مضيق هرمز بعد الحرب: من ورقة الردع إلى إعادة صياغة الأمن الإقليمي ومكانة إيران الدولية


لم يعد مضيق هرمز، في الحسابات الإيرانية بعد الحرب، مجرد ممر مائي يمكن استخدامه في لحظة الأزمة للضغط على الخصوم، ولم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت إيران تستطيع إغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه. التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة نقلت القضية إلى مستوى أكثر تعقيداً: كيف تستطيع إيران تحويل موقعها الجغرافي في هرمز إلى عنصر دائم من عناصر الأمن القومي، والردع، والقوة التفاوضية، والمشاركة في صياغة النظام الأمني الجديد في المنطقة؟

هذه النقلة ضرورية لفهم المفاوضات الجارية بين طهران ومسقط، كما أنها ضرورية لفهم موقف إيران من أي مفاوضات لاحقة مع واشنطن. فمن منظور إيراني، لا يمكن أن تنتهي حرب بهذا الحجم ثم تعود البيئة الأمنية إلى ما كانت عليه قبلها وكأن لم يكن شيئاً مذكوراً. الحرب لا تغيّر فقط موازين القوة العسكرية؛ إنها تغيّر أيضاً تصورات الدول عن أمنها، وحدود القوة التي يملكها الخصم، وحجم المخاطر التي يمكن قبولها مستقبلاً.

وبهذا المعنى، أصبحت قضية هرمز جزءاً من نقاش أوسع بكثير: إيران ما بعد الحرب، والأمن الإقليمي، وحدود القوة الأمريكية، وموقع المنطقة في نظام دولي يتحرك تدريجياً من الأحادية إلى تعددية أكثر تعقيداً.

أولاً: هرمز من الجغرافيا إلى الأمن القومي

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز لا تأتي فقط من حجم النفط والغاز والتجارة التي تمر عبره، بل من طبيعة العلاقة بين الجغرافيا والقوة. فهناك مناطق في العالم تتحول فيها الجغرافيا نفسها إلى مورد استراتيجي، لأن السيطرة على درجة من الوصول إليها أو القدرة على التأثير في عملها تتيح للدولة نقل أثر قراراتها إلى دول بعيدة جغرافياً.

وهنا تكمن خصوصية الموقع الإيراني. فأي اضطراب كبير في هرمز لا يبقى أزمة إيرانية-أمريكية أو خليجية، بل ينتقل سريعاً إلى أسعار الطاقة، والتأمين البحري، وتكاليف النقل، وسلاسل التوريد، والصناعة الآسيوية والأوروبية. ولذلك فإن قوة هرمز هي نموذج واضح لما يمكن وصفه بـ: "قوة نقطة الاختناق"؛ حيث تتحول السيطرة على عقدة حيوية في شبكة الاقتصاد الدولي إلى مصدر نفوذ سياسي وأمني.

لكن هذا النفوذ ليس مطلقاً. فإيران نفسها تحتاج إلى التجارة والطاقة والأسواق الخارجية، كما أن المبالغة في استخدام ورقة هرمز يمكن أن يدفع الآخرين إلى تطوير بدائل جديدة. ولهذا تبدو القراءة الأكثر عقلانية للموقف الإيراني مختلفة عن شعار "الأمن للجميع أو لا أمن لأحد". الأهم هو تحويل القدرة على تعطيل الممر إلى قدرة على التأثير في شروط استقراره.

بمعنى آخر، هرمز ليس مهماً لإيران لأن بإمكانها إغلاقه فحسب، بل لأن بإمكانها أن تجعل أمنه جزءاً من معادلة أمنها القومي.

وهنا يظهر تحول مهم في التفكير الإيراني: الانتقال من «الأمن السلبي» إلى «الأمن الإيجابي». الأمن السلبي يعني منع الهجوم على إيران ورفع الحصار والعقوبات. أما الأمن الإيجابي فيعني أن تكون لإيران القدرة على التأثير في البيئة التي يمكن أن تنتج منها الحرب المقبلة: مسارات الانتشار العسكري، وحركة السفن، وترتيبات الأمن البحري، ودور القواعد الأجنبية، والعلاقة بين أمن الملاحة وأمن الدول المشاطئة.

