![]() |
| أ/ حسني عباس |
كتبت سها البغدادي
حسني عباس: شخصيات صبحي لم تكن للضحك فقط.. بل حملت رسائل فكرية وتنويرية تركت أثرًا في وجدان الجمهور العربي.
في احتفاء فني استثنائي بمسيرة أحد أبرز رموز المسرح المصري والعربي، شهد متحف محمود مختار افتتاح المعرض العربي الدولي للكاريكاتير «فارس المسرح العربي.. الفنان القدير محمد صبحي»، الذي أقيم بالتعاون بين الجمعية المصرية للكاريكاتير برئاسة الفنان مصطفى الشيخ، والجمعية العربية لفنون الكاريكاتير برئاسة الكاتب الساخر والفنان عماد جمعة، وبمشاركة قطاع الفنون التشكيلية بوزارة الثقافة برئاسة الدكتور محمود حامد، وجمعية الصداقة المصرية الروسية برئاسة الدكتور شريف جاد.
وافتُتح المعرض في السابعة مساء الخميس 16 يوليو، بحضور الفنان محمد صبحي، ونخبة من فناني الكاريكاتير والإعلاميين وجمهور الفن، ويستمر حتى 26 يوليو، مقدمًا احتفاءً بصريًا وفنيًا بمسيرة فنان استطاع على مدار عقود أن يجعل المسرح مساحة للفكر والوعي، وليس للترفيه وحده.
وضم المعرض 136 لوحة فنية، بمشاركة 116 فنانًا من 28 دولة عربية وأجنبية، في تظاهرة فنية عابرة للحدود، شارك فيها فنانون من مصر وسوريا والعراق وتونس وليبيا واليمن، إلى جانب روسيا والصين وبولندا وإيطاليا وإسبانيا وأوزبكستان، وغيرها من الدول.
حسني عباس: صبحي كان يجعل الجمهور يفكر قبل أن يضحك
وقال فنان الكاريكاتير الشهير حسني عباس، في تصريحات خاصة عن مشاركته في معرض «فارس المسرح العربي»، إن لوحة الفنان محمد صبحي وشخصياته المسرحية تمثل مادة ثرية لفناني الكاريكاتير، لما تحمله من ملامح إنسانية وفكرية عميقة.
وأشار إلى أن اللوحة التي شارك بها تستحضر شخصية «عم أيوب»، إحدى الشخصيات الشهيرة التي جسدها محمد صبحي، والتي ارتبطت في ذاكرة الجمهور بالعديد من المواقف والإفيهات التي لا تزال حاضرة حتى اليوم.
وأكد عباس أن «عم أيوب» ليست سوى واحدة من عشرات الشخصيات التي استطاع صبحي أن يجسدها ببراعة، لتترك أثرًا لا يُنسى في ذاكرة ووجدان الجمهور المصري والعربي.
وأوضح أن القيمة الحقيقية في تجربة محمد صبحي تكمن في أنه كان حريصًا على ألا تكون الشخصية مجرد وسيلة لإضحاك الجمهور، وإنما كان يضع داخل كل شخصية رسالة فكرية وتنويرية تحرك ذهن المشاهد وتجعله يتوقف للتفكير فيما وراء الضحكة.
وأضاف أن فن صبحي كان في جوهره محاولة لمناقشة قضايا إنسانية وفكرية واجتماعية، قبل أن يكون مجرد بحث عن المتعة الفنية، وهو ما منح شخصياته قدرة استثنائية على البقاء في الذاكرة.
عم أيوب.. زكي الدبور.. سطوحي.. وشخصيات صنعت تاريخًا مسرحيًا
ولفت حسني عباس إلى أن محمد صبحي اشتهر بقدرته الفائقة على تقمص الشخصيات وتجسيدها، ومن أبرزها عم أيوب وعطيات وزكي الدبور في «الجوكر»، وشخصية سطوحي في «انتهى الدرس يا غبي»، إلى جانب عايش شحاتة منافع في «ماما أمريكا»، وهي الشخصية التي قدم من خلالها صبحي نقدًا ساخرًا للانبهار الأعمى بالغرب.
كما استعاد الجمهور شخصية سنبل في الدراما التليفزيونية الشهيرة بأجزائها المختلفة، والتي قدم خلالها صبحي نموذج الأب الواعي الذي يسعى إلى تربية أبنائه بالحوار والإقناع والحكمة، وترسيخ القيم الأسرية والتربوية النبيلة.
ومن الشخصيات التي رسخت حضورها كذلك شخصية ثقيل في مسرحية «تخاريف»، وغيرها من الشخصيات التي أثبت من خلالها صبحي أن الفنان الحقيقي يستطيع أن يصنع من الشخصية المسرحية حالة فكرية وإنسانية كاملة.
محمد صبحي.. الفنان الذي جمع التمثيل والتأليف والإخراج
ويُعد محمد صبحي واحدًا من الفنانين الاستثنائيين الذين جمعوا بين التمثيل والتأليف والإخراج والإدارة المسرحية، في تجربة فنية امتدت لعقود وارتبطت ارتباطًا وثيقًا بالمسرح باعتباره أحد أهم أدوات التواصل المباشر مع الجمهور.
وكانت إحدى أبرز المحطات في مسيرته الفنية تكوينه ثنائيًا فنيًا مع الكاتب الكبير لينين الرملي، حيث أسسا معًا فرقة «استوديو 80»، التي قدمت مجموعة من الأعمال المسرحية البارزة، من بينها «الجوكر»، و«ماما أمريكا»، و«انتهى الدرس يا غبي»، و«تخاريف»، و«كارمن»، و«سكة السلامة»، و«لعبة الست»، و«الهمجي».
كما شارك محمد صبحي في عدد من الأفلام السينمائية المهمة، من بينها «هنا القاهرة» و«عمارة يعقوبيان» وغيرها من الأعمال السينمائية التي أسهمت في تكوين حضوره الفني، قبل أن يتجه بصورة أكبر إلى المسرح والتليفزيون، مؤمنًا بأن المسرح يظل «أبو الفنون» والأقدر على خلق تواصل مباشر وحقيقي مع الجمهور.
الكاريكاتير يحتفي بفنان تجاوز حدود الشخصية إلى صناعة الوعي
ويأتي المعرض الدولي «فارس المسرح العربي» ليقدم محمد صبحي من زاوية مختلفة؛ فريشة فناني الكاريكاتير لم تتوقف عند ملامح الفنان أو شخصياته الشهيرة، وإنما حاولت قراءة التجربة الفنية والفكرية التي صنعت مكانته لدى الجمهور.
فالكاريكاتير هنا لا يرسم فنانًا فحسب، وإنما يستعيد شخصيات وذكريات ومواقف ارتبطت بأعماله، ويعيد تقديمها بصريًا من خلال رؤى عشرات الفنانين من مصر والعالم العربي ودول مختلفة.
وهكذا يصبح المعرض بمثابة تحية فنية جماعية لمسيرة محمد صبحي، الذي استطاع أن يجعل الضحكة مدخلًا إلى السؤال، وأن يحول المسرح إلى مساحة للنقد والتنوير ومناقشة قضايا الإنسان والمجتمع.
«صوت العرب» يرصد هذه التجربة باعتبارها احتفاءً بفنان لم يكتفِ بأن يسكن ذاكرة الجمهور بشخصياته، بل ترك وراء كل شخصية سؤالًا ورسالة وفكرة تستحق أن تبقى حاضرة حتى بعد إسدال الستار.


تعليقات
إرسال تعليق