أربيل والكويت تصعيد استباقي يوازي هرمز في الخطورة...براك يعلن مشروعه...الكويت تبحث عن حماية باكستان والسعودية تورط في الحرب قد يفتح أبواب الجحيم عليها.
ميخائيل عوض / لبنان
أربيل والكويت... خطوة إيرانية استباقية توازي هرمز في الأهمية
إن الحرب بلغت منعطفا حادا يوازي تحرير هرمز في الأهمية بانتقال المواجهة إلى مرحلة جديدة عنوانها الحسم البري واستهداف البنية العسكرية الأمريكية في قلب الهلال الممتد من شمال العراق إلى الخليج. فبرأيه، لم تعد طهران تعتبر أن السيطرة على الممرات البحرية وحده كافٍ لفرض معادلات الردع، بل بدأت العمل على ضرب العمق اللوجستي الذي يقوم عليه الانتشار الأمريكي في المنطقة، وهو ما يفسر التصعيد المتزامن في أربيل والكويت.
وأن العمليات التي شهدها إقليم كردستان العراق، بما فيها التحركات البرية ضد معسكرات المعارضة الإيرانية، باعتبارها بداية لإعادة تشكيل البيئة العسكرية المحيطة بالقواعد الأمريكية. فهذه المناطق، كانت طوال السنوات الماضية تشكل إحدى أهم منصات الاستخبارات والتمركز والضغط والاستهداف على إيران، ولذلك فإن إخضاعها لضغط عسكري مباشر يحمل رسالة بأن زمن الاكتفاء بالدفاع داخل الحدود الإيرانية قد انتهى، وأن الحرب انتقلت إلى ملاحقة مصادر التهديد أينما وجدت.
إن التركيز على أربيل يتجاوز الملف الكردي نفسه، ليصل إلى استهداف إحدى أهم نقاط الارتكاز الأمريكية في العراق. فإضعاف هذه الحلقة، يفتح الباب أمام تقليص النفوذ الأمريكي في كامل الساحة العراقية، ويمنح إيران وحلفاءها هامشاً أوسع للتحرك البري، بما يجعل الوجود الأمريكي أكثر عزلة وأقل قدرة على المناورة.
أما الكويت، فهي العقدة اللوجستية الأخطر في المنظومة العسكرية الأمريكية. فالمسألة، لا تتعلق بدولة خليجية مجاورة لإيران، بل بمركز رئيسي لعبور القوات والذخائر والإمدادات التي تغذي القواعد الأمريكية المنتشرة في العراق وسوريا وبلاد الشام. ولذلك فإن وضع الكويت تحت الضغط السياسي والعسكري، أو جعلها ساحة قلق دائم، يوازي في تأثيره الاستراتيجي إغلاق مضيق هرمز، لأن كليهما يستهدف شرياناً أساسياً من شرايين القوة الأمريكية، أحدهما بحري والآخر بري ولوجستي.
ومن هذا المنطلق، نرى أن إيران تسعى إلى إقامة معادلة مزدوجة: فإذا كان هرمز يتحكم بحركة الطاقة العالمية، فإن الكويت تتحكم بحركة الإمداد العسكري الأمريكي. وعندما يصبح المساران معاً تحت الضغط، والاستهداف الإيراني المباشر فإن قدرة واشنطن على إدارة حرب طويلة الأمد تتراجع بصورة ملموسة، ليس بسبب نقص القوة العسكرية، وإنما نتيجة تآكل منظومة الإسناد والتموين والإمداد التي تعتمد عليها عملياتها في الإقليم.
إن المؤشرات الميدانية توحي بأن إيران لم تعد تكتفي بالرد الصاروخي أو بالطائرات المسيّرة، بل بدأت تلوّح بإمكانية تفعيل أوراقها البرية. فالتركيز على شمال العراق، والحديث عن عمليات خاصة، وإبقاء جبهة الكويت تحت المراقبة والضغط، كلها إشارات إلى أن المعركة قد تنتقل تدريجياً من حرب استنزاف جوية وبحرية إلى صراع على الأرض، حيث ترى طهران أن ميزان الجغرافيا والقرب والقدرة على الحشد البري يمنحها أفضلية نسبية مقارنة بالقوات الأمريكية القادمة من قواعد بعيدة.
