أوراق الورد 🌹
بقلم: سها البغدادي
"الناس لا يرحمون دموع الضعفاء الذين يتوسلون البقاء، ويحترمون الأقوياء الذين يرحلون دون عناء."
قد تبدو هذه العبارة قاسية، لكنها تلخص جانبًا من طبيعة بعض العلاقات غير الصحية، حيث يتحول الحب إلى استجداء، والوفاء إلى وسيلة يستغلها الطرف الآخر بدلًا من أن يقدرها.
في فن العلاقات الإنسانية، هناك شخص يمنح بلا حساب، ويسامح بلا حدود، ويقدم التنازلات الواحدة تلو الأخرى حفاظًا على العلاقة. يظن أن المزيد من الحب سيغير الطرف الآخر، وأن التضحية ستولد الامتنان، وأن الصبر سيعيد الأيام الجميلة. لكنه يفاجأ بأن كل تنازل جديد لا يزيده إلا ضعفًا في نظر من لا يعرف قيمة الوفاء.
حين يشعر أحد الطرفين أن الآخر لن يرحل مهما حدث، يبدأ أحيانًا في التعامل معه باعتباره أمرًا مضمونًا، فلا يعود يقدر مشاعره، ولا يخشى خسارته. وهنا تتحول العلاقة إلى ساحة غير متكافئة، يدفع فيها طرف واحد الثمن، بينما يحصد الآخر كل المكاسب.
ومع مرور الوقت، يدخل الطرف المتعلق في دائرة مؤلمة؛ فكلما شعر بالرفض، زاد عطاءً، وكلما تعرض للإهمال، قدم مزيدًا من التنازلات، معتقدًا أن الحب يُقاس بقدر الألم الذي يحتمله. لكنه لا يدرك أن العلاقة التي تتطلب منك أن تتخلى عن كرامتك حتى تستمر، ليست علاقة صحية.
وفي بعض العلاقات ذات الأنماط النرجسية، قد يستمد الشخص شعوره بالتفوق من السيطرة على الآخر، أو من رؤية تعلقه وخوفه من الفقد. وقد ينجذب في الوقت نفسه إلى شخص آخر قوي الشخصية، فتبدأ بينهما لعبة شد وجذب وصراع على النفوذ، بينما يبقى الطرف الأكثر تعلقًا هو الأكثر معاناة.
لكن من المهم ألا نعمم هذا النمط على جميع الناس أو جميع العلاقات؛ فليست كل علاقة مؤلمة تعني وجود اضطراب نرجسي، وتشخيص النرجسية هو أمر يختص به المتخصصون. ومع ذلك، فإن أي علاقة تقوم على الإذلال، أو التقليل من القيمة، أو الاستمتاع بإضعاف الطرف الآخر، هي علاقة تستحق التوقف أمامها وإعادة تقييمها.
الحب الحقيقي لا يطلب منك أن تتوسل الاهتمام، ولا أن تقدم كرامتك ثمنًا للبقاء. فالعلاقة السليمة لا تقوم على غالب ومغلوب، ولا على قوي وضعيف، وإنما تقوم على الاحترام المتبادل، والتقدير، والأمان النفسي.
تذكر دائمًا أن من يريد البقاء معك سيختارك بإرادته، لا بشفقة، ومن يعرف قيمتك لن يجعلك تتسول مكانتك في قلبه.
ولهذا، فإن أعظم انتصار ليس أن تربح شخصًا لا يراك، بل أن تستعيد نفسك، وتحافظ على كرامتك، وتؤمن أن الرحيل عن علاقة تستنزف روحك قد يكون بداية الحياة التي تستحقها.
أوراق الورد...
ازرع كرامتك قبل أن تزرع حبك، فالحب الذي يهدم احترامك لن يبني لك سعادة، ومن يرى دموعك وسيلة للسيطرة عليك، لا يستحق أن يكون موطنًا لقلبك.

تعليقات
إرسال تعليق