ميخائيل عوض / لبنان
من ظن أنه باغتيال الخامنئي يسقط إيران اكتشف أنه أيقظ ثورة جديدة... وطوفان الأقصى فتح باب النهاية لمشروع الهيمنة الغربية
لا نقرأ مشهد تشييع المرشد الإيراني علي الخامنئي بوصفه مناسبة جنائزية، ولا حتى باعتباره حدثاً إيرانياً داخلياً. بالنسبة إليه، ما جرى هو زلزال سياسي عالمي، وصدمة أصابت كل العواصم التي بنت حساباتها على أن غياب الرجل سيكون لحظة انهيار الجمهورية الإسلامية. لكن المشهد، كما نراه، انقلب على أصحابه؛ فبدلاً من انهيار النظام، خرجت إيران بصورة أكثر تماسكاً، وأكثر قدرة على فرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه.
ونرى أن ملايين المشيعين الذين ملأوا الشوارع لم يكونوا مجرد حشود، بل استفتاءً شعبياً هائلاً على شرعية النظام بعد حرب هدفت، وفق التحليل، إلى كسر إرادته. ونقول إن الرسالة كانت واضحة: المشروع الذي أرادت واشنطن وتل أبيب إنهاءه خرج من المعركة أكثر حضوراً، بينما سقطت رهانات إسقاط إيران من الداخل.
*تشييع العصر... ليس وداع قائد بل دفن مرحلة كاملة*
الخطأ الأكبر هو اختزال الحدث في شخصية الخامنئي. فالرجل، وإن كان قائداً استثنائياً، فإن القيمة الحقيقية للتشييع تكمن في رمزيته التاريخية.
إنه، وفق رؤيتنا، تشييع لعصر الهيمنة الغربية، وعصر الحروب المفتوحة، وعصر الاستباحة الذي حكم العالم لعقود طويلة. ومن هنا جاءت تسمية "تشييع العصر"، لأن المشهد يعلن انتهاء دورة تاريخية كاملة بدأت مع صعود المشروع الغربي وهيمنته، وتقترب اليوم من نهايتها تحت ضغط التحولات الكبرى التي أطلقتها حرب غزة وطوفان الأقصى.
ونؤكد أن التاريخ لا يتغير بالخطابات، بل بالمحطات المفصلية، وأن هذا التشييع سيكون إحدى تلك المحطات التي سيعود إليها المؤرخون بوصفها إعلاناً عن بداية نظام عالمي جديد.
*من أراد إسقاط إيران... سقط وبقيت*
إن نتائج الحرب جاءت معاكسة تماماً لما خُطط لها.
فالاغتيالات، والعقوبات، والحصار، والضغوط العسكرية، كلها كانت تهدف إلى إضعاف إيران وإحداث شرخ داخلي فيها، لكن ما حدث – بحسب قراءتنا – هو العكس تماماً.
لقد تحولت لحظة الفقد إلى لحظة تعبئة وطنية، وعاد المشروع الإيراني ليستمد زخماً جديداً من الالتفاف الشعبي، في مشهد نراه شبيهاً بلحظة انتصار الثورة الإسلامية في بداياتها.
ولهذا نعتقد أن الحرب لم تُضعف إيران، بل رفعت منسوب شرعيتها الداخلية والإقليمية.
*هرمز... نهاية زمن الملاحة الأميركية*
إن ما يجري هناك أخطر بكثير مما تدركه وسائل الإعلام.
ففي رأينا لم تعد إيران تتحدث عن حماية مياهها فقط، بل بدأت عملياً بإعادة تعريف قواعد المرور في واحد من أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
ونؤكد أن الرسائل الإيرانية تعني أن السفن التي تعبر هرمز ستتعامل مع واقع جديد، وأن واشنطن لم تعد صاحبة القرار الوحيد في هذا الممر الاستراتيجي.
ونصف ذلك بأنه بداية انتقال مركز الثقل البحري من الهيمنة الأميركية المطلقة إلى معادلات ردع وتوازن جديدة ستنعكس على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
*اليمن... الحصار انتهى والردع بدأ*
اليمن، أحد أبرز عناوين التحول.
فهبوط الطائرة الإيرانية في صنعاء، رغم التهديدات، لم يكن مجرد رحلة جوية، بل إعلاناً سياسياً بأن سنوات الحصار انتهت.
وأن تعامل الدفاعات الجوية اليمنية مع محاولات الاعتراض كشف أن صنعاء لم تعد تتلقى الإنذارات، بل أصبحت هي من يوجه الإنذارات.