إن الرسالة الإيرانية في هذه المرحلة تقوم على أن المواجهة لم تعد محصورة في تعطيل الملاحة أو استهداف السفن، بل أصبحت تستهدف مفاصل الانتشار العسكري الأمريكي نفسه. فكل قاعدة، وكل مركز إسناد، وكل عقدة لوجستية يمكن أن تتحول إلى جزء من ساحة الحرب. وإذا استمر هذا المسار، فإن الحرب تدخل مرحلة تختلف جذرياً عن كل ما سبق، حيث يصبح زمن الحسم أسرع وتمايز ثنائية المهزوم والمنتصر أكثر وضوحا.
*صنعاء تبحث عن لحظة الدخول... واليمن دخول كاسر الموازين*
نرى ان اليمن التي تأجل انخراطها في الحرب إلى وقت يقرره سلم التصعيد المتدرج تستعد لدخول كاسر يربك السعودية ويهدد الاقتصاد العالمي. فصنعاء، لا تتصرف بردود فعل متسرعة، وإنما تدير إيقاع مشاركتها وفق حسابات دقيقة تربط بين الميدان والسياسة، وبين مسار المفاوضات ومسار الحرب. ولهذا المهلة التي أعلنتها القيادة اليمنية بشأن رفع الحصار وتنفيذ الاتفاقات السابقة على أنها ليست مجرد إنذار سياسي، بل رسالة تحمل في طياتها احتمال الانتقال إلى مرحلة جديدة إذا استمرت المماطلة أو استُخدمت المفاوضات غطاءً لإطالة أمد الصراع.
وأن القيادة في صنعاء تعتبر أن الاتفاقات التي سبق التوصل إليها، وفي مقدمتها رفع الحصار، وفتح المطارات والموانئ بصورة كاملة، وصرف رواتب الموظفين، ليست ملفات قابلة لإعادة التفاوض أو التجزئة، وإنما التزامات واجبة التنفيذ. ولذلك فإن رفضها للحلول المرحلية أو الخطوات الجزئية يعكس، بحسب تقديرنا، قناعة بأن زمن الهدوء والصبر قد انتهى، وأن أي تسوية لا تعالج جذور الأزمة لن تمنع انفجار المواجهة من جديد.
وأن صنعاء لا تبحث عن الحرب لذاتها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الدخول إليها من دون غطاء سياسي وقانوني وأخلاقي. ومن هنا يفسر تشددها في منح الوسطاء فرصة أخيرة لتنفيذ الالتزامات، باعتبار أن فشل هذه الجهود سيمنحها، وفق رؤيتها، المبرر الكامل للانتقال إلى خيارات عسكرية أوسع، بحيث يظهر التصعيد على أنه نتيجة لتعطيل الاتفاقات وليس قراراً منفرداً منها.
إن دخول اليمن، إذا وقع، لن يكون مجرد فتح جبهة إضافية تستنزف الخصوم، بل تحولاً يعيد رسم موازين القوى في شبه الجزيرة العربية بأكملها. فهو يذكّر بأن صنعاء خاضت، خلال سنوات الحرب، مواجهة طويلة ضد تحالف واسع امتلك إمكانات مالية وعسكرية وتقنية ضخمة، ومع ذلك استطاعت المحافظة على تماسكها، وتطوير قدراتها العسكرية، ونقل المعركة تدريجياً إلى عمق خصومها. ونرى أن هذه التجربة منحت القوات اليمنية خبرة ميدانية لا يستهان بها في إدارة الحروب غير المتكافئة، وفي الجمع بين الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والعمليات البحرية ضمن منظومة قتالية واحدة.
فاليمن، رغم سنوات الحصار والدمار، نجح في بناء قدرات عسكرية محلية مكّنته من استهداف منشآت استراتيجية وسفن حربية، وفرض معادلات جديدة في البحر الأحمر وباب المندب. ومن هنا نرى أن أي انخراط يمني واسع في الحرب الحالية لن يكون حدثاً رمزياً، بل عاملاً قادراً على توسيع ساحات الاشتباك ورفع كلفة المواجهة على الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً إذا ترافق مع استمرار الضغوط في الخليج ومضيق هرمز.