ومن ثم، فإن المسألة بالنسبة إلى طهران لم تعد منع الضربة المقبلة فقط، بل تغيير جزء من البيئة التي تجعل تكرار الضربة ممكناً.

ثانياً: التحول الأهم.. من إغلاق هرمز إلى إدارة هرمز

لوقت طويل، ارتبط هرمز في الخطاب السياسي والعسكري بفكرة الإغلاق. لكن التجربة الأخيرة أظهرت أن الإغلاق الكامل ليس بالضرورة الشكل الأكثر كفاءة لاستخدام هذه الورقة. فالإغلاق الشامل يلحق أضراراً بالخصوم، لكنه يلحق كذلك تكاليف بإيران وبالدول المحايدة، وقد يؤدي إلى تكوين تحالفات مضادة لها.

أما التحكم المتدرج أو الانتقائي في الوصول فيمنح طهران مرونة أكبر: يمكن رفع مستوى القيود أو تخفيضه، والتفريق بين الظروف السلمية وظروف الحرب، وربط المرور باعتبارات أمنية محددة، مع الاحتفاظ بالقدرة على التصعيد إذا تعرضت المصالح الحيوية الإيرانية للخطر.

بعض المحللين في إيران يعبّرون عن هذه النقلة بصورة دقيقة: المضيق يتحول من "ورقة أزمة" إلى "أصل استراتيجي". فالإغلاق إجراء مؤقت بطبيعته؛ أما الإدارة فيمكن أن تتحول إلى قواعد وآليات ومؤسسات تستمر بعد انتهاء الحرب.

وهذا يفسر الاستخدام المتزايد لمفهوم "ممارسة السيادة الفاعلة". فالأمر لا يتعلق، من الناحية القانونية، بادعاء ملكية إيران الحصرية لممر دولي، وإنما بقدرتها على ممارسة حقوقها السيادية في مياهها الإقليمية، وحماية أمنها، والمشاركة الفعلية في مراقبة وتنظيم الحركة في الممر الذي يلاصق أراضيها.

الأهم من ذلك أن بعض الآكاديميين الإيرانيين يرون أن جوهر الردع لا يكمن حتى في مكان خط الملاحة ذاته. بل يرتبط الردع بثلاثة عناصر أكثر عمقاً: امتلاك القدرة العسكرية، وامتلاك الإرادة لاستخدامها عند تهديد المصالح الحيوية، والقدرة على مراقبة وإدارة حركة السفن. ولذلك يحذر من اختزال هرمز في مشروع لتحصيل الرسوم أو في صراع على خط ملاحي بعينه؛ لأن تحويله إلى أصل اقتصادي فقط قد يضعف قيمته الردعية على المدى البعيد.

هذه نقطة مركزية؛ قيمة هرمز الحقيقية ليست في أن تدفع السفن لإيران، بل في أن يدرك الخصوم أن أمن الملاحة لا يمكن فصله عن أمن إيران.

ثالثاً: ماذا تريد إيران من عُمان؟

المفاوضات الإيرانية - العُمانية ينبغي قراءتها داخل هذا التحول. عُمان ليست في هذه القضية مجرد وسيط تقليدي بين إيران والولايات المتحدة، وإنما هي الدولة المشاطئة الأخرى للمضيق. ولذلك تنظر طهران إلى مسقط باعتبارها شريكاً مباشراً في أي ترتيب عملي ومستدام.

التصريحات التفصيلية لكاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، تكشف بوضوح أن المباحثات تجاوزت مجرد رسم خط جديد للسفن. فقد تحدث عن تغيير جوهري في الترتيبات التي استمرت لنحو ستة عقود، وعن مرور جزء مهم من مسارات الدخول والخروج في المياه الإقليمية الإيرانية، وعن مركز مشترك إيراني-عُماني للتنسيق، والحصول على المعلومات الضرورية عن السفن، فضلاً عن التفاوض لاحقاً بشأن "الإدارة المستقبلية" للمضيق.

هذا يعني أن المسألة بالنسبة إلى إيران ليست إعادة فتح الطريق القديم، بل إنتاج نموذج جديد.

فالترتيبات السابقة تشكلت في بيئة أمنية مختلفة. وبعد تعرض إيران للحرب والهجمات، ترى طهران أن العودة إلى نظام كان يسمح بمرور الحركة الأساسية بعيداً عن دور إيراني فعلي لا يوفر الإجابة عن المخاوف الأمنية الجديدة.

لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة ملفات غالباً ما تختلط في الخطاب الإعلامي: التفاهم الإيراني-العُماني حول المسار، وقرار استعادة الملاحة الطبيعية بصورة كاملة، والمفاوضات السياسية الأوسع مع الولايات المتحدة.

التوصل إلى خريطة جديدة مع عُمان لا يعني تلقائياً أن المضيق سيعود فوراً إلى وضع ما قبل الحرب. فقد شدد غريب آبادي على أن التنفيذ يحتاج إلى "مرحلة ثانية" مرتبطة بموقف واشنطن من الحصار والهجمات والعقوبات والأموال الإيرانية المجمدة والالتزامات السابقة. كما أن طهران تؤكد أن العودة الأمريكية إلى الالتزامات شرط لازم، لكنها لا تعتبرها وحدها ضمانة كافية بسبب أزمة الثقة المتراكمة.

لذلك يمكن تلخيص المنطق الإيراني في عبارة واحدة:

التفاهم على الممر شيء، وفتح المضيق شيء ثانٍ، والتفاهم على النظام الأمني للخليج الفارسي شيء ثالث.

رابعاً: هرمز كأداة ردع اقتصادي لا تقل أهمية عن الردع العسكري

من أهم نتائج الحرب أنها وسعت تعريف الردع الإيراني. تقليدياً، يُنظر إلى الردع عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على استهداف القواعد والمراكز العسكرية. لكن هرمز يضيف بعداً مختلفاً: الردع عبر الاقتصاد العالمي.

عندما يستطيع نزاع مع إيران أن يرفع مخاطر التأمين والنقل والطاقة ويضغط على اقتصادات لا تشارك مباشرة في الحرب، فإن تكاليف المواجهة لم تعد ثنائية بين طهران وواشنطن. تصبح هناك دائرة واسعة من الدول والشركات التي تمتلك مصلحة مباشرة في وقف التصعيد.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مضيق هرمز بوصفه أداة لإنتاج نوع من "الردع الاقتصادي العابر للحدود" يكمّل الردع العسكري الإيراني ولا يحلّ محله. فالتأثير في حركة الملاحة لا يقتصر على رفع كلفة المواجهة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو دول المنطقة، بل يمتد سريعاً إلى أسواق الطاقة والتأمين والنقل وسلاسل الإمداد العالمية. وفي الوقت نفسه، تستطيع إيران من خلال إدارة مدروسة ومتدرجة لهذه القدرة أن تحقق ثلاثة مكاسب مترابطة: تعزيز قيمتها الاقتصادية والاستراتيجية، وترسيخ الاعتراف العملي بأنها طرف أساسي في أمن المضيق، ورفع قدرتها التفاوضية في أي ترتيبات سياسية لاحقة. فكلما أصبح المرور الآمن والمستقر مرتبطاً بالتفاهم مع طهران واحترام مصالحها الأمنية، تحوّل موقع إيران الجغرافي من مجرد ميزة طبيعية إلى مصدر نفوذ سياسي مستدام لا يمكن تجاوزه في معادلات الإقليم.

ولكن هنا أيضاً توجد حدود ينبغي الاعتراف بها. فالسعودية والإمارات طورتا مسارات جزئية بديلة، والدول المستهلكة الكبرى ستواصل البحث عن وسائل لتقليل تعرضها للصدمات. لهذا فإن الاستخدام الذكي لهرمز ليس في إغلاقه باستمرار، وإنما في الإبقاء عليه الطريق الأكثر كفاءة اقتصادياً، مع الاحتفاظ بالقدرة على تغيير شروط العمل فيه عند تهديد المصالح الحيوية لإيران.

