إيران على حافة الحرب مجددا بقلم عبد الحليم قنديل

 


     قبل زيارة الرئيس  الأمريكى "دونالد ترامب" إلى الصين وبعدها ، يظل مصير الحرب الأمريكية "الإسرائيلية" على إيران معلقا ، ما بين تفاوض مباشر وغير مباشر وصل لنقطة الانسداد ، مع احتمالات تجدد الحرب ، وبالذات بعد الرد الإيرانى الأخير المكون من 14 نقطة ، الذى وصفه "ترامب" بأنه "تافه" و"غبى" ولم يعجبه ، إلى غيرها من سقطات لسان الرئيس الهائج المأزوم نفسيا ، الذى تصور أن إيران سترسل له خطاب استسلام بعلم الوصول ، وفوجئ أن الرد الإيرانى أغلق الأبواب كلها فى وجهه ، فقد خلا رد طهران من أى إشارة تراجع فى الملف النووى ، بل أنه وضع الملف النووى كله فى مرحلة تالية لإيقاف الحرب نهائيا ، وربط بين استعداد إيران لفتح "مضيق هرمز" بإدارتها ، والفك الكامل للحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية ، وطالب بتعويضات حرب والإفراج عن أموال إيران المجمدة والإلغاء الكامل للعقوبات الأمريكية المتراكمة على مدى نحو خمسين سنة ، والبدء بإزالة كل العقوبات على صناعة وتصدير البترول الإيرانى ، وكان طبيعيا أن يرد "ترامب" بانفعال ورعونة ظاهرة ، فقد انتظر أن يرد الإيرانيون بوثيقة إذعان لمطالبه ، وبالذات مطلبه فى نقل يورانيوم التخصيب العالى ـ فوق الستين بالمئة ـ إلى واشنطن ، وهو المطلب المفرط فى عبثيته ، ولا يأخذ فى اعتباره طبيعة النظام الإيرانى ، الذى يعتبر الألف رطل من يورانيوم التخصيب العالى ثروة وطنية ، ومساو فى القيمة للأرض والتراب الإيرانى نفسه ، فهو إنجاز علمى وتقنى للشعب الإيرانى . 

    وقد عرضت إيران أن تقوم بنفسها بمعالجة الكمية ـ 450 كيلوجراما تقريبا ـ داخل أراضيها ، وأن تخفف نسبة التخصيب ، وهى ـ أى إيران ـ تملك القدرة على المعالجة ، ولا تحتاج إلى نقل المخزون إلى خارج البلاد ، وإن بدا أنها قد لا تمانع فى نقل مؤقت ليورانيوم التخصيب العالى إلى دول صديقة كالصين وروسيا ، وقد سبق للأخيرة أن استضافت كميات من اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسب أقل فى اتفاق 2015 ، الذى انسحب منه "ترامب" فى مايو 2018 خلال عهدته الرئاسية الأولى ، وكان خروجه سببا مباشرا فى اتجاه إيران للتحلل من التزاماتها فى اتفاق 2015 ، ولم يكن لإيران أن ترفع نسبة التخصيب إلى ستين بالمئة وتزيد إلا ردا على خروج "ترامب" ، ونسبة الستين بالمئة تخصيبا ، تسمح لإيران بصناعة قنابل ذرية ، ورغم أن إيران أعلنت مرارا وتكرارا ، أنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووى ، وأن لديها فتوى دينية حاكمة ، تحرم حيازة أسلحة دمار شامل ، إلا أن اغتيال الأمريكيين و"الإسرائيليين" لصاحب الفتوى "آية الله على خامنئى" أثار المخاوف ، وبدا أن المرشد الجديد "مجتبى خامنئى" ، قد يتحلل من فتوى الأب ، أو أن يعدلها لاعتبارات الضرورات المبيحة للمحظورات ، وربما لذلك ، امتنعت إيران عن تقديم تعهد نهائى مكتوب بعدم السعى لصناعة قنبلة ذرية ، خصوصا أن إدارة "ترامب" وسعت نطاق الحظر النووى ، وطلبت تدمير كافة المنشآت النووية الإيرانية ، ووقف التخصيب تماما حتى لأغراض سلمية ، مع أن القانون الدولى يسمح لإيران بمبدأ التخصيب لكونها موقعة على معاهدة عدم الانتشار النووى .