ومن هنا يقرأ البيان اليمني الأخير بوصفه وثيقة سياسية وعسكرية تقول للتحالف إن قواعد الاشتباك السابقة انتهت، وإن المرحلة المقبلة عنوانها فرض الالتزامات لا طلبها.
وأن اليمن، بعد سنوات الحرب، لم يخرج منهكاً كما توقع خصومه، بل خرج أكثر خبرة وأكثر قدرة على التأثير في أمن الخليج والملاحة الدولية.
*مصر... الجيش يعود إلى الواجهة*
إن استعراض القوات المسلحة وما رافقه من إظهار منظومات دفاع جوي متقدمة ليس استعراضاً عادياً، لمنشأة عسكرية بل رسالة استراتيجية.
ونعتبر أن حجم التعاون العسكري مع موسكو يعكس تحولاً في خيارات القاهرة، وأن خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حمّل إسرائيل مسؤولية الكارثة في غزة وطالب بالانسحاب وإقامة الدولة الفلسطينية يمثل تغيراً في النبرة السياسية المصرية.
وبرأينا ، فإن مصر بدأت تتهيأ لمرحلة ما بعد تراجع النفوذ الأميركي، وتعيد تثبيت موقعها كقوة عربية مركزية.
*مشروع عربي يولد من جديد*
إن المنطقة تشهد ولادة مشروع عربي جديد، بعدما عاشت سنوات طويلة في حالة تفكك وانكفاء.
ونرى أن مصر واليمن وسوريا والعراق مرشحة لأن تشكل معاً قاعدة هذا المشروع، في ظل تراجع قدرة القوى الخارجية على إدارة المنطقة كما فعلت طوال العقود الماضية.
وبحسب التحليل، فإن الحرب الأخيرة لم تُنتج فقط وقائع عسكرية، بل فتحت الباب أمام إعادة بناء النظام العربي على أسس مختلفة.
*تركيا وإسرائيل... ساعة الاشتباك تقترب والميدان سوريا*
وفي الملف التركي، نرى أن التوتر المتصاعد بين أنقرة وتل أبيب لم يعد مجرد سجال إعلامي.
وأن سوريا أصبحت الميدان الرئيسي لهذا الاشتباك.
فإن كل المؤشرات تدل على أن الاحتكاك بين المشروعين يتصاعد تدريجياً، وأن أي خطأ ميداني قد يدفع إلى مواجهة أوسع.
فإن أنقرة أعادت مراجعة حساباتها بعد الحرب، وتحاول التموضع ضمن موازين القوى الجديدة، فيما تتمسك إسرائيل بمنع أي تغيير يهدد تفوقها الإقليمي.
ولهذا نرى أن الجولان، وربما لاحقاً الضفة الغربية، قد يتحولان إلى ساحات الصراع المقبلة.
*سوريا... التوترات الأمنية ليست معزولة*
تصاعد العمليات الأمنية داخل سوريا باعتباره جزءاً من المشهد الإقليمي الأوسع.
فما يحدث في دمشق والسويداء ومناطق أخرى، ليس مجرد أحداث محلية، وإنما انعكاس لصراع المشاريع الكبرى التي تتنافس على رسم مستقبل المنطقة.
وأن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من الضغوط الأمنية والسياسية، بالتوازي مع إعادة رسم خرائط النفوذ.
*نتنياهو قال إنها حرب وجود... والتاريخ يثبت ذلك*
عندما وصف بنيامين نتنياهو للحرب بأنها "حرب وجود".
نتنياهوكان يدرك أن التهديد الوجودي سيتجه نحو المشروع الذي يمثله هو نفسه.
ففي تقديرنا ، إن إسرائيل تواجه اليوم استنزافاً غير مسبوق، بينما يتراجع النفوذ الأميركي وتتصدع ركائز النظام الذي وفر لها التفوق لعقود.
ومن هنا نخلص إلى أن العالم العربي يقف على أعتاب مرحلة تأسيسية جديدة، عنوانها انتقال موازين القوة، وصعود مشاريع إقليمية جديدة، وانحسار عصر الهيمنة الغربية.
ونؤكد أن "تشييع العصر" لم يكن نهاية رجل، بل بداية مرحلة تاريخية ستعيد رسم خرائط السياسة والجغرافيا والتحالفات في المنطقة، وأن ما يجري في هرمز واليمن ومصر وسوريا ليس أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مسلسل واحد عنوانه: ولادة عالم جديد من قلب الحروب.
🖊 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق