فرضت على ترامب شروط التفاوض قبل أن يبدأ باستعراضه الخلبي وهي تمتلك رؤية استراتيجية واضحة: لا عبث بتايوان،
لا تفجير في مضيق هرمز، لا عودة للأحادية الأمريكية،
ولا قبول بقواعد الهيمنة القديمة.
والصين – وفق تحليله – لم تعد مجرد شريك اقتصادي، بل أصبحت جزءًا مباشرًا من معركة تشكيل العالم الجديد، اقتصاديًا سياسيًا وتقنيًا وعسكريًا.
ولهذا فإن أي حرب على إيران أو آسيا أو الممرات البحرية ستعني مواجهة مع الصين وروسيا والمنظومة الأوراسية بأكملها.
*في واشنطن: ذئب يفاوض نعجة*
في المقابل، ننتقل إلى المشهد اللبناني، حيث نرى أن ما يجري في واشنطن ليس تفاوضًا بين متكافئين، بل عملية ابتزاز سياسي كاملة.
فالسلطات العربية واللبنانية – بحسب الوصف – ذهبت إلى الطاولة بعدما تخلت مسبقًا عن عناصر القوة، وعن المقاومة، وعن حق شعوبها بالدفاع عن نفسها. وبعد أن تجردت من كونها دول أو حكومات بل هي مجرد أشخاص في السلطة لتنفيذ أجندة لا تنتمي للوطن والشعب بل تحقق مصالح العدو.
ولهذا يشبه المشهد للسلطة التي تذهب لواشنطن من دون لسان ولا قوة ولا حتى حوافر لتقدم نفسها فريسة لذئب يفاوض نعجة.
الذئب يملك القوة والتهديد،
والنعجة جاءت تطلب الرضا والحماية.
ونرى أن أخطر ما في الأمر هو انتقال بعض النخب السياسية إلى خطاب علني يدعو للتهجير والتقسيم وإعادة هندسة المجتمعات، بما يخدم المشروع الأمريكي–الإسرائيلي في المنطقة. ما يعني أن السلطة تعرت بالكامل ولم يعد في وجهها ولا في سلوكها أي كرامة أو تخوف أو حذر من رد فعل الشارع والبيئة وهذا يعني سقوطها وإن تأخر إعلان هذا السقوط.
*مشروع السيطرة على ساحل الشام*
أبعد من الحرب اليومية، إن المشروع الحقيقي المطروح هو السيطرة على ساحل وجبال بلاد الشام، وتحويل شرق المتوسط إلى مركز نفوذ اقتصادي وأمني جديد يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية. وهذا ما صرح به وضوحا توماس براك
ونعتبر أن ما يجري في لبنان،
وسوريا، والعراق،
وفلسطين، ليس ملفات منفصلة، بل حلقات ضمن مشروع إعادة تشكيل المنطقة ديموغرافيًا وسياسيًا وأمنيًا.
ولهذا تتكرر – بحسب التحليل– سياسات التهجير، التفكيك الطائفي، ضرب المجتمعات،
وإضعاف الدول وتحويلها إلى سلطات هشة فاقدة للسيادة.
*في الميدان: مواء القطط أمام رجال الإرادة والعقيدة الأساطير*
أما المشهد الثالث، فهو الميدان في جنوب لبنان.
وهنا المفاجأة الكبرى في هذه الحرب هي انهيار أسطورة التكنولوجيا العسكرية الغربية أمام إرادة المقاتلين.
فالمقاومون استطاعوا تحويل أبسط الأدوات إلى وسائل حرب فعالة، استخدام المسيّرات بالألياف البصرية، إعادة تصنيع ذخائر العدو التي لم تنفجر
تطوير تكتيكات قتال من مسافة صفر، وتحويل العقل البشري إلى السلاح الحاسم.
ولهذا بدا الجيش المدجج بالتكنولوجيا والذي أعلنها عملية زئير الأسد وكأنه “قطط تموء” -كما وصفت المشهد الصحافة الإسرائيلية نفسها- أمام رجال يمتلكون العقيدة والاستعداد للتضحية.
ونستحضر هنا تجربة فيتنام، لنؤكد أن الشعوب حين تقرر القتال لا تستطيع أعظم الإمبراطوريات كسرها.
*حرب العقل والمعرفة لا حرب السلاح فقط*
إن العالم دخل عصر “اقتصاد المعرفة”، حيث تصبح: الفكرة سلاحًا، والعقل قوة استراتيجية، والإبداع عنصر تفوق يفوق أحيانًا الطائرات والصواريخ.
ولهذا استطاع شبان محاصرون في غزة واليمن وجنوب لبنان، بإمكانات متواضعة، أن يربكوا أكثر الجيوش تطورًا، لأن المعركة الحقيقية ليست فقط معركة نار، بل معركة إرادة وابتكار وقدرة على التكيّف. ولأنها آخر جولات حرب الحق القومي فالحتمية التاريخية تقضي بعودة الحق لأصحابه بعد أن استعصى على المعتدي المتوحش إبادتهم.
*ترامب… من التهديد إلى البحث عن مخرج*
في خلاصة المشهد، إن ترامب دخل البيت الأبيض محاولًا إعادة بناء أمريكا بالقوة والضرائب والتهديد، لكنه انتهى إلى: صدام مع الدولة العميقة،
وانقسام داخلي، واستنزاف عسكري، وتراجع اقتصادي،
وفشل في فرض شروطه على الخصوم.
ولهذا ذهب إلى الصين لا بوصفه قائدًا للعالم، بل بوصفه رجلًا يبحث عن تسوية تمنع الانهيار.
إن الاحتمال الأقرب بعد هذه الزيارة هو:
إما تخفيف التصعيد العسكري،
أو انسحاب تدريجي من بعض ساحات المواجهة، لأن استمرار الحرب بات مكلفًا بصورة لا تستطيع واشنطن تحملها.
*زمن الشعوب لا زمن الإمبراطوريات*
بالتأكيد أن التاريخ يدخل مرحلة جديدة:
تتراجع فيها الإمبراطوريات التقليدية، وتصعد قوى الشرق،
وتثبت الشعوب المقاومة أن الإرادة قادرة على هزيمة التكنولوجيا والهيمنة.
وفي هذا الزمن الجديد، لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الطائرات والأساطيل، بل بقدرة الأمم على: الصبر، والتنظيم، والإبداع،
والإيمان بحقها في البقاء.
ولهذا فإن صورة العالم اليوم – تختصرها ثلاثية واحدة:
في الصين… أسد يروض وحشًا.
في واشنطن… ذئب يفاوض نعجة.
وفي الميدان… مواء القطط أمام زئير الرجال.
🖋 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق