كتبت .. سها البغدادي
من بعثرة القمامة إلى سرقة مواتير المياه وكابلات الكهرباء.. خطر يتسلل إلى العقارات ويهدد أمن المواطنين
لم تعد ظاهرة النباشين مجرد مشهد عشوائي يثير استياء المواطنين بسبب بعثرة القمامة وتشويه المظهر الحضاري للشوارع، وإنما باتت بعض ممارساتها تثير مخاوف تتعلق بأمن العقارات وسلامة المواطنين وحماية المرافق العامة والخاصة.
ففي الوقت الذي تتحرك فيه الدولة لتطوير منظومة إدارة المخلفات وتنظيم عمليات الجمع والنقل والفرز وإعادة التدوير، لا تزال بعض صور النشاط العشوائي تمثل تحديًا حقيقيًا أمام أجهزة المحليات والنظافة، خاصة عندما يتجاوز الأمر البحث عن المواد القابلة لإعادة التدوير إلى التعدي على الممتلكات أو العبث بالمرافق.
قمامة تتناثر.. وعمال النظافة يدفعون الثمن
المشهد يتكرر في العديد من المناطق: شخص يفتح أكياس القمامة بحثًا عن البلاستيك أو المعادن أو غيرها من المواد التي يمكن بيعها، ثم يترك المخلفات التي لا يحتاج إليها متناثرة حول الصندوق.
وبدلًا من أن تكون نقطة تجميع القمامة محطة مؤقتة تمهيدًا لنقلها، تتحول إلى بؤرة للمخلفات المتناثرة والروائح والحشرات، بينما يجد عمال النظافة أنفسهم أمام مهمة إضافية لإعادة جمع ما تم بعثرته.
وهنا لا تتعلق القضية بالمظهر العام فقط، وإنما بكفاءة منظومة النظافة نفسها، خصوصًا أن التشريعات المصرية وضعت ضوابط لعمليات جمع وفرز وتداول المخلفات، وحظرت التعامل معها في غير الأماكن المخصصة لذلك.
متى يتحول النباش من جامع مخلفات إلى خطر أمني؟
الخط الفاصل واضح.
جمع المواد القابلة لإعادة التدوير ليس في حد ذاته جريمة، وهناك قطاع كبير من العاملين في هذا المجال يعتمد عليه كمصدر رزق.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النشاط العشوائي إلى غطاء يسمح بالتجول داخل العقارات أو الاقتراب من غرف المرافق أو الاستيلاء على ممتلكات الغير.
وهنا تظهر شكاوى المواطنين بشأن سرقة أشياء يتركونها في مداخل أو سلالم العقارات، وصولًا إلى وقائع سرقة مواتير المياه وبعض مكونات شبكات الكهرباء.
وقد أعلنت الأجهزة الأمنية خلال عام 2026 عن ضبط متهمين في وقائع سرقة مواتير مياه من داخل العقارات، كما أعلنت في وقائع أخرى ضبط متهمين بالشروع في سرقة كابلات كهربائية.
هذه الوقائع لا تعني بأي حال من الأحوال أن كل من يعمل في جمع المخلفات يرتكب جرائم، لكنها تكشف عن ضرورة الفصل بوضوح بين العامل الذي يبحث عن رزقه بصورة مشروعة، وبين من يستغل هذا النشاط لارتكاب جرائم سرقة أو التعدي على ممتلكات المواطنين.
موتور المياه.. جريمة تعني تعطيل حياة أسرة كاملة
سرقة موتور المياه ليست مجرد سرقة قطعة من المعدات.
بالنسبة إلى سكان العقار، قد تعني الجريمة توقف المياه أو ضعفها، والاضطرار إلى شراء موتور جديد وتحمل تكلفة الإصلاح.
والأخطر أن بعض جرائم السرقة تتم من داخل أماكن يفترض أنها مؤمنة، وهو ما يطرح تساؤلًا حول كيفية دخول الغرباء إلى العقارات، ومن المسؤول عن تأمين المداخل والأجزاء المشتركة.
فالمواطن الذي يكتشف اختفاء موتور المياه من العقار لا يواجه خسارة مالية فقط، وإنما يواجه أيضًا تعطيلًا لخدمة أساسية داخل منزله.
كابلات الكهرباء.. هنا الخطر يتجاوز السرقة
إذا كانت سرقة بعض الممتلكات الخاصة تمثل خسارة مالية، فإن العبث بمكونات الشبكات الكهربائية يمثل خطرًا أكبر.
سرقة الكابلات أو العبث بالمكونات الكهربائية قد يؤدي إلى انقطاع التيار، فضلًا عن المخاطر التي يمكن أن تنتج عن التعامل غير الآمن مع التوصيلات الكهربائية.
وفي أغسطس 2026، أعلنت وزارة الداخلية ضبط متهمين شرعا في سرقة كابل كهرباء أرضي بمحافظة القليوبية، عقب تداول مقطع فيديو للواقعة.
