إمام عاشور... من الألم إلى الأمل: كيف صنعت تضحيات والديه بطلًا؟

 


بقلم: د. حنان الشاذلي

استشاري  العلاج النفسى  معتمد من وزارة الصحة ومحاضر عام نفس بجامعة القاهرة فرع الخرطوم 

"وراء كل بطل حكاية"... لكنها ليست دائمًا حكاية انتصار، بل كثيرًا ما تبدأ بألم، وتضحية، وإيمان لا يتزعزع. وهذا ما جسده اللاعب إمام عاشور خلال حديثه الصادق مع الإعلامية منى الشاذلي، عندما اصطحب المشاهدين إلى سنوات الطفولة، حيث لم يكن نجمًا يملأ المدرجات، بل طفلًا يحمل حلمًا كبيرًا، بينما كانت أسرته تحمل معه عبء الطريق.


لم يكن أكثر ما أثر فيّ هو الحديث عن البطولات أو الأهداف، وإنما حديثه عن والدته التي كانت ترافقه في رحلات التدريب، تتحمل مشقة السفر وطول الانتظار، وتواجه ضيق الإمكانات وهي مؤمنة بأن ابنها يستحق فرصة. وروى كذلك موقفًا إنسانيًا مؤثرًا عندما تعرضت لحادث أثناء مرافقته، فكان همها الأول إنقاذ ابنها قبل نفسها، في مشهد يلخص معنى الأمومة في أسمى صورها.


كما تحدث عن والده الذي لم يكتفِ بالتشجيع، بل تحمل الأعباء المادية، وبذل كل ما يستطيع حتى لا يتوقف حلم ابنه. لقد أدرك أن الاستثمار الحقيقي ليس في المال، وإنما في الإنسان، وأن الطفل الذي يجد من يؤمن به يستطيع أن يتجاوز ما يبدو مستحيلًا.


ومن منظور علم النفس، فإن قصة إمام عاشور تجسد أحد أهم مفاهيم علم النفس الإيجابي، وهو أن الإنسان قد ينمو من خلال الألم. فالتجارب الصعبة ليست مرغوبة في ذاتها، لكنها قد تصبح نقطة انطلاق نحو النضج والنجاح عندما يجد الإنسان أسرة داعمة، وبيئة مشجعة، وإرادة لا تعرف الاستسلام.


إن الطفل الذي يشعر بأن هناك من يسانده عند التعثر، ويمنحه الثقة بعد الفشل، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الضغوط، وأكثر مرونة في التعامل مع الأزمات، وأكثر إيمانًا بقدراته. ولذلك فإن الأسرة ليست مجرد بيئة للتنشئة، بل هي المصنع الأول للأبطال.


ورحلة إمام عاشور تؤكد أن النجاح لا يصنعه اللاعب وحده، وإنما تصنعه منظومة كاملة تبدأ من البيت. فكم من أم أخفت تعبها حتى لا ينكسر حلم ابنها؟ وكم من أب تحمل ضغوط الحياة ليمنح أبناءه فرصة أفضل؟ هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون الذين لا تظهر أسماؤهم على شاشات التلفزيون، لكن بصماتهم تبقى في كل إنجاز يحققه أبناؤهم.


ولعل هذه القصة تفتح الباب أمام قضية وطنية بالغة الأهمية، وهي ضرورة اكتشاف المواهب ورعايتها منذ الصغر. فقد أولت الدولة المصرية هذا الملف اهتمامًا كبيرًا من خلال المبادرات والمشروعات القومية الهادفة إلى اكتشاف ورعاية البراعم والناشئين، وفي مقدمتها المشروع القومي للموهبة والبطل الأولمبي، الذي يوفر بيئة علمية وتدريبية لصناعة أبطال المستقبل. فالموهبة وحدها لا تكفي، بل تحتاج إلى احتضان، وتخطيط، واستمرارية.


وعندما تتكامل جهود الأسرة مع مؤسسات الدولة، يصبح الطريق إلى النجاح أكثر وضوحًا، وتتحول الأحلام الفردية إلى إنجازات وطنية ترفع اسم مصر في المحافل الإقليمية والدولية.


إن قصة إمام عاشور ليست مجرد قصة لاعب كرة قدم، بل هي رسالة لكل أسرة مصرية: لا تستهينوا بكلمة تشجيع، ولا بتضحية تبدو صغيرة، ولا بوقت تقضونه مع أبنائكم. فربما تكون تلك اللحظات هي التي تصنع مستقبلهم.


وأخيرًا... إذا كان إمام عاشور قد أصبح اليوم نموذجًا للنجاح الرياضي، فإن الفضل بعد توفيق الله يعود إلى إيمانه بحلمه، وإلى أسرة آمنت به قبل أن يؤمن به الجمهور. وهنا تتجلى الحقيقة التي يؤكدها علم النفس كما تؤكدها الحياة: الألم ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بدايته. ومن رحم المعاناة يولد الأمل، ومن خلف كل بطل أسرة كتبت أول سطور النجاح قبل أن يكتبها التاريخ.

تعليقات

  1. بارك الله فيكي وفي علمك اوجزتي واوفيتي فعلا يولد الامل من رحم الالم

    ردحذف

إرسال تعليق