لبنان بعد قرن من الوصاية في الحضن الإيراني... ترامب يعترف بحقيقة «من يحارب يفاوض»... وصفعة مدوية لنتنياهو والعهد !!


ميخائيل عوض  / لبنان 

*لحظة تأسيسية تتجاوز السياسة إلى إعادة رسم الجغرافيا* 

إن المنطقة تقف أمام تحولات تتجاوز مفهوم الانتصار العسكري أو المكسب السياسي التقليدي، لتدخل في نطاق ما يسميه «النتائج التأسيسية». فالحروب الكبرى، بحسب قراءته، لا تقاس بعدد الصواريخ أو حجم الدمار، بل بالوقائع الجديدة التي تفرضها على موازين القوى وتعيد تشكيل البنية السياسية والإقليمية لعقود قادمة. 

ومن هذا المنطلق نعتبر أن الجولة الأخيرة من المواجهة كشفت عن فشل المشروع الأميركي ـ الإسرائيلي في تحقيق أهدافه الأساسية، وأثبتت أن إيران خرجت من المواجهة كقوة صلبة قادرة على فرض قواعد اشتباك جديدة، بعدما سقطت رهانات الضربة الحاسمة أو الإخضاع السريع. 

*سقوط هيبة القوة الأميركية وتحرر المنطقة من وهم الحماية* 

فإن أحد أهم نتائج الحرب هو تآكل صورة الولايات المتحدة باعتبارها القوة القادرة على إدارة المنطقة منفردة وفرض إرادتها على الجميع. فالدول الإقليمية الكبرى لم تستجب، لرغبات واشنطن بالانخراط في مواجهة واسعة، كما أن أوروبا وآسيا أظهرتا تمايزاً متزايداً عن السياسات الأميركية. 

ونذهب أبعد من ذلك حين نعتبر أن الخليج نفسه بدأ يتحرر من فكرة الاعتماد المطلق على المظلة الأميركية، وأن استهداف المصالح والقواعد الأميركية للمرة الأولى بصورة مباشرة أدخل معادلة جديدة إلى الصراع، عنوانها أن النفوذ الأميركي لم يعد خارج دائرة التهديد. 

*لبنان بعد مئة عام: من توازنات الوصاية إلى الحضن الإيراني* 

الاستنتاج الأكثر إثارة للجدل في طرحنا يتمثل في قوله إن لبنان دخل مرحلة جديدة أنهت عملياً قرناً كاملاً من التوازنات التي حكمت نشأته منذ الانتداب الفرنسي. 

فلبنان الذي تنقل، بين الحاضنة الفرنسية ثم الناصرية ثم السورية فالسعودية والتركية، بات اليوم في «الحضن الإيراني»، ليس بوصفه حليفاً سياسياً فقط، بل باعتباره جزءاً من منظومة عقائدية واستراتيجية متماسكة.

إن الحرب الأخيرة أسقطت كل الرهانات على إمكانية فك هذا الارتباط أو إخضاعه للضغوط السياسية والعسكرية، وأن ما ظهر خلال الأزمة أكد متانة العلاقة بين إيران والبيئة الشيعية في لبنان بصورة تختلف جذرياً عن طبيعة علاقات الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الإقليمية بحلفائها المحليين. 

*العلاقة العقائدية بين إيران وحزب الله: نهاية مقولة «البيع والشراء»* 

إن أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبها خصوم إيران كان قياس سلوكها على سلوك القوى الدولية التقليدية. 

فلسنوات طويلة تكررت، مقولات تتحدث عن إمكانية تخلي طهران عن حلفائها أو مقايضتهم في إطار تسويات كبرى. إلا أن ما جرى أخيراً، من وجهة نظره، أثبت العكس تماماً. 

إن إيران تعاملت مع حلفائها اللبنانيين باعتبارهم جزءاً من مشروعها العقائدي والاستراتيجي، لا مجرد ورقة تفاوضية يمكن استبدالها أو التخلي عنها عند أول منعطف سياسي، الأمر الذي أسقط واحدة من أكثر الفرضيات تداولاً في الخطاب السياسي اللبناني خلال العقود الماضية. 

*نتنياهو بين الفشل العسكري والانتحار السياسي* 

في قراءتنا للمشهد الإسرائيلي، نرسم صورة شديدة السلبية لرئيس الوزراء الإسرائيلي، نعتبر أن بنيامين نتنياهو يقاتل معركة بقاء شخصية أكثر مما يقاتل معركة أمن قومي. 

فالحرب الطويلة، والخسائر المتراكمة، والإنهاك العسكري، والانقسامات الداخلية، والاستحقاقات القضائية والسياسية، كلها عوامل تدفع نتنياهو ـ وفق التحليل ـ إلى البحث عن أي إنجاز يعوض إخفاقاته المتتالية. 

ومن هنا نفسر التهديدات التي طالت بيروت والضاحية الجنوبية، ونرى أنها جاءت تحت ضغط الأزمة الداخلية أكثر مما جاءت نتيجة حسابات استراتيجية مدروسة. 

*ترامب يوقف نتنياهو: عندما يتحول الحليف إلى موظف* 

أكثر ما نلفت إليه في التطورات الأخيرة هو ما يعتبره تدخلاً مباشراً من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لكبح اندفاعة نتنياهو. 

فبحسب تسريبات وتقارير إعلامية تحدثت عن ضغوط أميركية حالت دون توسع العمليات العسكرية، ونرى في ذلك دليلاً على حقيقة طالما حاول البعض تجاهلها: إسرائيل، في النهاية، أداة ضمن الاستراتيجية الأميركية وليست صاحبة القرار النهائي. 

وبحسب هذا التصور، فإن نتنياهو تلقى رسالة واضحة مفادها أن سقف الحركة الإسرائيلية تحدده واشنطن لا تل أبيب، وأن القرار النهائي في ملفات الحرب والسلم لا يزال أميركياً بالدرجة الأولى.

*«المحارب هو المفاوض»... ترامب يقرّ بمن يمتلك مفاتيح الحرب والسلم في لبنان* 

في قراءتنا ، لم تكن المسألة في تصريح ترامب عن تفاوض مع حزب الله مجرد إعلان سياسي عابر أو تدخل أميركي لاحتواء تصعيد ميداني، بل شكلت لحظة كاشفة أسقطت، دفعة واحدة، سردية كاملة جرى بناؤها في لبنان منذ انتهاء الحرب الأخيرة.  

إن ما جرى أكد حقيقة حاول كثيرون تجاهلها أو القفز فوقها، وهي أن من يمتلك القدرة على القتال والصمود وفرض الوقائع على الأرض هو نفسه من يفرض حضوره على طاولة التفاوض، سواء اعترف الآخرون بذلك أم لم يعترفوا. 

إن ما نُقل عن تدخل ترامب لوقف التصعيد الإسرائيلي تجاه بيروت والضاحية حمل دلالة سياسية تتجاوز الحدث نفسه، لأنه أعاد الاعتراف بالجهة التي تمتلك التأثير الحقيقي في مسار المواجهة. فواشنطن، بحسب طرحه، لم تلجأ إلى القوى التي رفعت شعارات نزع السلاح أو إلى الجهات التي قدمت نفسها شريكاً حصرياً للمجتمع الدولي، بل توجهت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نحو الجهة التي تعرف أنها تملك القدرة الفعلية على ضبط الميدان أو إشعاله، وعلى إدارة معادلة الردع أو توسيع دائرة الاشتباك. 

ومن هنا نكرر  القاعدة التي نعتبر أنها تحكم التاريخ والصراعات الكبرى: «المحارب هو المفاوض». فلا أحد، في رأيه، يستطيع أن ينتزع حق التفاوض من قوة دفعت الأثمان وقدمت التضحيات وخاضت المواجهة على الأرض. أما الذين راهنوا على أن الضغوط الدولية أو التفاهمات السياسية أو القرارات الحكومية يمكن أن تتجاوز أصحاب القوة الفعلية، فقد اصطدموا، بحسب تعبيره، بجدار الوقائع الصلبة التي فرضتها الحرب. 

ونذهب أبعد من ذلك بالقول إن التطورات الأخيرة لم تمنح حزب الله موقعاً تفاوضياً فحسب، بل أعادت تثبيت معادلة كان يسعى خصومه إلى إسقاطها، وهي أن أي بحث في مستقبل الجنوب، أو الانسحاب الإسرائيلي، أو الأسرى، أو إعادة الإعمار، أو ترتيبات الأمن والحدود، لا يمكن أن يمر من دون الجهة التي واجهت وقاتلت وتحملت العبء الرئيسي للمواجهة. لذلك فإن ما جرى، وفق رؤيتنا ، لم يكن مجرد نجاح ميداني، بل اعتراف سياسي عملي بأن تجاوز المقاومة في أي تسوية مستقبلية أمر غير ممكن. 