ويمكن تسمية ذلك بـ: "الردع القابل للمعايرة" : قوة حقيقية ومثبتة، لكنها لا تُستخدم بأقصى درجاتها في كل لحظة.

خامساً: الدرس الأمريكي.. القوة التي تدمر ليست دائماً القوة التي تنتصر

هنا تبرز أهمية مقولة جون ميرشايمر. فالمشكلة التي واجهتها الولايات المتحدة ليست افتقارها إلى القوة النارية. الولايات المتحدة تملك إمكانات ضخمة تستطيع بها تدمير أهداف إيرانية. لكن في الفكر الواقعي، الحرب لا تُقاس بعدد الأهداف التي دُمرت، بل بالسؤال النهائي: هل استطعت أن تجعل الخصم يقبل إرادتك السياسية؟

حتى الآن، فشلت واشنطن في تحقيق ذلك. فهي لم تستطع إجبار إيران على قبول شروطها، كما لم تستطع فرض نموذجها لإدارة هرمز، وأصبحت طهران أكثر إدراكاً لقيمة موقعها وبالتالي أكثر ميلاً إلى التشدد في أي مفاوضات لاحقة.

وهذه المعضلة يمكن تفسيرها بمفهوم «فخ التصعيد». إذا صعّدت الولايات المتحدة، يمكن لإيران الرد بالصواريخ والطائرات المسيّرة وبأدوات بحرية وإقليمية واقتصادية. ورد إيران يولد بدوره ضغوطاً أمريكية جديدة. وهكذا يمكن للطرفين الدخول في دورة تزداد فيها التكاليف، بينما لا يستطيع أي منهما إنتاج تسوية نهائية بالقوة.

بعبارة أخرى: التفوق العسكري شيء، والقدرة على تحويله إلى انتصار سياسي شيء آخر.

ومن منظور الأمن القومي الإيراني، هذه الخلاصة بالغة الأهمية؛ لأنها تعني أن الردع الناجح ليس بالضرورة أن تكون إيران أقوى من الولايات المتحدة، بل أن تكون قادرة على جعل كلفة تحقيق الأهداف الأمريكية أعلى من الفائدة المتوقعة منها.

سادساً: الحرب غيّرت أيضاً حسابات دول المنطقة

من أهم النتائج الاستراتيجية للحرب أنها هزت بعض الافتراضات القديمة المتعلقة بالأمن الإقليمي. فقد قامت معادلة طويلة في الخليج الفارسي على وجود عسكري أمريكي واسع يوفر للدول الحليفة مظلة ردع، بينما بقيت إيران خارج الجزء الأكبر من البنية الأمنية الرسمية.

لكن الأزمة أظهرت أن القواعد العسكرية الأجنبية ليست ضمانة مطلقة لمنع الحرب، بل يمكن في ظروف معينة أن تتحول هي نفسها إلى أهداف ومصادر للمخاطر بالنسبة إلى الدول المضيفة.

وهذا لا يعني أن هذه الدول ستتخلى عن علاقاتها مع الولايات المتحدة. هذا غير واقعي. لكن المرجح أن تتسع سياسة تنويع الشراكات الأمنية والسياسية: واشنطن ستبقى شريكاً مهماً، مع تعميق العلاقات مع الصين وقوى آسيوية أخرى، وفي الوقت نفسه تطوير آليات إدارة التوتر مع إيران و ترتيبات جديدة في العلاقة معها. وهذا ما يحتاج إيضاحه إلى مقال منفصل في وقت آخر.

وهنا يستطيع هرمز أن يتحول من ساحة للصراع إلى مدخل لحوار حول الأمن الجماعي للخليج الفارسي.

جوهر الفكرة ليس أن تحل الهيمنة الإيرانية محل الهيمنة الأمريكية، وإنما أن تترسخ قاعدة أكثر واقعية: لا يمكن إنشاء أمن دائم لدولة من خلال إنتاج تهديد دائم لدولة مجاورة.

