التصعيد في الأردن تمهيد لعصف الضفة والجولان...استهداف المفاعل المدني استنفاذ بنك الأهداف وعجز أمريكي...إسرائيل حاملة طائرات أمريكية ثابتة
ميخائيل عوض / لبنان
*اليوم العاشر من الحرب... اليمن على موعد مع قلب معادلات الحرب*
تدخل الحرب يومها العاشر وهي ترتفع إلى مستوى غير مسبوق من التصعيد، فيما تتكاثر التهديدات والبيانات العسكرية، لكن الميدان ما زال ينتظر الأفعال التي تغيّر موازين القوى. وفي هذا السياق يكتسب إعلان قوات صنعاء عن بيان عسكري مرتقب أهمية استثنائية، لأن اليمن، بخلاف كثير من الساحات، أثبت خلال السنوات الماضية أن ما يعلنه يترجمه عادة إلى وقائع عملياتية، وأنه يتعامل مع الحرب بوصفها فعلاً استراتيجياً لا مجرد حرب بيانات.
لقد خاض اليمنيون منذ أكثر من عقدين حروباً متواصلة صنعت منهم واحدة من أكثر القوى العسكرية خبرة في المنطقة. ومنذ انطلاق معركة إسناد غزة، استطاعوا تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحة اشتباك دولية، فارضين معادلات لم تستطع أكبر الأساطيل الغربية كسرها. واليوم، فإن أي انخراط يمني أوسع في هذه الجولة قد يصبح نقطة تحول مفصلية، لأن اليمن يمتلك عناصر لا تتوافر في بقية أطراف محور المقاومة: استقلالية القرار، والخبرة القتالية، والتماسك الشعبي، والانسجام الكامل بين القيادة والقاعدة الشعبية.
*التصعيد في الأردن... هل تتهيأ بوابة المشرق لمرحلة ما بعد الحرب؟*
إن التركيز المتزايد على الأردن في هذه الجولة من خلال استهداف مكثف للقواعد والأصول الأمريكية لا يمكن قراءته بوصفه مجرد استهداف تكتيكي لقواعد عسكرية أمريكية، بل باعتباره جزءاً من إعادة تشكيل مسرح العمليات استعداداً لمرحلة قد تتجاوز الحرب الإيرانية–الإسرائيلية إلى إعادة فتح الجبهات البرية في قلب بلاد الشام. فمن وجهة نظره، يكتسب الأردن قيمة استراتيجية استثنائية لأنه يشكل نقطة الارتكاز الجغرافية التي تربط العراق بسوريا وفلسطين المحتلة، ويجاور الضفة الغربية مباشرة، كما يحتضن انتشاراً عسكرياً أمريكياً يوفر دعماً لوجستياً واستخبارياً للعمليات الإسرائيلية. لذلك، فإن أي ضغط عسكري على هذا المسرح يسعى إلى تقليص هامش الحركة الأمريكية والإسرائيلية وإرباك منظومة الإسناد التي تعتمد عليها تل أبيب في إدارة الحرب.
إن الضفة الغربية والجولان قد يكونان الساحتين اللتين تحملان مفاجآت المرحلة المقبلة إذا استمرت الحرب واتسع نطاقها. فالضفة، التي تعيش حالة احتقان متصاعد منذ أشهر، يمكن أن تتحول إلى جبهة اشتباك واسعة إذا تراجعت قدرة الجيش الإسرائيلي على توزيع قواته بين عدة ميادين، بينما يمثل الجولان عقدة جغرافية تربط جنوب سوريا بشمال فلسطين المحتلة، وأي تغير في موازين القوى حوله ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن الإسرائيلي. ووفق هذا التصور، فإن التصعيد في الأردن لا يُقرأ كهدف مستقل، بل كجزء من بيئة عملياتية أوسع يُراد منها إضعاف خطوط الإسناد وتهيئة المجال أمام تحولات ميدانية قد تمتد من الضفة الغربية إلى الجولان، بما يجعل المشرق كله مسرحاً مترابطاً في معادلة واحدة. وأن صحة هذه القراءة تبقى رهناً بتطورات الميدان وقرارات الأطراف المنخرطة في الحرب، لكنها تعكس رؤيتنا لطبيعة الترابط الاستراتيجي بين هذه الساحات في حال استمرار التصعيد.
*استهداف المفاعل المدني... بين استنفاد بنك الأهداف والانزلاق نحو «النووي القذر»*
نرى أن انتقال الولايات المتحدة وإسرائيل إلى استهداف منشأة نووية مدنية إيرانية يمثل، مؤشراً على استنفاد الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية، وليس دليلاً على امتلاك زمام المبادرة. فبعد أسابيع من الضربات الجوية والاغتيالات واستهداف مراكز القيادة والبنية العسكرية، لم يتحقق، وفق طرحنا الهدف الأساسي المتمثل في شل القدرات الاستراتيجية الإيرانية أو تدمير البنية الصاروخية العميقة. ومن هنا جاء استهداف منشأة مدنية خاضعة للرقابة الدولية باعتباره انتقالاً من استهداف القوة العسكرية إلى استهداف الرمزية السياسية، في محاولة لتعويض العجز عن الوصول إلى مراكز الثقل الحقيقية التي بنتها إيران خلال عقود داخل الجبال والأنفاق والتحصينات العميقة.
