الساحل الشمالي.. حين يصبح المكان جزءًا من هوية الإنسان

 

ندى الطوانسي 

كتبت .. ندى الطوانسي 

متى لم يعد المصيف مجرد مكان نذهب إليه لنستمتع مع عائلتنا، ونهرب من ضغوط الحياة، ونصنع ذكريات نحتفظ بها لسنوات، وأصبح مكانًا نذهب إليه لنُثبت شيئًا عن أنفسنا؟


ربما لم يتغير الساحل الشمالي وحده، بل تغيرنا نحن أيضًا.


تغيرت نظرتنا إلى المصيف، وتغيرت الطريقة التي نقيس بها متعته، حتى أصبح المكان أحيانًا أهم من الرحلة نفسها، وأصبحت الإجازة تحمل معها أسئلة لم تكن موجودة من قبل: أين ذهبت؟ كم دفعت؟ وهل المكان الذي اخترته يقول عني ما أريد أن أقوله؟


لم يعد سؤال «هتصيف فين؟» سؤالًا عابرًا. فأحيانًا يكفي اسم المكان وحده ليقول للآخرين من أنت، أو على الأقل من تريد أن تبدو.


فالمصيف الذي كان يومًا عنوانًا للانبساط، أصبح اليوم عند البعض عنوانًا للانبهار، ومساحة لعرض الحياة نفسها: مستوى المعيشة، القدرة على الإنفاق، دائرة العلاقات، وحتى المكانة الاجتماعية.


ماذا حدث للمصيف الذي نعرفه؟ أتذكر مصايف كانت أبسط بكثير.


لم تكن قيمة الإجازة مرتبطة باسم القرية، ولا بسعر اليوم، ولا بشكل المكان أمام الآخرين. كان البحر هو البطل، وكانت الأسرة هي الحكاية، وكان الأطفال يصنعون متعتهم بأشياء بسيطة؛ يبنون قلاعًا وبيوتًا صغيرة من الرمال ويصنعون بأيديهم أحلامًا، ثم يتركونها خلفهم ويعودون إلى البيت ونحن نحمل ذكريات لا تحتاج إلى صورة على مواقع التواصل كي تثبت أنها كانت جميلة.


اليوم تغيرت الصورة.


لم يعد المصيف مجرد شاطئ نقضي فيه عدة أيام، وإنما أصبح تجربة كاملة لها نمطها الخاص: مطاعم، وحفلات، وعلامات تجارية، ومحتوى على السوشيال ميديا.


والتطور في حد ذاته ليس مشكلة، فكل مجتمع يتغير وتتغير معه أماكنه.


لكن السؤال هو: ماذا حدث لمعنى المصيف نفسه؟


كيف انتقلنا من «عايزين نروح البحر لننبسط» إلى «عايزين نروح المكان الفلاني» لأن المكان نفسه أصبح جزءًا من الصورة التي نريد أن نظهر بها؟


وهنا تحديدًا يتحول المصيف من مساحة للراحة إلى مساحة لإثبات الذات.


والأسعار.. لماذا أصبحت جزءًا من الحكاية؟


لا يمكن الحديث عن الساحل اليوم دون التوقف أمام الأسعار.


ففي بعض الأماكن، أصبحت تكلفة الطعام والمشروبات والخدمات مرتفعة بصورة تجعل أسعارها تبدو منفصلة تمامًا عما اعتدنا عليه، وقد يصل سعر بعض الأشياء إلى أضعاف المعتاد.


وهنا يوجد سؤال اجتماعي يتجاوز الحسابات الاقتصادية:


هل ندفع فقط مقابل ما نحصل عليه، أم أننا ندفع أيضًا مقابل أن نكون «هنا»؟


ففي بعض الحالات، لا يعود السعر مجرد تكلفة، وإنما يصبح جزءًا من التجربة، وربما جزءًا من المكانة.

وهذه ليست مسألة مال فقط، وإنما مسألة هوية وانتماء ومقارنة اجتماعية.


ثم جاءت السوشيال ميديا لتغير قواعد اللعبة بالكامل…


في الماضي، كانت الإجازة تنتهي عندما نعود إلى البيت.


أما اليوم، فقد تستمر الإجازة أسابيع على شاشات الآخرين.


صورة الشاليه، والسيارة، والمطعم، والملابس، والحفلة، والبحر، كلها تتحول إلى رسائل عامة.


من حقنا أن نوثق أبناءنا، ونحتفظ بضحكاتهم، ونصور الأماكن التي أحببناها.


لكن المشكلة تبدأ عندما لا نعود نعيش اللحظة إلا بعد أن نفكر كيف ستبدو أمام الآخرين.