     وخلاصة ما جرى حتى الآن حربا وتفاوضا ، أن "ترامب" لم يحقق هدفا واحدا وضعه عن طريق التفاوض ، تماما كما فشل بطريق الحرب الشاملة الأخيرة لمدة 40 يوما ، قبل أن يدخل فى مدة هدنة ووقف إطلاق نار لم يحترمه الأمريكيون ، ولا كفوا عن التحرش العسكرى بإيران ، سواء بالحصار البحرى الذى جرى فرضه على الموانئ الإيرانية ، أو بما أسماه "ترامب" عملية "مشروع الحرية" ، بدعوى فتح "مضيق هرمز" بالقوة ، وفشلت العملية فى بواكيرها بسبب التصدى الإيرانى ، وأعلن "ترامب" بنفسه وقفها وتعليقها بعد 48 ساعة ، وقد يفكر فى العودة إليها بعد صدمته من الرد الإيرانى ، وبعد تشاوره مع قائده "بنيامين نتنياهو" حول الرد الإيرانى ، أو قد يفكر فى العودة إلى القصف الشامل الأول ، واستهداف محطات الطاقة والكهرباء والمياه بالذات ، وهو ما يشجعه عليه "نتنياهو" ، الذى زج بالرئيس الأمريكى أصلا إلى حربه الخاسرة مع إيران ، أو قد يفكر فى غارة كوماندوز لالتقاط وسرقة واقتناص مخزون اليورانيوم عالى التخصيب ، أو فى تنظيم حملة غزو برى لإيران اعتمادا على فصائل الأكراد وغيرهم ، وهو ما بدا "ترامب" مترددا فى قبول النصيحة "الإسرائيلية" بشأنه ، فقد كرر "ترامب" شكواه مما أسماه سرقة الأكراد للأسلحة الأمريكية المرسلة لهم ، وقد كان تدبير وتخطيط العملية "إسرائيليا" بالكامل ، وأقامت "إسرائيل" نقطة ارتباط أو قاعدة عسكرية سرية فى صحراء العراق لخدمة الهدف ، الذى لا يبدو "ترامب" واثقا فى جدواه ، وإن كان واردا أن يسحبه "نتنياهو" إلى المستنقع مجددا ، خصوصا مع شعور "إسرائيل" المتزايد بالضيق من تقلبات "ترامب" ، الذى قد يقرر الانسحاب من الحرب كلها ، بعد أن رأى وعاين نتائج ومضاعفات طاعته العمياء لفتاوى "نتنياهو" ، الذى ورطه فى الحرب على إيران ، وجعلها حربا "إسرائيلية" بجيوش أمريكية .

     ولا تبدو إيران خائفة من العودة للحرب بعد إخفاق التفاوض ، فقد منحتها فترة وقف إطلاق النار المعلن فرصة لإكمال التجهيزات الحربية ، وإعادة تأهيل منشآتها النووية ومدنها الصاروخية تحت الجبال ، خصوصا بعد انكشاف حقيقة وحدود ما جرى ، وتبين مدى كذب مزاعم "نتنياهو" و"ترامب" عن تدمير الصواريخ الإيرانية الباليستية والمسيرات ومنصات إطلاقها ، فقد نشرت صحف ومواقع إعلامية أمريكية خلاصة تقرير أحدث لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية ، جاءت فيه حقائق صادمة داهسة لأمنيات ترامب بالذات ، وزهوه          