وأن القلق السعودي مفهوم في هذا السياق، لأن أي توسع للمواجهة مع اليمن يعيد إلى الواجهة تجربة السنوات الماضية، عندما فشل الخيار العسكري في تحقيق أهدافه، وانتهى الأمر بالبحث عن تسويات واتفاقات. ولذلك يقرأ التحركات السياسية والوساطات الجارية على أنها محاولة لمنع تحول اليمن إلى طرف مباشر في الحرب الإقليمية، لما قد يحمله ذلك من تداعيات على أمن الخليج، وحركة الملاحة، وأسواق الطاقة.
ونخلص إلى أن صنعاء، في تقديرنا، لا تتحرك بمنطق الانفعال، بل بمنطق اختيار اللحظة الحاسمة. فإذا فشلت الوساطات، ولم تُنفذ الالتزامات التي تطالب بها، فإن اليمن قد ينتقل من موقع القوة المساندة إلى موقع اللاعب المركزي، بما يجعل دخوله المحتمل أحد أكثر المتغيرات تأثيراً في مسار الحرب، وقد يفرض معادلات جديدة تتجاوز حدود اليمن لتطال مستقبل التوازنات في الجزيرة العربية والشرق الأوسط بأسره.
*الكويت تبحث عن المظلة الباكستانية...*
إن أحد أكثر المؤشرات دلالة في المشهد الخليجي، وهو الحديث عن توجه الكويت نحو تعزيز تعاونها الأمني والعسكري مع باكستان، نعتبر هذه الخطوة، إذا صحت، لا يمكن فصلها عن التحولات التي فرضتها الحرب الدائرة في المنطقة. فمن وجهة نظرنا، لا يعكس الأمر مجرد تنسيق عسكري اعتيادي بين دولتين تربطهما علاقات تاريخية، بل يكشف عن قلق متزايد داخل بعض العواصم الخليجية من قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في أداء دور الضامن الأمني المطلق في حال توسعت المواجهة الإقليمية.
ونرى أن السنوات الماضية رسخت لدى دول الخليج قناعة بأن المظلة العسكرية الأمريكية قادرة على ردع أي تهديد، إلا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما اتساع دائرة الاستهداف لتشمل قواعد ومواقع عسكرية أمريكية في أكثر من ساحة، دفعت بعض الدول إلى إعادة تقييم هذه القناعة. فحين تصبح القواعد الأمريكية نفسها عرضة للاستهداف، يبرز سؤال أساسي: من سيحمي الحامي إذا دخلت الحرب مرحلة أكثر اتساعاً؟ ومن هنا، أي انفتاح على خيارات أمنية بديلة باعتباره مؤشراً على بداية اهتزاز الثقة بالقدرة الأمريكية على تأمين الحماية الكاملة لحلفائها.
إن الكويت تحتل موقعاً حساساً في هذه المعادلة، لأنها تمثل، وفق قراءتنا إحدى أهم العقد اللوجستية للوجود العسكري الأمريكي في الخليج والعراق. ولذلك فإن أي شعور بعدم كفاية الحماية الأمريكية سيدفعها، بطبيعة الحال، إلى البحث عن شركاء يمكن أن يشكلوا عامل توازن إضافياً في حال تصاعدت المخاطر الأمنية.
وفي هذا السياق، نناقش الاحتمال الباكستاني، لكننا نؤكد أن إسلام آباد ليست لاعباً يمكن استدعاؤه بسهولة إلى أي مواجهة. ونذكّر بالموقف الباكستاني عندما رفض البرلمان الباكستاني الانضمام إلى الحرب في اليمن، رغم الضغوط الكبيرة التي مورست آنذاك، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، سياسة تقوم على تجنب الانخراط في صراعات إقليمية قد تستنزف الدولة أو تضعها في مواجهة مع قوى إسلامية وإقليمية مؤثرة.
