من الذي يربي أطفال اليوم ؟بقلم: أ.د. عيد عبد الواحد علي درويش

بقلم: أ.د. عيد عبد الواحد علي درويش

العميد السابق لكليتي التربية والتربية للطفولة المبكرة – جامعة المنيا

ورئيس الجهاز التنفيذي لتعليم الكبار بمصر السابق


يُعد السؤال: “من الذي يُربّي أطفال اليوم؟” من أكثر الأسئلة إلحاحًا في عصرنا الراهن، بل ربما يكون من أخطر الأسئلة التي تواجه المجتمعات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. فالتربية لم تعد كما كانت في الماضي عملية إنسانية خالصة تتولاها الأسرة والمدرسة والمجتمع، بل أصبحت أطراف جديدة تتدخل فيها بقوة، حتى كادت تنتزع من الوالدين دورهما التاريخي في تشكيل شخصية الأبناء.


إذا عدنا إلى الوراء قليلًا، سنجد أن الطفل كان ينشأ في بيئة محددة المعالم؛ الأب هو القدوة، والأم هي المدرسة الأولى، والأسرة الممتدة تشارك في عملية التنشئة، بينما تقوم المدرسة والمسجد أو الكنيسة بدور داعم لترسيخ القيم والأخلاق. كان الطفل يتعلم الصدق والأمانة والاحترام والانتماء من خلال الممارسة اليومية والتفاعل الإنساني المباشر.


ومع تطور المجتمعات وظهور وسائل الإعلام الحديثة، بدأت عملية التربية تتغير تدريجيًا. ففي البداية دخل الراديو إلى البيوت، ثم التلفاز، وأصبح لهما تأثير واضح في تشكيل الوعي والسلوك. ومع ذلك ظل تأثير الأسرة حاضرًا وقويًا، لأن التواصل الإنساني المباشر كان لا يزال يحتل المساحة الأكبر في حياة الطفل.


لكن التحول الأكبر جاء مع الثورة الرقمية وانتشار الإنترنت والهواتف الذكية. هنا لم تعد التكنولوجيا مجرد وسيلة ترفيه أو معرفة، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في تربية الأطفال. ومع مرور الوقت، تحول هذا الشريك إلى منافس للأسرة، ثم في كثير من الحالات إلى بديل عنها.


اليوم يقضي كثير من الأطفال ساعات طويلة أمام شاشات الهواتف والأجهزة اللوحية، بينما يقضي بعض الآباء والأمهات وقتًا أقل بكثير في الحوار والتفاعل المباشر مع أبنائهم. وللأسف، أصبح الهاتف الذكي بالنسبة لبعض الأسر وسيلة لإسكات الطفل أو إشغاله أو إبعاده عن الإزعاج، دون إدراك أن هذا الجهاز لا ينقل المعلومات فقط، بل ينقل أيضًا القيم والاتجاهات وأنماط التفكير والسلوك.


إن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، فالتكنولوجيا أداة يمكن أن تُستخدم في الخير أو الشر، وإنما يكمن في غياب التوجيه والرقابة. فالطفل الذي يتصفح المحتوى الرقمي بلا ضوابط قد يتعرض لأفكار وسلوكيات وقيم لا تتفق مع ثقافة مجتمعه أو منظومته الأخلاقية. وقد يتعرض لمحتويات تروج للعنف أو التنمر أو الانحلال الأخلاقي أو بعض الممارسات والسلوكيات الدخيلة التي تتعارض مع القيم الدينية والاجتماعية التي نشأت عليها مجتمعاتنا.


ومن بين أخطر ما يواجهه الأطفال اليوم سهولة الوصول إلى محتويات تسعى إلى إعادة تشكيل المفاهيم المتعلقة بالهوية والقيم والأدوار الاجتماعية بصورة قد تربك الطفل في مراحل نموه المختلفة، خاصة إذا كان يفتقد الحوار الأسري الواعي الذي يساعده على الفهم الصحيح والتمييز بين ما يتوافق مع قيمه وما يتعارض معها.


لقد أصبح كثير من الأطفال يتعلمون من “الخوارزميات” أكثر مما يتعلمون من آبائهم. فالمنصات الرقمية لا تقدم للطفل ما يحتاج إليه بالضرورة، بل ما يجذب انتباهه ويُبقيه متصلًا بالشاشة لأطول فترة ممكنة. وهنا تصبح التربية خاضعة لمصالح الشركات التقنية بدلاً من أن تكون خاضعة لرؤية الأسرة والمجتمع.


إن أخطر ما في هذا الواقع أن الطفل قد يمتلك معلومات كثيرة، لكنه يفتقد الحكمة والقيم التي تساعده على استخدام تلك المعلومات. فالتربية ليست مجرد نقل للمعرفة، بل هي بناء للضمير وتشكيل للشخصية وتنمية للقدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي السليم.


ومن ثم فإن مسؤولية الآباء والأمهات اليوم أصبحت أكبر من أي وقت مضى. فلم يعد المطلوب فقط توفير الطعام والملبس والتعليم، بل أصبح من الضروري استعادة الدور التربوي للأسرة من خلال الحوار المستمر مع الأبناء، ومتابعة ما يشاهدونه، ومشاركتهم اهتماماتهم الرقمية، وغرس القيم الإيجابية في نفوسهم منذ الصغر.


إن مستقبل المجتمعات يتحدد داخل البيوت قبل أن يتحدد داخل المدارس أو الجامعات. وإذا استمرت الأسرة في التنازل عن دورها التربوي لصالح الشاشات والأجهزة الذكية، فقد نجد أنفسنا أمام أجيال تعرف الكثير عن العالم، لكنها لا تعرف الكثير عن هويتها وقيمها ومسؤولياتها.


ويبقى السؤال مطروحًا: إذا كان الأب والأم قد تراجعا عن موقعهما الطبيعي كمربيين، وإذا كانت الآلة قد أصبحت تحتل هذا الموقع، فكيف سيكون شكل الإنسان الذي تصنعه الشاشات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل التربية، بل ومست المجتمع بالكامل.

تعليقات