إن أخطر ما في هذا التحول أنه أسقط رهانات مرحلة كاملة بُنيت على فكرة أن نتائج الحرب ستؤدي إلى إخراج حزب الله من المعادلة السياسية والأمنية، أو إلى تحويله إلى طرف يمكن عزله وتهميشه. لكن الوقائع، كما يصفها، جاءت معاكسة تماماً؛ فبدلاً من أن يصبح خارج المعادلة، عاد ليظهر في قلبها، وبدلاً من أن يجري التفاوض عليه، بات التفاوض يجري معه أو عبره، لأن ميزان القوى الذي أنتجته المواجهة فرض نفسه على الجميع، بمن فيهم الولايات المتحدة نفسها. 

ولهذا نعتبر أن ما حدث لا يمثل تفصيلاً سياسياً عابراً، بل يشكل نقطة تحول تأسيسية في فهم طبيعة السلطة الفعلية داخل لبنان. فحين تصل أكبر قوة في العالم إلى قناعة بأن إدارة الأزمة تتطلب التواصل مع الطرف الذي يقاتل، فإن ذلك يعني، وفق منطقه، أن الحرب أعادت تعريف من يملك التأثير الحقيقي ومن يملك القدرة على فرض الشروط وصناعة الوقائع، وأن قاعدة «المحارب هو المفاوض» لم تعد مجرد شعار، بل أصبحت حقيقة كرستها الأحداث على الأرض.

*صفعة للعهد اللبناني وحكومة نواف سلام* 

في الجانب اللبناني الداخلي، يذهب  إن التطورات الأخيرة شكلت ضربة سياسية قاسية للعهد ولحكومة نواف سلام. وكانت بمثابة نهاية نهاية لعهد عون وحكومة نواف سلام. 

إن الرهانات التي بنيت على الضغوط الدولية أو على إمكانية فرض معادلات سياسية جديدة على المقاومة سقطت تباعاً، وأن المسار الذي اعتمدته السلطة خلال الأشهر الماضية تعرض لانتكاسة كبيرة بعد تبدل موازين القوى الإقليمية. 

وأن أي تسوية مستقبلية تتعلق بالأسرى أو الانسحاب الإسرائيلي أو إعادة الإعمار ستأتي نتيجة توازنات فرضتها المقاومة ومحورها، لا نتيجة أداء المؤسسات الرسمية اللبنانية.


*من باب المندب إلى بيروت: إيران تلوّح بـ«مطرقة النار» فتتراجع حسابات الحرب* 

في هذا المحور،  إن العامل الحاسم الذي قلب المشهد خلال الساعات الحرجة لم يكن ما جرى في لبنان وحده، ولا التهديدات الإسرائيلية لبيروت والضاحية بحد ذاتها، بل إدراك واشنطن أن أي خطوة نحو توسيع العدوان قد تفتح أبواب المنطقة كلها على حرب إقليمية شاملة تتجاوز قدرة إسرائيل على الاحتمال وقدرة الولايات المتحدة على التحكم بمساراتها. 

فبحسب قراءتنا، كان نتنياهو يتصرف تحت ضغط أزماته الداخلية، وكان نتنياهو وبن غفير وكاتس يرفعون سقف التهديدات إلى حدود غير مسبوقة، لكنهم فوجئوا بأن الرد هذه المرة لم يأتِ من بيروت فقط، بل من مجمل محور يمتلك مسارح اشتباك متعددة وأوراق قوة موزعة على امتداد الإقليم. 

إن إيران انتقلت في هذه المرحلة من موقع التحذير السياسي إلى موقع إظهار الجهوزية العملية. وبلوغ عتبة الحرب لا مجرد التهديد بها.

فطهران، وفق التوصيف ، لم ترسل رسائل دبلوماسية أو بيانات استنكار، بل أوقفت مسارات التفاوض القائمة، وأطلقت إشارات واضحة بأن قواعد الاشتباك القديمة لم تعد قائمة، وأن أي استهداف واسع للبنان قد يفتح أبواب المواجهة في ساحات أخرى أكثر حساسية وتأثيراً على المصالح الأميركية والغربية. وهنا نستعيد ما نسميه «الأوراق الكامنة» التي طالما تحدثنا عنها، من الخليج إلى باب المندب والبحر الأحمر، وصولاً إلى القواعد والمصالح الأميركية المنتشرة في المنطقة. 