 المتكرر المرضى بنصر عظيم و"رائع" حققه على إيران ، ومما جاء فى تقرير المخابرات الأمريكية ، أن إيران تحتفظ حتى الآن بسبعين فى المئة من صواريخها الباليستية الأبعد مدى والأكثر تطورا ، وأنها ـ أى إيران ـ تحتفظ بنحو 75% من منصات إطلاق الصواريخ ، بل وأضافت تصنيعا جديدا لصواريخ متقدمة ومسيرات أخطر ، وهو اعتراف يقلب الصورة المروجة أمريكيا و"إسرائيليا" ، التى ادعت مع نهاية قصف الأربعين يوما الأولى ، أن إيران خسرت نحو 90% من قدراتها الصاروخية ومنصات الإطلاق ، فوق ذلك ، قالت تقارير المخابرات الأمريكية ، أن اقتصاد إيران قادر على الصمود لأربعة شهور وأكثر مع استمرار وتشديد البحرى الأمريكى المفروض ، وليس كما زعمت إدارة "ترامب" ، وادعاء أن إيران ستنهار اقتصاديا تماما فى مدى أسبوعين أو ثلاثة ، إضافة لانكشاف خدعة التكتم على الخسائر الأمريكية فى الحرب ، التى دمرت فيها صواريخ إيران 16 قاعدة أمريكية فى ثمانى دول غرب وجنوب إيران ، وهو ما كشفه تقرير موثق بالصور ، أذاعته محطة "سى . إن . إن" الأمريكية ، إضافة لخسائر "ترامب" فى الداخل الأمريكى سياسيا واقتصاديا ، وبالذات مع زيادة أسعار البنزين ووقود الطائرات نتيجة لتحكم إيران العملى بالحركة فى "مضيق هرمز" ، وهو ما صحبته زيادة فى نسبة المواطنين الأمريكيين المعارضين للحرب ، ووصول نسب الاعتراض فى استطلاعات الرأى إلى نحو سبعين بالمئة ، ونزول شعبية "ترامب" إلى 30% أو تزيد قليلا ، وهو ما يضاعف من القلق السياسى داخل حزب "ترامب" الجمهورى ، والتخوف من خسارة درامية فى انتخابات التجديد النصفى للكونجرس المقررة أوائل نوفمبر المقبل .

   وكان صمود إيران المذهل سببا مباشرا فى جلب مزيد من التعاطف والدعم من أصدقائها الروس والصينيين ، وفتح مزيد من شرايين التصدير والاستيراد للاقتصاد الإيرانى ، سواء من روسيا عبر "بحر قزوين" ، أو من الصين عبر شبكة سكك حديدية ضخمة تصل بريا إلى إيران ، إضافة لما ينشر فى مصادر أمريكية و"إسرائيلية" عن الدعم العسكرى والاستخباراتى الصينى والروسى لإيران ، سواء فى التزويد بصور أقمار صناعية أو إحداثيات استهداف دقيقة للقواعد الأمريكية و"الإسرائيلية" ، وهو ما لا يعلق عليه المسئولون الصينيون والروس فى العادة ، كما لا يعلقون علنا على أدوار موسكو وبكين فى دعم وتقوية الدفاعات الجوية الإيرانية ، خصوصا فى مجال الصواريخ الحرارية المحمولة على الكتف ، التى أثبتت فعاليتها المدهشة فى إسقاط الطائرات الأمريكية المتقدمة تقنيا ، وتبدو الصين أكثر حرصا وقدرة على تقديم الدعم التقنى لإيران وبرامجها فى صناعة الصواريخ والمسيرات ، وتعويض طهران عن أى نقص جرى فى إنتاج الصلب الإيرانى ، وفيما يعلن الروس عن الوفاء بالتزامات اتفاق الشراكة مع إيران ، فكذلك تفعل الصين الأقوى اقتصاديا وتكنولوجيا ، وتحرص "بكين" على تقديم صورة القائد العالمى المسئول ، الذى يحث على احترام قواعد القانون الدولى ، ويدعو لوقف الحرب وإعادة فتح "مضيق هرمز" وإنهاء الحصار الأمريكى ، وهو ما يزيد فى صلابة موقف النظام الإيرانى ، خصوصا بعد ثبات نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية فى ميادين السلاح والتفاوض معا .

Kandel2002@hotmail.com

تعليقات