نصور البحر لنلتقط أجمل صوره، بدلًا من أن نستمتع بالنظر إليه والجلوس أمامه.


أصبحنا نوثق اللحظات، ولكن نسينا أن نعيشها.


ونبدأ أحيانًا في تقييم اليوم من خلال ما سيحصل عليه من إعجابات.

نكون حاضرين في المكان، لكن جزءًا منا يعيش في عيون الآخرين.


فماذا  نعلم أبنائنا ؟


ربما هنا تصبح المسألة أكثر أهمية.


فالطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له وإنما مما يراه أمامه.


إذا كان الحديث طوال الوقت عن «فين رحنا؟» و«مين كان هناك؟» و«إيه أغلى؟»، فمن الطبيعي أن يبدأ الطفل في بناء تصور عن قيمة الإنسان.


هذا أفضل لأنه ذهب إلى هنا.

وهذا أقل لأنه ذهب إلى هناك.

هذا يملك أكثر.

وهذا لا يستطيع.


وهكذا تتحول المقارنة من سلوك بين الكبار إلى درس يتعلمه الأطفال دون أن ندرّسه لهم.


وقد يصل الأمر إلى أن يشعر طفل بالخجل من المكان الذي قضى فيه إجازته، فقط لأنه لا يشبه الأماكن التي يتحدث عنها أصدقاؤه.


وهنا السؤال الذي يجب أن نتوقف أمامه:


هل نربي أبناءنا على أن يكونوا أفضل، أم على أن يبدوا أفضل؟


لماذا لم يعد المصيف مثل زمان؟


ربما لأن المجتمع نفسه لم يعد كما كان.


تغيرت أنماط الاستهلاك، واتسعت الفوارق، وأصبحت الصورة جزءًا أساسيًا من حياتنا، وتحول الهاتف إلى نافذة مفتوحة نرى من خلالها حياة الآخرين طوال الوقت.


قديمًا، كان الإنسان يقارن نفسه بدائرة محدودة من الناس يعرفهم. اليوم يستطيع أن يقارن نفسه بآلاف الأشخاص في دقائق.


يرى أجمل بيت، وأغلى سيارة، وأفضل مطعم، وأفخم إجازة، ثم ينظر إلى حياته.


وهكذا أصبحت المقارنة أكثر قسوة، والرغبة في الانتماء أكثر ضغطًا.

لذلك ربما لم يتغير المصيف وحده.


نحن الذين تغيرنا، ثم أخذنا هذا التغير معنا إلى المصيف.


وفي النهاية…


ليس كل من يذهب إلى الساحل يبحث عن الاستعراض، وليس كل شخص ينفق كثيرًا يريد أن يثبت شيئًا لأحد.

هناك من يحب المكان، وهناك من يستطيع تحمل تكلفته، وهناك من يرى أن هذه طريقته في الاستمتاع، وهذا حقه.


المشكلة ليست في الغنى، ولا في الرفاهية، ولا في أن ينفق الإنسان من ماله كما يريد.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الرفاهية من شيء نمتلكه ونستمتع به إلى شيء نحتاج إلى إثباته للآخرين.


وعندما يصبح المكان الذي ذهبنا إليه أهم من التجربة التي عشناها فيه.


الساحل في النهاية ليس هو المتهم.


هو مجرد مرآة أظهرت تحولات أكبر في المجتمع: علاقتنا الجديدة بالمال، والصورة، والاستهلاك، والمكانة، والانتماء.


ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا أصبح الساحل مختلفًا؟


وإنما:


ماذا حدث لمفهومنا عن السعادة؟

متى أصبح المكان جزءًا من هويتنا؟

متى أصبحت الفاتورة جزءًا من قيمة اليوم؟

ومتى أصبحنا نحتاج إلى جمهور لكي نشعر أن لحظتنا الجميلة تستحق؟


ربما لا نحتاج إلى رفض الرفاهية، ولا إلى العودة للماضي وكأنه كان مثاليًا.


نحتاج فقط إلى ألا نجعلها معيارًا لقيمة الإنسان.


وأن نعلّم أبناءنا أن صديقهم لا يصبح أفضل لأنه قضى إجازته في مكان أغلى، وأن الإنسان لا يصبح أقل لأنه قضى صيفه في مكان أبسط.


فالبحر لا يعرف أسعار الشاليهات.

ولا يسأل من أين جئت.

ولا يهتم كم دفعت.


ولكن ربما نحتاج أن نترك الهاتف قليلًا، وأن ننظر حولنا، أن نستمتع، لا أن نستعرض ونعيش اللحظة كما هي.


لأننا في النهاية لا نذهب إلى المصيف لكي نثبت أننا نعيش.


نحن نذهب لكي نعيش.

تعليقات