الغفران المتكرر... الطريق إلى الرحيل الأخير

 

سها البغدادي 

أوراق الورد 🌹 سها البغدادي

يظن البعض أن المرأة التي تسامح كثيرًا لن ترحل أبدًا، وأن قلبها سيظل يمنح الفرص بلا نهاية. لكنه لا يدرك أن كل غفران لا يُقابَل بتغيير، يستهلك جزءًا من رصيد المشاعر، حتى يأتي اليوم الذي لا يبقى فيه شيء يستحق البقاء.

المرأة لا تغادر بعد الخطأ الأول، ولا بعد الاعتذار الأول، ولا حتى بعد الخذلان الأول. إنها تمنح الفرصة تلو الأخرى، على أمل أن يستيقظ الضمير، وأن تتحول الكلمات إلى أفعال، وأن يصبح الاعتذار بداية للتغيير، لا وسيلة لتكرار الخطأ.

لكن عندما يتحول الاعتذار إلى عادة، والخيانة إلى نمط، والخذلان إلى أمر متوقع، يبدأ قلبها في الانسحاب بصمت. قد تبتسم، وقد تتحدث بشكل طبيعي، لكن في داخلها تكون قد بدأت رحلة الوداع منذ زمن، بينما الطرف الآخر لا ينتبه إلا عندما يجد الباب قد أُغلق.

قرار الرحيل لا يُولد في لحظة غضب، بل يُصنع من  عدة تراكمات ظنها الآخر هينة. خيانة ، كلمة جارحة لم تُعتذر عنها بصدق، وعد لم يُنفذ، دمعة أُهملت، وثقة كُسرت مرة بعد أخرى. ومع كل موقف، يتآكل الرصيد العاطفي حتى ينفد تمامًا.

وعندما ترحل، لا يكون ذلك انتقامًا، بل حماية لما تبقى من كرامتها وسلامها النفسي. فهي لا تغلق الباب لأنها توقفت عن الحب، بل لأنها تعبت من انتظار حبٍ يُثبت نفسه بالأفعال لا بالأعذار.

هناك حقيقة يغفل عنها كثيرون: الغفران المتكرر ليس دليلًا على ضعف المرأة، بل دليل على قوة قلبها. لكن استغلال هذا الغفران هو أقصر طريق إلى خسارتها.

فاحذر أن تظن أن صمتها رضا، أو أن تسامحها ضمان لبقائها. فكل فرصة لا تُقدَّر، تقرّب لحظة الرحيل. وحين تتخذ قرارها الأخير، لن يكون بسبب خطأ واحد، بل بسبب تاريخ طويل من الخذلان، والغدر، والوعود التي لم تجد طريقها إلى الواقع.

أوراق الورد 🌹

الغفران المتكرر لا يعني أن الجرح التأم، بل قد يكون العدّ التنازلي لقرارٍ لا رجعة فيه. فحين ينفد رصيد المشاعر، يصبح الرحيل أهدأ من البقاء، وتغدو الكرامة بداية حياة جديدة، لا نهاية قصة قديمة.

تعليقات