ونرى أن القيادة الباكستانية تدرك جيداً أن الدخول في حرب واسعة دفاعاً عن دول الخليج يختلف جذرياً عن التعاون العسكري التقليدي أو إرسال مستشارين وقوات تدريب. فالتورط في مواجهة مباشرة مع إيران أو مع اليمن يحمل، وفق هذا التصور، أثماناً سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، فضلاً عن أنه قد ينعكس على علاقات باكستان الإقليمية، وعلى توازناتها الداخلية، وعلى مصالحها مع الصين وإيران ودول آسيا الوسطى.
ونخلص إلى أن مجرد تداول هذا الخيار يمثل، في نظرنا، إشارة سياسية واستراتيجية مهمة، لأنه يكشف عن بداية مرحلة تعيد فيها دول المنطقة تقييم تحالفاتها الأمنية، في ظل تزايد الشكوك حول قدرة واشنطن على إدارة حرب إقليمية واسعة وحماية جميع حلفائها في الوقت نفسه. ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن الدور الباكستاني لا يعكس فقط بحثاً عن قوة عسكرية إضافية، بل يعبر عن تغير أعمق في إدراك دول الخليج لطبيعة التوازنات الجديدة التي بدأت تتشكل في المنطقة، حيث لم تعد الضمانات الأمريكية تبدو، في نظر بعض الأطراف، كافية كما كانت في العقود السابقة.
*السعودية موقف مرتبك... هل تفتح أبواب الجحيم على نفسها؟*
نرى أن الموقف السعودي يقف اليوم عند واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ اندلاع الحرب، لأن الرياض، بحسبقراءتنا، تجد نفسها بين خيارين كلاهما بالغ الكلفة: الاستمرار في سياسة تجنب الانخراط المباشر، أو الانزلاق إلى مواجهة قد لا تكون هي من اختار توقيتها أو شروطها. ومن هذا المنطلق، يفسر الضربات الإيرانية التي طالت مواقع داخل السعودية على أنها رسائل ردع استباقية أكثر من كونها أعمالاً انتقامية، هدفها تثبيت معادلة واضحة مفادها أن أي مشاركة سعودية في العمليات العسكرية، أو أي سماح باستخدام أراضي المملكة وقواعدها لانطلاق هجمات ضد إيران، سيجعل المملكة جزءاً مباشراً من ساحة الحرب.
وأن طهران، وفق هذا التصور، لا تنتظر حتى تتأكد من انخراط الرياض الكامل، بل تسعى إلى منع هذا الاحتمال قبل أن يتحول إلى واقع. ولذلك جاءت الرسائل العسكرية، في رأينا لتؤكد أن زمن الفصل بين الدولة المستضيفة للقواعد الأمريكية وبين العمليات التي تنطلق من تلك القواعد قد انتهى، وأن أي أرض تُستخدم في العدوان ستُعامل بوصفها جزءاً من ميدان المواجهة.
وفي المقابل، نرى أن القيادة السعودية تبدو أكثر إدراكاً من أي وقت مضى لحجم المخاطر التي قد تترتب على دخول حرب إقليمية مفتوحة. فالتجربة الطويلة في اليمن، بما حملته من استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي، جعلت الرياض أكثر حذراً في تقدير كلفة أي تصعيد جديد. ولهذا نقرأ محاولات التهدئة والوساطات والتحركات الدبلوماسية على أنها تعبير عن رغبة سعودية في تجنب مواجهة قد تمتد إلى عمق المملكة وتهدد منشآتها الحيوية واقتصادها.
وهناك أهمية خاصة للموقف الباكستاني، نعتبرً أنه يمثل عاملاً حاسماً في حسابات الرياض. فهو يذكّر بأن باكستان، عندما أُعلن سابقاً عن التحالف العسكري للحرب في اليمن، رفضت المشاركة عسكرياً رغم العلاقات الوثيقة التي تربطها بالسعودية، وأكد برلمانها آنذاك أن الجيش الباكستاني لن ينخرط في حرب خارجية لا تمس الأمن القومي الباكستاني مباشرة. ومن هنا نستنتج أن التعويل على تدخل باكستان لإنقاذ الموقف السعودي في حال اتسعت الحرب ليس أمراً مضموناً، لأن إسلام آباد، بحسبتقديرنا، ستوازن بين التزاماتها مع الرياض وبين مصالحها الإقليمية وعلاقاتها مع إيران والصين، فضلاً عن إدراكها أن الانخراط في حرب بهذا الحجم قد يجرها إلى صراع لا يخدم مصالحها الاستراتيجية.