وهذا ما يجعل عُمان مهمة للغاية. فإذا نجحت طهران ومسقط في صياغة نظام عملي للملاحة يحافظ على الاستقرار ويأخذ الأمن الإيراني في الاعتبار، يمكن أن يتحول النموذج إلى دليل على إمكانية إنتاج الأمن من داخل المنطقة بدلاً من الاعتماد الكامل على القوة الخارجية.

لكن على إيران هنا مسؤولية أيضاً. فكلما ازدادت قوتها، ازداد احتمال أن يشعر جيرانها بالخوف منها .  وهذا ما يسمى في العلاقات الدولية " المعضلة الأمنية" أو" Security Dilemma". ولذلك فإن تحويل مكاسب الحرب إلى نفوذ طويل الأجل يتطلب طمأنة موازية للردع. ولعل التعبير الأنسب و الحل الوسطي هو "الشراكة في المصالح، لا الشراكة في السيادة".

سابعاً: هرمز وإيران في النظام الدولي المتحول

الأبعاد الدولية لهرمز ربما تكون أكبر من أبعاده الإقليمية. الأزمة وقعت في مرحلة تعاني فيها الولايات المتحدة من الحاجة إلى إدارة تنافس استراتيجي في أكثر من مسرح: أوروبا، شرق آسيا، والشرق الأوسط. وكل أزمة طويلة تستهلك جزءاً من القدرات العسكرية والذخائر والمال والانتباه السياسي.

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة فقدت موقعها كأقوى دولة في النظام الدولي، ولا أن هرمز وحده قادر على إنهاء النظام الأحادي. لكن الأزمات من هذا النوع يمكن أن تكشف الفجوة بين حجم الالتزامات الأمريكية وحجم الموارد التي تستطيع واشنطن تخصيصها لكل مسرح في الوقت نفسه.

ومن هنا تظهر الفرصة الاستراتيجية للصين وروسيا. فكلما انشغلت الولايات المتحدة بحرب مكلفة في غرب آسيا، حصل خصومها الكبار على هامش أوسع للمناورة في مناطق أخرى. لا يحتاج الأمر إلى وجود تحالف عسكري مباشر بين إيران وهذه القوى؛ يكفي أن يؤدي استنزاف الموارد الأمريكية في مسرح إلى تعديل ميزان الفرص في مسارح أخرى.

والصين هي المثال الأكثر تعقيداً. فهي لا تريد اضطراب هرمز لأنها مستهلك رئيسي للطاقة، لكنها في الوقت نفسه لا ترى مصلحة استراتيجية في احتكار الولايات المتحدة للنظام الأمني الخليجي. ولذلك فإن ترتيبات تقلل من احتمالات الحرب، وتزيد دور الدول الإقليمية، وتحد من احتكار واشنطن لوظيفة «الضامن»، يمكن أن تنسجم بصورة أكبر مع اتجاهات النظام الدولي المتعدد الأقطاب.

وهنا تصبح أزمة هرمز ليست سبباً في انهيار الأحادية القطبية، بل أحد المؤشرات التي تكشف حدودها وتسرّع إعادة توزيع النفوذ الدولي.

ثامناً: إيران نفسها تغيرت.. من الدفاع عن البقاء إلى المطالبة بالدور

ثمة تغير آخر لا يقل أهمية يتعلق بالتصور الإيراني لذاته. الحروب الأخيرة أنتجت خسائر بشرية واقتصادية وعسكرية، لكنها أنتجت أيضاً شعوراً بأن إيران استطاعت البقاء تحت مستوى غير مسبوق من الضغط، وإعادة بناء جزء من قدراتها، والاستمرار في القتال ومنع أكبر قوة عسكرية وسياسية واقتصادية في العالم من تحقيق هدف سياسي حاسم.

وهذا يرفع سقف التوقعات داخل الدولة والمجتمع والنخب.

فالدولة التي كانت أولويتها منع الحرب ورفع العقوبات قد تبدأ، بعد اختبار قدرتها على الصمود، بالتفكير بمنطق مختلف: إذا كنا طرفاً لا يستطيع خصومنا تجاوزه عسكرياً، فلماذا نقبل بأن تُصاغ ترتيبات الأمن الإقليمي والسياسة الدولية من دوننا؟

من هنا يصبح هرمز رمزاً لتحول أكبر في الوعي الاستراتيجي الإيراني: الانتقال من الدفاع عن الموقع إلى السعي لتحويله إلى دور.

لكن الاختبار الأصعب سيبدأ هنا أيضاً. فالقوة العسكرية والجغرافية يمكن أن تنتج فرصة، لكنها لا تحول نفسها تلقائياً إلى مكانة دولية. المكانة تحتاج إلى اقتصاد قوي، ودبلوماسية مرنة، وعلاقات إقليمية مستقرة، وقدرة على خلق مصالح مشتركة. ولهذا يشدد بعض الشخصيات الإيرانية على أن القوة العسكرية نفسها لا يمكن أن تستمر من دون قاعدة اقتصادية قادرة على إعادة البناء، وأن النجاح الحقيقي يجب أن يكون في تحويل مكاسب الحرب إلى تنمية ونفوذ سياسي، لا إلى حالة حرب دائمة.

تاسعاً: ماذا لو اندلعت حرب مفتوحة؟

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تستطيع إيران تنفيذ تهديداتها واستهداف بنك واسع من الأهداف الأمريكية والإسرائيلية إذا تحولت الأزمة إلى حرب مفتوحة؟

الإجابة العلمية تحتاج إلى تجنب طرفين: التقليل من القدرات الإيرانية، أو المبالغة فيها.

إيران لا تمتلك تفوقاً عسكرياً شاملاً على الولايات المتحدة، ولا تستطيع ضمان إصابة كل هدف أو تعطيل كل قاعدة. لكن هذا ليس شرطاً لنجاح استراتيجيتها.

ما تملكه إيران هو منظومة متراكبة من وسائل فرض الكلفة: صواريخ بعيدة ومتوسطة المدى، طائرات مسيّرة، قدرات بحرية، جغرافيا شديدة التعقيد حول هرمز، شبكة واسعة من الأهداف العسكرية واللوجستية الأمريكية في المنطقة، وإمكانية اتساع الحرب إلى جبهات أخرى. كما تكشف الخبرة الأخيرة، وفق بعض التصريحات الإيرانية، عن تعلم تنظيمي مهم يتعلق بتوزيع القيادة واستمرار القدرة على الرد حتى بعد تعرض مستويات عليا من منظومة القيادة للضرب.

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل تفوقاً مهماً في الاستخبارات والقوة الجوية والتكنولوجيا والقدرة على إلحاق أضرار بالبنية التحتية الإيرانية. كما ستواجه إيران تكاليف اقتصادية وإعادة إعمار وضغوطاً على المخزونات العسكرية ومخاطر التوسع المفرط للحرب.

لذلك لن تكون نتيجة حرب كهذه "انتصاراً سهلاً" لأي طرف. السؤال الحقيقي سيكون عن الاستدامة: من يستطيع الاستمرار؟ من يتحمل الكلفة؟ ومن يستطيع المحافظة على إرادته السياسية؟

وهنا يمكن صياغة جوهر الردع الإيراني بدقة:

إيران لا تحتاج إلى أن تكون أقوى من الولايات المتحدة؛ تحتاج إلى أن تجعل انتصاراً أمريكياً حاسماً وسريعاً ورخيصاً أمراً غير ممكن.

