بقلم د. ندى الطوانسي
منذ سنوات، ظهر العداد الكودي كحل لمشكلة لم تكن بسيطة، فهناك مبانٍ لا يمكن تركيب عدادات قانونية لها، وتوصيلات غير رسمية، وسرقة للتيار أصبحت تمثل عبئًا حقيقيًا على الدولة. لذلك، لم تكن فكرة العداد الكودي سيئة في حد ذاتها، بل كانت محاولة لتنظيم الاستهلاك وضمان حصول الدولة على قيمة الكهرباء التي يستهلكها المواطن.
وبالنسبة لأصحاب هذه العدادات، أصبح الشحن أمرًا معتادًا: يشحن المواطن رصيدًا، ثم يستهلك الكهرباء وفق الرصيد المتاح لديه.
ولسنوات، كانت المحاسبة تعتمد على نظام الشرائح القائم على التدرج، فمن يستهلك كمية محدودة من الكهرباء يُحاسب وفق شريحة أقل سعرًا، وكلما زاد استهلاكه انتقل تدريجيًا إلى شريحة أعلى. وبذلك كان المواطن يعرف أن تكلفة الكهرباء ترتبط بحجم استهلاكه، وأن الانتقال إلى شريحة أعلى يحدث مع زيادة الكمية المستهلكة، وليس من البداية بالسعر الأعلى.
لكن شيئًا ما تغير في أبريل 2026.
ومنذ ذلك الوقت بدأت الحكاية تأخذ شكلًا مختلفًا؛ مع تطبيق نظام جديد للمحاسبة، تغيرت طريقة احتساب استهلاك العدادات الكودية الخاضعة له، فأصبح استهلاكها يُحاسب وفق سعر موحد للكيلووات يبلغ 2.74 جنيه، بدلًا من نظام الشرائح المتدرجة
عندها بدأ السؤال
لماذا أدفع سعرًا موحدًا للكيلووات، سواء كان استهلاكي قليلًا أو مرتفعًا؟
وبذلك يشعر المواطن بأن من يستهلك كمية قليلة ومن يستهلك كمية كبيرة أصبحا يخضعان تقريبًا لآلية حساب واحدة، وهو ما يراه البعض غير عادل، خصوصًا بالنسبة لمحدودي الاستهلاك.
لم يعد السؤال إذن: كم يبلغ سعر الكيلووات؟
بل أصبح السؤال الأهم: لماذا لا يختلف الحساب بين من يستهلك قليلًا ومن يستهلك كثيرًا؟
قد تكون هناك أسباب اقتصادية وراء هذا التغيير، وقد تكون لدى الدولة مبرراتها في توحيد طريقة المحاسبة لهذه الفئة، لكن الصورة من وجهة نظر المواطن تبدو مختلفة، فهو لا يرى مجرد رقم جديد، بل يواجه طريقة حساب جديدة لا تبدو له واضحة بما يكفي، ولا تشرح الفارق بين محدود الاستهلاك ومرتفع الاستهلاك.
ومن هنا بدأ الشعور بالارتباك، خاصة لدى من كان استهلاكه محدودًا ويعتمد على الشرائح الأقل سعرًا.
لكن المشكلة لم تتوقف عند تغيير نظام المحاسبة، بل ظهرت أمام المواطن علامة استفهام أخرى لا تقل أهمية:
لماذا تظهر عليَّ مديونية رغم أن لديَّ رصيدًا لم ينتهِ بعد؟
فقد بدأ بعض أصحاب العدادات الكودية يلاحظون، عند الشحن، ظهور مبالغ تحت مسميات مثل«مديونية» أو «مبالغ مستحقة». وهنا تحولت عملية كانت في السابق بسيطة ومباشرة إلى مسألة حسابية تحتاج إلى تفسير.
المواطن لا يسأل فقط عن قيمة المديونية، بل يريد أن يعرف مصدرها:
هل هي مقابل استهلاك سابق؟
هل هي تسوية؟
هل هي أقساط؟
عن أي فترة حُسبت؟
ولماذا تظهر عند الشحن رغم أن الرصيد لم ينتهِ؟
هنا تحديدًا تكمن المشكلة، فالمواطن لا يرى أمامه سوى رقم يُخصم من أمواله، دون أن تكون تفاصيل هذا الرقم واضحة له بالقدر الكافي. ومن حقه أن يعرف: من أين جاءت هذه المديونية؟ وكيف حُسبت؟ فالشفافية لا تعني فقط أن يكون الخصم صحيحًا، بل أن يعرف المواطن سبب الخصم وكيف تم احتسابه.
وهنا نصل إلى جوهر المشكلة.
المواطن لا يريد كهرباء مجانية، ولا يرفض دفع قيمة استهلاكه، لكنه يريد أن يفهم ما الذي يدفعه.
كل هذه الأسئلة تضعنا أمام منظومة تحتاج، قبل أي شيء، إلى الوضوح.
فالعداد الكودي كان في الأساس فكرة هدفها تنظيم الاستهلاك، ومواجهة سرقة التيار، وحماية حق الدولة في الحصول على قيمة الكهرباء المستهلكة. وهذه أهداف لا يختلف عليها أحد.
لكن تنظيم الاستهلاك يجب أن يصاحبه تنظيم في المعلومات أيضًا.
فعندما يشحن المواطن مبلغًا، من حقه أن يعرف قيمة الرصيد الذي أصبح لديه، وكم استهلك، وكم تم خصمه، وسبب الخصم. وإذا كانت هناك مديونية، فمن حقه أن يعرف مصدرها وكيف تم حسابها.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث في أي علاقة مالية ليس أن يدفع الإنسان، بل أن يدفع دون أن يفهم لماذا دفع.
وربما حان الوقت لأن يصبح العداد الكودي أكثر من مجرد جهاز يقيس الاستهلاك ويخصم الأموال؛ أن يكون جزءًا من منظومة واضحة يستطيع المواطن فهمها، دون أن يضطر إلى البحث بين التصريحات والشكاوى ومواقع التواصل الاجتماعي ليعرف أين ذهب رصيده.
فإذا كان من حق الدولة أن تعرف كل كيلووات استهلكه المواطن، أليس من حق المواطن أيضًا أن يعرف أين ذهب كل جنيه دفعه؟

تعليقات
إرسال تعليق