وأن الرهان على مظلة خارجية قد لا يكون كافياً إذا تحولت الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة، لأن طبيعة الصراع تغيّرت. فلم تعد المعركة تدور بين جيوش تقليدية فقط، بل باتت تشمل الصواريخ بعيدة المدى والطائرات المسيّرة وحرب الاستنزاف واستهداف البنية التحتية الحيوية. وفي مثل هذا السيناريو، نرى أن أي قرار سعودي بالسماح باستخدام أراضي المملكة أو قواعدها في عمليات هجومية قد يفتح الباب أمام تصعيد واسع يجعل المنشآت النفطية والموانئ والقواعد العسكرية جزءاً من بنك الأهداف، بما ينعكس على الاقتصاد الخليجي وأسواق الطاقة العالمية.
كما نربط هذا المشهد بالموقف اليمني، نعتبر أن أي انخراط سعودي مباشر قد يمنح صنعاء المبرر لإعادة فتح جبهة واسعة ضد المملكة. ووفق هذه القراءة، فإن الحرب لن تبقى محصورة في مواجهة محددة الاطراف ، بل تتحول إلى نزاع متعدد الجبهات يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، وهو ما يضاعف حجم الضغوط على الرياض ويجعل كلفة المواجهة أعلى بكثير مما كانت عليه في السنوات الماضية.
ونخلص إلى أن السعودية تقف أمام مفترق طرق بالغ الخطورة. فإذا نجحت في الحفاظ على سياسة الحياد النسبي ومنع استخدام أراضيها في التصعيد، فقد تتمكن من تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. أما إذا فُرض عليها الانخراط، أو اختارت الانخراط تحت ضغط التحالفات والالتزامات الأمنية، فإنها، وفقتقديرنا، قد تفتح على نفسها أبواب مواجهة واسعة يصعب التحكم بمساراتها أو بنتائجها، في ظل توازنات إقليمية جديدة تختلف جذرياً عن تلك التي حكمت المنطقة خلال العقود الماضية.
*توماس براك يعلن البدء بتنفيذ مشروعه...وصفعة مدوية لدعاة القومية العربية*
وحول تصريحات المبعوث الأمريكي توماس باراك، نعتبر أنها ليست مجرد مواقف سياسية أو أفكار اقتصادية عابرة، بل إعلان صريح عن المشروع الأمريكي الجديد لإعادة تشكيل المشرق العربي بعد الحرب. ونرى أن ما قاله باراك يكشف بوضوح أن واشنطن لم تعد تنظر إلى الصراع الدائر باعتباره حرباً تنتهي بوقف إطلاق نار أو بتسوية مؤقتة، وإنما باعتباره فرصة تاريخية لإعادة صياغة الجغرافيا السياسية والاقتصادية للمنطقة بما يخدم المصالح الأمريكية لعقود مقبلة.
ونشير إلى أن جوهر المشروع يقوم على إقامة فضاء جغرافي واقتصادي مفتوح يمتد من العراق إلى سوريا ولبنان وصولاً إلى البحر المتوسط، تتحول فيه الحدود التقليدية إلى ممرات للطاقة والنفط والغاز والسكك الحديدية وشبكات النقل والتجارة. ووفق هذا التصور، تصبح بلاد الشام والرافدان ممراً بديلاً يربط الخليج بالمتوسط، بما يخفف، في الرؤية الأمريكية، من الاعتماد الاستراتيجي على مضيق هرمز، ويمنح واشنطن قدرة أكبر على التحكم بخطوط الطاقة العالمية بعيداً عن أي قدرة إيرانية على تعطيلها.
