تقرير .. سها البغدادي
تقرير توثيقي يستند إلى بيانات رسمية وتقارير جهات مصرية معنية وتحقيقات وأحكام قضائية
في 14 أغسطس 2013، بدأت قوات الأمن المصرية عملية فض اعتصام أنصار جماعة الإخوان المسلمين في ميدان رابعة العدوية بمدينة نصر، بعد نحو 47 يومًا من الاعتصام الذي بدأ عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في 3 يوليو من العام نفسه.
وظلت أحداث رابعة واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في التاريخ السياسي المصري الحديث، بين رواية رسمية تحدثت عن اعتصام فقد طابعه السلمي ووجود عناصر مسلحة أطلقت النار على قوات الأمن، وروايات أخرى حملت قوات الأمن مسؤولية سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
لكن بعيدًا عن السجال السياسي، فإن الوثائق الصادرة عن مؤسسات مصرية رسمية ومعنية، وفي مقدمتها المجلس القومي لحقوق الإنسان والهيئة العامة للاستعلامات والنيابة العامة والقضاء المصري، تقدم تسلسلًا يمكن من خلاله قراءة الأحداث بصورة أكثر توثيقًا.
البداية.. اعتصام استمر 47 يومًا
بدأ اعتصام رابعة العدوية في أواخر يونيو 2013، وتحول خلال الأسابيع التالية إلى تجمع ضخم لأنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين.
وبحسب تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، بدأ الاعتصام بصورة سلمية وفي إطار خلاف سياسي، إلا أن التقرير أشار إلى تطورات لاحقة داخل الاعتصام، من بينها وجود أسلحة وعناصر مسلحة، إلى جانب وقائع عنف واحتجاز وتعذيب، وفق ما وثقته لجنة تقصي الحقائق.
وفي المقابل، أكد التقرير أن غالبية المعتصمين لم يكونوا مسلحين، وهي نقطة مهمة عند تناول الأحداث بصورة موضوعية وعدم مساواة جميع المشاركين في الاعتصام بالعناصر التي اتُهمت باستخدام السلاح.
محاولات لإنهاء الأزمة قبل الفض
لم تبدأ الدولة عملية الفض بصورة مفاجئة في 14 أغسطس.
فخلال الأسابيع السابقة جرت محاولات سياسية وأمنية لإنهاء الاعتصام، كما جرى طرح مبادرات ووساطات هدفت إلى الوصول إلى حل دون اللجوء إلى القوة.
وبحسب الرواية الرسمية التي وثقتها الهيئة العامة للاستعلامات، فإن الحكومة ووزارة الداخلية اتجهتا إلى إنهاء الاعتصامين في رابعة العدوية والنهضة بعد فشل محاولات التوصل إلى تسوية.
وبذلك دخلت الأزمة مرحلة جديدة انتقلت فيها الدولة من محاولات التفاوض والوساطة إلى تنفيذ قرار فض الاعتصام.
الإنذار قبل بدء عملية الفض
تؤكد البيانات الرسمية المصرية أن قوات الشرطة سبقت عملية الفض بتوجيه إنذارات للمعتصمين.
واستخدمت قوات الأمن مكبرات الصوت لمطالبة الموجودين داخل الميدان بإخلائه، كما أعلنت عن وجود ممرات آمنة تسمح لمن يرغب في مغادرة الاعتصام بالخروج و ظهر ذلك فى العديد من الفيديوهات المنتشرة على السوشيال ميديا .
وبحسب الرواية الرسمية، تعهدت السلطات بعدم ملاحقة من يغادر الاعتصام، باستثناء من صدرت بحقهم أوامر ضبط وإحضار أو كانت هناك قرارات قانونية قائمة ضدهم.
وتؤكد هذه الجزئية أن الدولة، وفق روايتها الرسمية، لم تتعامل مع جميع الموجودين داخل الميدان باعتبارهم مطلوبين للقبض عليهم، وإنما أعلنت إتاحة فرصة للمغادرة قبل بدء عملية الفض.
بداية العملية.. الغاز ثم إطلاق النار
مع بدء عملية الفض صباح 14 أغسطس، استخدمت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع، وفق البيانات الرسمية وشهادة تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان.
لكن المشهد سرعان ما تحول إلى اشتباكات عنيفة.
وذكر تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان أن عناصر مسلحة أطلقت النار على قوات الأمن، وأن أحد الضباط المشاركين في عملية توجيه النداءات للمعتصمين قُتل إثر إطلاق النار عليه.
وبحسب التقرير، ردت قوات الأمن على مصادر إطلاق النار، قبل أن تتسع دائرة الاشتباكات داخل الميدان والمناطق المحيطة به.
وهنا تحولت عملية الفض من مواجهة أمنية مع تجمع كبير إلى اشتباكات مسلحة واسعة.
ملف القناصة.. ماذا قالت التحقيقات؟
كان إطلاق النار من مواقع مرتفعة والمباني المحيطة بالاعتصام أحد أكثر الملفات إثارة للجدل.
وتناولت التحقيقات الجنائية اللاحقة وقائع إطلاق النار على قوات الشرطة والجيش، كما شملت القضية اتهامات لعناصر مسلحة بالتمركز في مواقع مرتفعة واستخدام الأسلحة النارية ضد قوات الأمن.
لكن من الناحية المهنية، فإن الأدق هو الحديث عن عناصر مسلحة متهمة بإطلاق النار، وليس القول إن جميع المعتصمين كانوا مسلحين أو أن كل المشاركين في الاعتصام كانوا جزءًا من عمليات إطلاق النار.
وهذه التفرقة تتفق مع ما أورده تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي أشار إلى وجود عناصر مسلحة داخل الاعتصام، وفي الوقت نفسه أكد أن غالبية المعتصمين كانوا سلميين.
ماذا قال المجلس القومي لحقوق الإنسان؟
تكتسب شهادة المجلس القومي لحقوق الإنسان أهمية خاصة لأنه لم يكن جزءًا من الأجهزة الأمنية التي نفذت عملية الفض.
وقد قامت لجنة تقصي الحقائق التابعة للمجلس بجمع شهادات ومعلومات من عدد من الجهات، بينها وزارة الداخلية ووزارة الصحة ومصلحة الطب الشرعي والنيابة العامة، كما راجعت مواد وشهادات مرتبطة بالأحداث.
وخلص التقرير إلى أن الاعتصام بدأ سلميًا، لكنه شهد لاحقًا وجود عناصر مسلحة ووقائع عنف.
وفي الوقت نفسه، وثق التقرير استخدام قوات الأمن القوة خلال عملية الفض وسقوط أعداد كبيرة من القتلى والمصابين من جميع الأطراف .
وبذلك لم يقدم التقرير رواية أحادية، وإنما سجل مسؤولية ووقائع مرتبطة بأكثر من طرف.
أعداد الضحايا.. أرقام متعددة
تظل أعداد الضحايا من أكثر الملفات التي أثارت الخلاف منذ وقوع الأحداث.
وبحسب تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، بلغ عدد القتلى في أحداث فض رابعة حتى السابعة مساء يوم 14 أغسطس 632 قتيلًا، بينهم 624 مدنيًا و8 من رجال الشرطةوإصابة العشرات من رجال الأمن ، وفق الحصر الذي أجرته اللجنة.
في المقابل، كانت البيانات الرسمية الصادرة في الأيام الأولى للأحداث قد أعلنت أرقامًا مختلفة.
وهذا التباين يعود إلى اختلاف الجهات التي قامت بالحصر، وكذلك اختلاف الفترات الزمنية التي شملتها الإحصاءات.
الشرطة دفعت ثمنًا أيضًا
لم تكن الخسائر البشرية مقتصرة على المعتصمين.
فوفق البيانات الرسمية وتقارير المجلس القومي لحقوق الإنسان، سقط عدد من رجال الشرطة خلال عملية الفض والأحداث التي رافقتها.
وتحدثت وزارة الداخلية في بياناتها وقت الأحداث عن مقتل وإصابة عشرات من رجال الشرطة.
ويشير ذلك إلى أن العملية لم تكن مجرد تفريق لتجمع مدني خالٍ من السلاح، وفق الرواية الرسمية، بل شهدت إطلاق نار ومواجهات مسلحة أسفرت عن خسائر في صفوف القوات التي شاركت في العملية.
ما بعد رابعة.. اتساع دائرة العنف
لم تنته الأزمة بانتهاء عملية الفض.
ففي أعقاب أحداث رابعة والنهضة، شهدت محافظات مصرية مختلفة موجة من أعمال العنف، استهدفت منشآت شرطية وعامة ودور عبادة، بحسب ما وثقه تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان.
وأصبحت أحداث 14 أغسطس نقطة تحول في المواجهة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت قد دخلت بالفعل في صدام سياسي وأمني واسع مع مؤسسات الدولة عقب 3 يوليو.
من ميدان رابعة إلى قاعات المحاكم
لم تقتصر معالجة الدولة لأحداث رابعة على الإجراءات الأمنية.
فقد أجرت النيابة العامة تحقيقات واسعة في الوقائع، وأحالت عددًا من المتهمين إلى المحاكمة في القضية المعروفة إعلاميًا باسم قضية فض اعتصام رابعة.
وتضمنت الاتهامات التي تناولتها القضية جرائم مرتبطة بالتجمهر، والقتل والشروع فيه، ومقاومة السلطات، وحيازة الأسلحة والذخائر، وارتكاب أعمال عنف وتخريب.
وصدر حكم من محكمة جنايات القاهرة في القضية، ثم نُظرت الطعون أمام محكمة النقض، في مسار قضائي استمر لسنوات.
وبذلك انتقلت أحداث رابعة من كونها مواجهة سياسية وأمنية إلى ملف قضائي ضخم تناول أفعال عدد كبير من المتهمين والمسؤوليات الجنائية المنسوبة إليهم.
ماذا تثبت الوثائق المصرية؟
عند قراءة البيانات الرسمية وتقارير المجلس القومي لحقوق الإنسان والتحقيقات والأحكام القضائية جنبًا إلى جنب، فإن الصورة لا يمكن اختزالها في جملة واحدة.
الثابت أن اعتصام رابعة استمر لأسابيع، وأن الدولة حاولت قبل الفض إنهاء الأزمة عبر مسارات سياسية وأمنية، ثم اتخذت قرارًا بإنهاء الاعتصام.
والثابت كذلك أن السلطات أعلنت قبل العملية عن إنذارات وممرات للخروج، وفق بياناتها الرسمية، وأن تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان وثق توجيه نداءات للمعتصمين قبل بدء العملية.
كما وثق التقرير وجود عناصر مسلحة داخل الاعتصام وإطلاق النار على قوات الأمن، لكنه في الوقت نفسه وثق سقوط أعداد كبيرة من المدنيين خلال عملية الفض وإصابة العشرات من رجال الأمن واستشهاد ثمانية منهم .
وبالتالي فإن القول بأن "رابعة كان اعتصامًا مسلحًا بالكامل" لا يتفق مع ما أورده المجلس القومي لحقوق الإنسان، كما أن اختزال الأحداث في أنها "فض لاعتصام سلمي بلا أي مقاومة مسلحة" يتجاهل ما وثقته التحقيقات والتقارير المصرية بشأن إطلاق النار على قوات الأمن ووجود أسلحة بالفعل داخل الاعتصام.
رابعة.. ملف لم يُغلق في الذاكرة المصرية
بعد أكثر من عقد على الأحداث، ما زالت رابعة واحدة من أكثر الملفات حساسية في التاريخ السياسي المصري الحديث.
لكن الوثائق المصرية تقدم أساسًا يمكن من خلاله تجاوز الروايات الدعائية المتعارضة، والتمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة:
المستوى الأول: المسؤولية السياسية عن قرار إنهاء الاعتصام.
المستوى الثاني: المسؤولية الأمنية والجنائية عن الأفعال التي وقعت أثناء عملية الفض.
المستوى الثالث: المسؤولية الفردية للمتهمين الذين نسبت إليهم التحقيقات والقضاء جرائم محددة.
وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول الخلاف السياسي إلى حكم جماعي على مئات الآلاف من الأشخاص، أو إلى تجاهل للجرائم وأعمال العنف التي أثبتتها التحقيقات وأوراق القضايا.
وفي النهاية
لم يكن فض اعتصام رابعة حدثًا منفصلًا عن الأزمة السياسية والأمنية التي عاشتها مصر في صيف 2013.
فقد سبقه اعتصام استمر نحو 47 يومًا، ومحاولات للتفاوض والوساطة، ثم قرار رسمي بفضه، وإنذارات للمعتصمين وإعلان ممرات للخروج، قبل أن تتحول العملية إلى مواجهات مسلحة وسقوط أعداد كبيرة من القتلى.
وتؤكد الوثائق المصرية أن داخل الاعتصام كانت هناك عناصر مسلحة أطلقت النار على قوات الأمن، بينما تؤكد في الوقت ذاته سقوط عشرات المدنيين خلال عملية الفض.
أما تحديد المسؤوليات الجنائية، فلم يُترك للروايات السياسية، وإنما انتقل إلى النيابة العامة والمحاكم المصرية التي حققت في الوقائع ونظرت الاتهامات وأصدرت أحكامًا في القضايا المرتبطة بالأحداث.
وبين الرواية الرسمية، وتقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، والتحقيقات القضائية، تبقى الحقيقة الأكثر أهمية أن أحداث رابعة كانت مواجهة شديدة التعقيد، شاركت فيها أطراف متعددة، وسقط خلالها ضحايا من المدنيين والشرطة، وأصبحت بعدها مصر أمام واحدة من أكبر القضايا الأمنية والقضائية في تاريخها الحديث.
المصادر
الهيئة العامة للاستعلامات المصرية، المجلس القومي لحقوق الإنسان، وزارة الداخلية المصرية، النيابة العامة المصرية، ومحكمة النقض المصرية.

تعليقات
إرسال تعليق