ونؤكد أن هذه الضربة تكشف بصورة غير مباشرة فشل الرهان على تدمير منشآت جبل الفأس، التي نصفها بأنها تمثل أحد أهم مراكز التحصين الاستراتيجي الإيراني. فهذه المنشآت، أُنشئت على أعماق كبيرة داخل الكتل الصخرية، بما يجعل الوصول إليها حتى باستخدام الذخائر الأمريكية الخارقة للتحصينات أمراً بالغ الصعوبة، وهو ما دفع واشنطن، إلى الانتقال نحو أهداف أقل تحصيناً وأكثر حضوراً إعلامياً. وبهذا المعنى، فإن استهداف المفاعل المدني لا يعكس قوة المهاجم بقدر ما يكشف حدود قدرته على إصابة الأهداف التي صنعت إيران حولها منظومة حماية هندسية وعسكرية معقدة، جعلت "جبل الفأس" عنواناً لصمود البنية الاستراتيجية أكثر منه مجرد موقع عسكري.
إن هذا التحول يضع الحرب على حافة ما يسميه "النووي القذر"؛ ليس بمعنى استخدام السلاح النووي، بل من خلال استهداف منشآت نووية مدنية قد يؤدي قصفها إلى مخاطر إشعاعية أو بيئية واسعة، بما يكسر أحد أهم المحرمات التي استقرت عليها قواعد الصراع الدولي منذ عقود. ومن وجهة نظرنا، فإن مجرد إدخال المنشآت النووية المدنية إلى دائرة النار يمثل سابقة خطيرة، لأنه يفتح الباب أمام انهيار الضوابط التي كانت تفصل بين الحرب التقليدية والتهديدات ذات الطابع النووي، حتى وإن لم يُستخدم سلاح نووي بصورة مباشرة. لذلك نخلص إلى أن استهداف المفاعل المدني ليس مجرد عملية عسكرية جديدة، بل علامة على انتقال الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة، حيث يترافق استنفاد بنك الأهداف الأمريكي مع ارتفاع احتمالات التصعيد غير المحسوب، واتساع نطاق المواجهة إلى مستويات تهدد الأمن الإقليمي والدولي بأسره.
*إسرائيل تتحول إلى حاملة طائرات أمريكية ثابتة... من أصل استراتيجي إلى هدف استراتيجي*
إن الحرب الجارية كشفت تحولاً نوعياً في وظيفة إسرائيل داخل الاستراتيجية الأمريكية. فبعد أن كانت توصف لعقود بأنها القاعدة العسكرية الأكثر تقدماً لواشنطن في الشرق الأوسط، أصبحت، وفقطرحنا، "حاملة طائرات أمريكية ثابتة" بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالتدفق المتواصل للطائرات القتالية الأمريكية، وطائرات التزود بالوقود، وطائرات الإنذار المبكر، ومنظومات الدفاع الجوي، ومراكز القيادة والسيطرة، حول الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى منصة انطلاق رئيسية للعمليات العسكرية الأمريكية في الإقليم، بعدما اضطرت واشنطن إلى تقليص وجودها أو إعادة تموضع جزء من قواتها في قواعد الخليج والعراق نتيجة تنامي المخاطر وتكثيف الضربات الايرانية المجدية على القواعد والأصول الأمريكية.
ونعتبر أن هذا التحول يحمل مفارقة استراتيجية عميقة؛ فما كان يمثل مصدر قوة لإسرائيل يتحول إلى أحد أبرز عناصر ضعفها. فحاملة الطائرات البحرية تمتلك ميزة الحركة والمناورة والابتعاد عن مناطق الخطر، أما "حاملة الطائرات البرية" فلا تستطيع تغيير موقعها أو إخفاء بنيتها التحتية. لذلك تصبح المطارات العسكرية، ومطار بن غوريون، وقواعد سلاح الجو، وموانئ حيفا وأشدود، ومراكز القيادة والاتصالات، أهدافاً ثابتة ومعروفة في أي مواجهة واسعة، الأمر الذي يجعل الكلفة الأمنية والاقتصادية لاستمرار الحرب أعلى بكثير مما كانت عليه في الجولات السابقة.
ومن هذا المنطلق، نرى أن وعد القائد الشهيد الخامنئي بإغراق حاملات الطائرات يبدو أقرب لسيناريو تدمير إسرائيل حاملة الطائرات الثابتة وأن إسرائيل أصبحت جزءاً عضوياً من البنية العملياتية الأمريكية في المنطقة. فكل طائرة تصل إليها، وكل منظومة دفاع تنشر على أرضها، وكل غرفة عمليات تُدار منها، تزيد من اندماجها في المعركة وتجعل الفصل بين الأهداف الأمريكية والإسرائيلية أكثر صعوبة. ووفق هذا التصور، فإن أي تصعيد لاحق لن ينظر إلى إسرائيل باعتبارها دولة منفصلة عن الوجود العسكري الأمريكي، بل باعتبارها مركز الثقل التنفيذي للمشروع العسكري الأمريكي في المشرق.
وعليه، فإن تحويل إسرائيل إلى قاعدة أمريكية متقدمة يمنحها زخماً عملياتياً آنياً، لكنه في المقابل يرفع من مستوى تعرضها للاستهداف المباشر إذا اتسعت الحرب، لتصبح، وفق رؤيتنا، في قلب المواجهة لا على هامشها، وفي موقع الهدف الاستراتيجي بقدر ما هي منصة لإدارة العمليات العسكرية.
🖊 ميخائيل عوض

تعليقات
إرسال تعليق