ونرى أن ما يلفت الانتباه في تصريحات باراك هو أنه تحدث بصراحة عن فتح الجغرافيا وإزالة الحواجز التي فرضتها اتفاقية سايكس ـ بيكو، وهو ما نعتبره مفارقة تاريخية كبرى. فالمشروع الذي طالما رفعته الأحزاب القومية العربية طوال قرن كامل تحت شعار إزالة الحدود وتوحيد المشرق العربي، يأتي اليوم، بحسب قراءتنا، من خلال مبعوث أمريكي، ولكن ليس بهدف تحقيق وحدة عربية أو نهضة قومية، وإنما لخدمة مشروع جيوسياسي واقتصادي أمريكي تتحول فيه الجغرافيا إلى ممرات لنقل الطاقة والتجارة تحت المظلة الغربية.
ونعتبرأن هذه هي الصفعة الفكرية والسياسية الكبرى التي وجهها باراك إلى كل أدبيات القومية العربية التقليدية. فبدلاً من أن تكون إزالة الحدود مشروعاً تحررياً تقوده شعوب المنطقة، أصبحت، وفق هذا الطرح، جزءاً من خطة أمريكية لإعادة توزيع النفوذ وفتح الأسواق وتأمين خطوط الإمداد والطاقة بما يحقق مصالح واشنطن وحلفائها، بينما تبقى شعوب المنطقة خارج دائرة القرار الحقيقي.
كما نلفت إلى أنه سبق أن حذرنا مراراً من هذا السيناريو، نعتبر ً أن الحرب الدائرة ليست فقط لإضعاف إيران أو تغيير موازين القوى العسكرية، بل لفرض شبكة جديدة من الممرات الاقتصادية تربط الخليج ببلاد الشام والبحر المتوسط، بما يجعل العراق وسوريا ولبنان جزءاً من منظومة لوجستية واحدة، ويعيد تعريف أهمية هذه الدول باعتبارها معابر استراتيجية أكثر منها دولاً ذات سيادة مستقلة في القرار الاقتصادي.
إن هذا المشروع يفسر، الإصرار الأمريكي على تثبيت نفوذ طويل الأمد في سوريا والعراق، وعلى الدفع نحو ترتيبات سياسية واقتصادية جديدة في البلدين، لأن السيطرة على الممرات، في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية، لا تقل أهمية عن السيطرة على حقول النفط نفسها. ولذلك فإن معركة المستقبل، وفق قراءتنا
، لن تكون فقط على الآبار أو الموانئ، بل على الطرق البرية وخطوط السكك الحديدية وأنابيب النفط والغاز والمراكز اللوجستية التي ستربط الخليج بالمتوسط.
ومن هنا نربط بين هذا المشروع وبين الحرب الحالية، نعتبر أن إيران تدرك تماماً أن الهدف النهائي يتجاوز الضربات العسكرية، ليصل إلى تطويقها اقتصادياً وجيوسياسياً عبر إيجاد بدائل دائمة لمضيق هرمز. ولهذا، نفسر تمسك طهران بورقة هرمز، ورفضها تقديم أي تنازل بشأنها، باعتبار أن المضيق ليس مجرد ممر بحري، بل ورقة استراتيجية تمنع ولادة مشروع يهدف إلى تقليص وزنها الجيوسياسي في المنطقة.
كما نرى إلى أن تصريحات باراك، في نظرنا ، لم تكن مجرد إعلان عن خطة اقتصادية، بل كشفاً عن ملامح النظام الإقليمي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى بنائه بعد انتهاء الحرب؛ نظام يقوم على فتح الجغرافيا، وربط الممرات، وإعادة هيكلة الاقتصاد الإقليمي بما يخدم مصالح القوى الكبرى. ونحذر من أن نجاح هذا المشروع، وفق رؤيتنا، قد يؤدي إلى تغيير عميق في هوية المشرق العربي ووظيفته، بحيث تتحول دوله إلى عقد عبور وممرات للطاقة والتجارة، بينما تبقى قضايا السيادة والتنمية والنهضة العربية مؤجلة أو خاضعة لأولويات القوى الدولية.
🖊 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق