كتبت .. سها البغدادي
تُعد أغنية «في البعد ياما» واحدة من أبرز الأعمال الطربية التي أعادت إحياء روح الغناء العربي الأصيل برؤية معاصرة، في تجربة تؤكد أن الأصالة لا تتعارض مع التجديد، بل يمكن أن تشكل معه حالة فنية مبهرة.
ويحسب للفنان وليد رشدي جرأته في استلهام قالب «الدور»، أحد أعرق القوالب الموسيقية العربية، والذي يقوم على الحوار الغنائي بين المطرب والكورال، مع تنوع الأداء والاستفادة من الإمكانات الصوتية الواسعة. وقد انعكس ذلك بوضوح في أدائه الذي كشف عن مساحة صوتية متميزة، مدعوماً بكلمات شاعرية رفيعة كتبها الشاعر الكبير عاصم حسين.
ولم تتوقف جرأة التجربة عند البناء اللحني، بل امتدت إلى تقديم هذا القالب الكلاسيكي بإيقاعات وتوزيع موسيقي حديث، ليخرج العمل في صورة عصرية مختلفة تماماً عن السائد على الساحة الغنائية. وهنا برزت بصمة الموزع الموسيقي علاء غنيم، الذي نجح في تحقيق توازن دقيق بين روح الطرب الكلاسيكي والحداثة الموسيقية.
أما الفيديو كليب، فجاء مفاجأة فنية لا تقل إبداعاً عن الأغنية نفسها، حيث اعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في بناء قصة خيالية لشاب يسافر عبر الزمن إلى مصر قبل نحو 150 عاماً بحثاً عن فتاة أحلامه، الأميرة أشرقت. وتدور الأحداث داخل أجواء قصر عابدين في عهد الخديوي عام 1876، في مشاهد بصرية آسرة تجمع بين الدقة التاريخية والخيال، قبل أن تنتهي الرحلة بعودته إلى الحاضر برفقة محبوبته.
وقد نجح المبدع Weka في تقديم معالجة بصرية لافتة، أسهمت في إحياء تلك الحقبة التاريخية بصورة جذابة ومبهرة، لتمنح العمل بعداً سينمائياً يواكب جودة الأغنية.
في المجمل، تقدم «في البعد ياما» نموذجاً فنياً متكاملاً يعكس رؤية إبداعية واضحة للفنان وليد رشدي، ليس فقط كمطرب وملحن، بل كصاحب مشروع فني يسعى إلى المزج بين التراث والحداثة بأسلوب مبتكر، مدعوماً بفريق عمل متميز في الكلمة والتوزيع والإخراج البصري.
إنها تجربة تستحق المشاهدة والاستماع، وتؤكد أن الفن الحقيقي لا يزال قادراً على الإدهاش عندما يقترن بالموهبة والرؤية والإبداع.

تعليقات
إرسال تعليق