قراءة تشكيلية في لوحة «محمد صبحي.. فارس المسرح العربي»للفنان أشرف كمال

لوحة فارس بلا جواد بريشة الفنان أشرف كمال 


كتبت .. سها البغدادي 

في هذه اللوحة الكاريكاتيرية لا يكتفي الفنان أشرف كمال برسم ملامح الفنان الكبير محمد صبحي، بل يقدم سيرة بصرية تختزل رحلة إنسان بدأ من شارع بسيط، وانتهى إلى أن أصبح أحد أهم فرسان المسرح العربي. فالعمل لا يعتمد على المبالغة الكاريكاتيرية وحدها، وإنما يوظف الرموز والأماكن والذاكرة ليحكي قصة نجاح امتدت لعقود.

يتصدر محمد صبحي مقدمة اللوحة بوجه يحمل ملامح الإصرار والتحدي، بينما جاءت الرأس أكبر من الجسد وفق المدرسة الكاريكاتيرية، في إشارة إلى العقل والفكر اللذين شكلا مشروعه الفني، أكثر من اعتماده على الشكل أو المظهر. نظراته المتجهة إلى الأفق تعكس إنسانًا لا ينظر إلى الماضي بحنين فقط، وإنما إلى المستقبل برؤية ورسالة.

خلف الشخصية يقف الحصان، وهو ليس مجرد عنصر جمالي، بل رمز للفروسية والشهامة والنبل. وقد اختاره الفنان ليرتبط مباشرة بلقب محمد صبحي "فارس المسرح العربي"، كما يستدعي في الوقت نفسه شخصية "فارس بلا جواد"، أحد أشهر أعماله الدرامية، ليجمع بين الرمز الواقعي والرمز الفني في صورة واحدة.

أما الخلفية، فهي تمثل العمود الفقري للوحة؛ إذ رسم الفنان شارع محمد علي، المكان الذي شهد بدايات محمد صبحي، حيث نشأ وكانت شرفة منزله تطل على سينما الكرنك وسينما برادي. وهنا تتحول العمارة القديمة والواجهات التاريخية إلى ذاكرة حية تستدعي قصة الطفل الذي كان يجمع قصاصات الأفلام الملقاة من دور السينما، مدفوعًا بشغف لا يعرف حدودًا.

ومن أجمل ما تحمله اللوحة أنها تجعل المتلقي يتذكر تلك الواقعة التي كثيرًا ما رواها محمد صبحي بنفسه؛ حين اشترى شمعة ليعرض بها قصاصات الأفلام على قطعة قماش، في محاولة طفولية لصناعة سينما داخل منزله، لكن الشمعة اشتعلت في الستارة وأحرقتها. هذه الحادثة، رغم بساطتها، تكشف أن شغفه بالفن سبق إمكاناته، وأن الحلم بدأ قبل أن توجد الوسائل.

وفي الجهة المقابلة ينتقل الفنان بالمشاهد من الماضي إلى الحاضر، فيرسم مسرح محمد صبحي بمدينة سنبل للثقافة والفنون، وكأنه يضع نقطة الوصول في نهاية رحلة طويلة. فمن طفل يراقب السينما من شرفة منزله، إلى فنان يؤسس صرحًا ثقافيًا يحمل اسمه، تتجسد أمامنا رحلة كاملة بين الحلم والإنجاز.

كما اعتمد الفنان على ألوان دافئة يغلب عليها البني والذهبي والوردي، وهي ألوان تمنح اللوحة إحساسًا بالحنين والدفء، بينما يربط المنظور البصري بين شارع محمد علي والمسرح، ليؤكد أن الماضي لم ينفصل يومًا عن الحاضر، بل كان هو الأساس الذي بنيت عليه التجربة الفنية.

ولا يمكن إغفال البعد الثقافي الذي جاءت فيه هذه اللوحة، إذ عُرضت ضمن المعرض الدولي للكاريكاتير بمشاركة فنانين من 28 دولة، وهو ما يمنحها بعدًا عالميًا، ويؤكد أن تجربة محمد صبحي تجاوزت حدود المحلية لتصبح مصدر إلهام لفناني الكاريكاتير من مختلف أنحاء العالم.

وتكتسب اللوحة قيمة إضافية لأن مبدعها هو الفنان أشرف كمال، المخرج بالمركز القومي للسينما، ومقدم برنامج "المرسم" على قناة النيل الثقافية، والذي استطاع أن يقدم عملًا يجمع بين الحس التشكيلي والوعي الدرامي، فبدت اللوحة أقرب إلى فيلم بصري يختزل محطات العمر في مشهد واحد.

الفنان اشرف كمال بجوار اللوحة

إن هذه اللوحة لا توثق سيرة فنان فحسب، بل تؤكد حقيقة إنسانية مهمة: أن الأحلام الكبيرة غالبًا ما تولد في الأماكن البسيطة، وأن الطفل الذي كان يجمع قصاصات الأفلام من دور السينما، أصبح بعد سنوات صاحب مسرح ومنارة ثقافية، يستحق عن جدارة لقب "فارس المسرح العربي".


تعليقات