فإن الرسالة الأخطر لم تكن في إطلاق الصواريخ أو البيانات العسكرية بحد ذاتها، بل في إظهار أن محور المقاومة بات مستعداً للانتقال من مرحلة التهديد إلى مرحلة الفعل. خاصة مع إعلان صنعاء عن موقفها العسكري الواضح ولذلك يصف ما جرى بأنه تلويح فعلي بـ«مطرقة النار»، أي القدرة على توسيع الحرب أفقياً وجغرافياً إذا فُرضت المواجهة. فباب المندب، في نظره، لم يعد مجرد ممر بحري، بل تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية قادرة على التأثير في التجارة العالمية وخطوط الطاقة وحركة الأساطيل الدولية. كما أن المصالح الأميركية في الخليج، التي كانت لسنوات طويلة خارج دائرة الاستهداف المباشر، أصبحت جزءاً من معادلة الردع الجديدة التي جرى التلويح بها بوضوح.

إن هذه المعطيات هي التي دفعت ترامب إلى التدخل سريعاً. فالإدارة الأميركية، وفق تحليله، لم تكن تخشى على إسرائيل من صواريخ إضافية فحسب، بل كانت تخشى من انفجار سلسلة مترابطة من المواجهات تمتد من فلسطين ولبنان إلى البحر الأحمر والخليج، بما يحول حرباً محدودة إلى صراع إقليمي واسع قد يهدد المصالح الأميركية الاقتصادية والعسكرية في لحظة دولية شديدة الحساسية. لذلك، برأينا ، لم يكن قرار التهدئة تعبيراً عن رغبة أخلاقية في منع الحرب، بل نتيجة حسابات قاسية للربح والخسارة، حيث أصبحت كلفة التصعيد أكبر بكثير من أي مكسب يمكن أن يحققه نتنياهو في الداخل الإسرائيلي. 

ومن هنا نخلص إلى أن ما حدث كشف عن عنصر قوة جديد ظهر إلى العلن. فإيران، كما نراها، لم تعتمد فقط على قدراتها الذاتية، بل على شبكة من عناصر الضغط والردع المنتشرة في الإقليم، والتي جعلت أي قرار بضرب بيروت أو إشعال الجبهة اللبنانية قراراً يحمل في داخله احتمال اشتعال المنطقة بأكملها. ولهذا السبب، نعتقد أن واشنطن فضلت كبح اندفاعة نتنياهو وإعادة ضبط الإيقاع، لأن البديل لم يكن مواجهة مع لبنان فقط، بل مواجهة مفتوحة مع محور كامل جاهز لاستخدام ما يسميه «مطرقة النار» في أكثر من ساحة وفي أكثر من اتجاه.

*ماذا يريد ترامب فعلاً؟ بين لعبة البورصة وتأجيل الحرب وإعلان النصر المبكر* 

نحذر من الوقوع في الاستنتاجات السريعة أو التعامل مع موقف ترامب الأخير باعتباره دليلاً قاطعاً على انتهاء المواجهة أو تحولاً استراتيجياً نهائياً في السياسة الأميركية. 

فبحسب رؤيتنا، فإن ما جرى يفتح الباب أمام عدة احتمالات متوازية يجب أن تبقى جميعها على طاولة البحث، لأن شخصية ترامب وطريقة إدارته للأزمات تجعل من الصعب الجزم بالاتجاه الذي يسلكه فعلياً. 

ولذلك دعوتنا  إلى قراءة ما وراء التصريحات وعدم الاكتفاء بما يعلن في الإعلام أو على منصات التواصل. 

الاحتمال الأول ، يتعلق بطبيعة ترامب نفسه كرجل أعمال ومضارب يعرف جيداً كيف يوظف التصريحات السياسية في الأسواق المالية. فهو يلفت إلى أن الرئيس الأميركي اعتاد إعلان نجاح المفاوضات ثم العودة للحديث عن تعثرها، وإعلان قرب الاتفاق ثم التلويح بالحرب، ما يجعل تصريحاته جزءاً من لعبة أوسع تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد وأسواق المال. ومن هذا المنطلق نطرح احتمال أن يكون التصعيد ثم التهدئة جزءاً من إدارة مقصودة للمناخ الاقتصادي والبورصات والأسواق العالمية في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة للإدارة الأميركية. 

أما الاحتمال الثاني فهو أن يكون ترامب قد قرر فعلاً تأجيل المواجهة الكبرى وليس إلغاءها. فبحسب قراءتنا، ربما تصرف نتنياهو بصورة متسرعة تحت ضغط أزماته السياسية والقضائية والانتخابية، محاولاً فرض وقائع ميدانية تجبر واشنطن على السير في مسار الحرب. لكن ترامب، الذي يريد أن يبقى صاحب القرار الأول، أعاد ضبط الإيقاع وأبلغ الإسرائيليين أن توقيت المعركة وحجمها وشكلها تحدده واشنطن لا تل أبيب. وفي هذه الحالة لا يكون ما جرى سوى تأجيل للمواجهة إلى موعد أكثر ملاءمة، ربما في الخريف أو بعد استكمال ترتيبات سياسية وعسكرية ما تزال قيد الإعداد. 

والاحتمال الثالث،  أن عناصره بدأت تظهر بصورة أوضح، هو أن ترامب يبحث فعلاً عن مخارج سياسية من الحروب المفتوحة. فالرجل الذي يرفع شعار الإنجازات السريعة ويريد تقديم نفسه كصانع صفقات قد يكون توصل إلى قناعة بأن كلفة المواجهة مع إيران ومحورها أصبحت أعلى من المكاسب المتوقعة منها، خصوصاً بعد ظهور عناصر القوة الكامنة التي أظهرتها طهران وحلفاؤها في باب المندب والخليج وساحات أخرى. وفي هذا السيناريو يصبح هدفه تثبيت وقف التصعيد، والوصول إلى تفاهمات مرحلية تسمح له بإعلان نجاح سياسي يمكن تسويقه داخلياً وخارجياً. 

أما الاحتمال الرابع والأكثر تعقيداً في نظرنا فيرتبط بإعادة رسم العلاقة الأميركية الإيرانية نفسها. ونتساءل عما إذا كانت التطورات الأخيرة تمهد لمرحلة جديدة من التفاوض وإعادة توزيع النفوذ والمصالح في المنطقة، خصوصاً بعدما أثبتت الحرب أن إيران ليست طرفاً يمكن عزله أو تجاوزه. وهنا يطرح أسئلة مفتوحة حول طبيعة أي تفاهمات محتملة، وحول ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو شراكات جديدة وإدارة مختلفة للصراع بدلاً من المواجهة المباشرة. 

ولهذا نخلص  إلى أن ما صدر عن ترامب لا ينبغي قراءته باعتباره نهاية للصراع ولا بداية مؤكدة للسلام. فالمنطقة، في رأيه، ما زالت داخل الحرب وإن تبدلت أشكالها وأدواتها. وما حدث قد يكون مناورة سياسية، أو استراحة بين جولتين، أو محاولة لإعلان نصر مؤقت، أو بداية مسار تفاوضي جديد. لذلك يدعو إلى مراقبة الوقائع الميدانية لا التصريحات فقط، لأن ما سيحسم الاتجاه الحقيقي للأحداث هو ميزان القوى على الأرض لا الكلمات التي تقال أمام الكاميرات.


ورغم الأجواء التي يصفها بالإيجابية لمحور المقاومة، نحذر من الوقوع في أوهام الانتصار النهائي. 

*لبنان أمام مرحلة جديدة* 

إن لبنان دخل فعلياً مرحلة مختلفة عن كل ما عرفه منذ تأسيسه الحديث. 

فالتوازنات القديمة تتبدل، والعلاقات الإقليمية يعاد تشكيلها، وموقع إيران في المعادلة اللبنانية بات أكثر رسوخاً من أي وقت مضى، فيما تبدو إسرائيل والولايات المتحدة مضطرتين للتعامل مع وقائع جديدة فرضتها الحرب. 

وفي نظرنا ، فإن الأشهر المقبلة ستكون كفيلة بكشف الاتجاه الحقيقي للأحداث: هل نحن أمام بداية تسوية كبرى تعيد رسم المنطقة، أم أمام هدنة مؤقتة تسبق جولة أكثر عنفاً من الصراع المفتوح على مستقبل الشرق الأوسط؟ 

🖋 ميخائيل عوض

تعليقات