والنقطة في غاية الأهمية هنا هي أن الفارق الجوهري بين الطرفين لا يتعلق بحجم القوة العسكرية فقط، بل بطبيعة الرهان وإرادة القتال؛ فإيران تنظر إلى المواجهة باعتبارها دفاعاً عن سيادتها وكيانها وأمنها الوطني، ولذلك ترى أن المقاومة ليست خياراً سياسياً قابلاً للاستبدال بغيره بقدر ما هي ضرورة وجودية، بينما تخوض الولايات المتحدة الحرب بعيداً عن أراضيها لتحقيق أهداف جيوسياسية أوسع، تتداخل فيها حسابات النفوذ الإقليمي، والتحالف مع إسرائيل وضغوط حكومة نتنياهو، ومصالح الطاقة، والثقة المفرطة بقدرة التفوق العسكري على فرض النتائج السياسية. وهذا الاختلاف يخلق عدم تماثل في الرهان والإرادة؛ فإيران، لأنها ترى القضية مرتبطة ببقائها، يمكن أن تكون أكثر استعداداً لتحمل كلفة طويلة، في حين تواجه واشنطن قيوداً متزايدة من الرأي العام والمعارضة السياسية والكلفة الاقتصادية، فضلاً عن غياب تأييد دولي واسع لحرب مفتوحة وطويلة. ومن هنا فإن ميزان الحرب لا يُقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ، بل أيضاً بمن يستطيع الاستمرار وتحمل الكلفة والمحافظة على إرادته السياسية؛ ولذلك لا تحتاج إيران إلى أن تكون أقوى عسكرياً من الولايات المتحدة، بل إلى أن تجعل تحقيق نصر أمريكي حاسم وسريع ومنخفض الكلفة أمراً غير ممكن.

عاشراً: المفاوضات المقبلة.. ما بين الردع والتسوية

في ضوء كل ذلك، فإن السيناريو الأكثر واقعية لا يبدو حرباً شاملة مستمرة ولا اتفاق سلام كبيراً وفورياً. الأكثر احتمالاً هو مرحلة ممتدة من الردع المتبادل، والتفاوض المتقطع، والاختبار المتبادل للالتزامات.

نجاح التفاهم الإيراني-العُماني يمكن أن يشكل خطوة أولى. فإذا تبعته إجراءات أمريكية لخفض التصعيد وتنفيذ الالتزامات التي تطالب بها طهران، يمكن الانتقال تدريجياً إلى تسوية أوسع. أما إذا حاولت واشنطن مرة أخرى تغيير ترتيبات هرمز بالقوة أو واصلت الهجمات والحصار، فسوف ترى إيران في ذلك دليلاً على أن العودة إلى نموذج ما قبل الحرب تعني إعادة إنتاج التهديد نفسه.

وفي كل الأحوال، من المستبعد أن تدخل إيران أي مفاوضات جديدة بالعقلية نفسها التي كانت لديها قبل الحرب. فطهران ترى أنها دفعت ثمناً كبيراً، لكنها اكتشفت في الوقت نفسه مصادر قوة لم تكن قد اختبرتها بهذا الشكل من قبل. ولذلك ستكون أكثر إصراراً على تحويل نتائج الميدان إلى ترتيبات سياسية.

الخلاصة: الصراع على قواعد ما بعد الحرب

مضيق هرمز ليس ملكاً حصرياً لإيران، ولا تستطيع دولة واحدة أن تعيد تشكيل القانون الدولي للملاحة وفق إرادتها. لكن الحقيقة المقابلة لا تقل أهمية: لا يمكن بناء نظام مستقر في هرمز بتجاهل إيران أو بمحاولة إدارة الممر ضد مصالحها الأمنية.

وهذه ربما أهم نتيجة أفرزتها الحرب.

فالمعركة لم تعد حول ما إذا كانت سفينة ستعبر اليوم أو غداً، وإنما حول القواعد التي ستجعل عبورها ممكناً ومستداماً بعد الحرب، ومن سيشارك في صياغة تلك القواعد.

إذا أحسنت طهران إدارة هذه اللحظة، فإن هرمز يمكن أن يتحول من ورقة ضغط عسكرية إلى أصل استراتيجي متعدد الأبعاد: ردع عسكري، وردع اقتصادي، وقوة تفاوضية، ورافعة دبلوماسية، ومدخل إلى نظام أمني إقليمي أكثر توازناً.

وعندها سيكون التحول الحقيقي في السياسة الإيرانية قد اكتمل من السعي إلى حماية إيران داخل حدودها، إلى السعي للمشاركة في هندسة البيئة الأمنية التي تحيط بها؛ ومن إدارة التهديد، إلى محاولة تغيير القواعد التي تسمح بإعادة إنتاجه.


بقلم/ د. رحيم كثير

تعليقات