وهذه الوقائع تؤكد أن سرقة الكابلات ليست مجرد تعدٍ على ممتلكات الدولة، وإنما جريمة قد تمتد آثارها إلى الخدمة المقدمة للمواطن وسلامته.
غرف الكهرباء ليست مكانًا لتخزين القمامة
من أخطر الصور التي تستوجب التدخل الفوري استخدام غرف المرافق أو المناطق المحيطة بها في إلقاء أو تخزين المخلفات.
وجود مواد قابلة للاشتعال بالقرب من مكونات كهربائية يمثل عامل خطورة، خصوصًا إذا وقع عطل أو شرر كهربائي.
وفي هذه الحالة يمكن لمشكلة صغيرة أن تتحول إلى حريق ينتشر بسرعة بسبب تراكم مواد قابلة للاشتعال.
لذلك فإن حماية غرف الكهرباء والمرافق لا يجب أن تكون مسؤولية شركات الكهرباء أو المحليات وحدها، وإنما مسؤولية تبدأ أيضًا من منع استخدام هذه الأماكن كمخازن عشوائية للمخلفات.
هل كل النباشين لصوص ؟.. الإجابة لا
ليس كل من يجمع المخلفات لصًا، وليس كل عامل في جمع القمامة متعاطيًا للمخدرات أو متورطًا في جرائم.
الجريمة تُنسب إلى مرتكبها بعد ثبوتها، وليس إلى فئة اجتماعية بأكملها.
لكن في المقابل، فإن هذه الحقيقة لا تعني تجاهل أي نشاط إجرامي يحدث تحت ستار جمع المخلفات.
بل على العكس، فإن حماية العامل الشريف تتطلب أيضًا ضبط من يستغل المهنة كغطاء للجريمة.
الخطر الأكبر داخل العقارات
المشكلة الأمنية تصبح أكثر حساسية عندما يتمكن شخص مجهول من الدخول إلى عقار سكني والتنقل بين طوابقه دون أن يعرف السكان هويته أو سبب وجوده.
فالسلالم والمداخل والأدوار السكنية ليست أماكن عامة.
ومن حق السكان أن يشعروا بالأمان داخل منازلهم.
ولهذا فإن تأمين أبواب العقارات، وتركيب كاميرات المراقبة، وعدم السماح للغرباء بالتجول داخل المبنى، وإبلاغ الشرطة عن أي محاولة اقتحام أو سرقة، إجراءات ضرورية للحد من المخاطر.
الحل.. تنظيم لا مطاردة
مواجهة الظاهرة لا يجب أن تقوم على مطاردة كل شخص يحمل جوالًا أو عربة لجمع المخلفات.
الحل الأكثر فاعلية هو تنظيم القطاع وإدماج العاملين فيه داخل منظومة قانونية واضحة، مع تطبيق القانون بحسم على المخالفين.
وتحتاج المواجهة إلى:
- منع الفرز العشوائي للمخلفات في الشوارع.
- تنظيم تراخيص جمع ونقل وفرز المخلفات.
- مراقبة منافذ شراء الخردة والمعادن والكابلات.
- تشديد الرقابة على سرقة مكونات المرافق العامة.
- تأمين غرف الكهرباء والمياه.
- تركيب كاميرات مراقبة في مداخل العقارات والمناطق التي تتكرر بها الوقائع.
- سرعة التعامل مع بلاغات سرقة مواتير المياه والعدادات والكابلات.
- توعية المواطنين بعدم ترك الأحذية والسجاد والأدوات والأغراض الثمينة في الأماكن المشتركة دون تأمين.
- التعاون بين المحليات وشرطة المرافق وشركات المياه والكهرباء وأجهزة النظافة.
المواطن بين مطرقة الفوضى وسندان السرقة
المواطن لا يريد أكثر من شارع نظيف، ومياه تصل إلى منزله، وكهرباء لا تنقطع بسبب سرقة كابل، وعقار يستطيع دخوله دون أن يشعر بالخوف.
لكن استمرار الفوضى يسمح بتحول مشكلة صغيرة إلى سلسلة من المخاطر.
فالنبش العشوائي يؤدي إلى بعثرة المخلفات، وبعثرة المخلفات تضاعف أعباء النظافة، والتجول غير المنضبط داخل العقارات قد يفتح الباب أمام جرائم أخرى، والعبث بالمرافق يمكن أن يحول السرقة إلى خطر على حياة المواطنين.
رسالة إلى الأجهزة المعنية
لم يعد من المقبول التعامل مع ظاهرة النباشين باعتبارها مجرد مشكلة نظافة.
الملف أصبح يحتاج إلى رؤية أمنية وبيئية وخدمية متكاملة.
تنظيم العاملين في جمع المخلفات يحميهم ويحمي المجتمع، وملاحقة الخارجين على القانون تحمي المواطن، وتأمين المرافق يمنع خسائر أكبر، ومنع تخزين القمامة داخل غرف الخدمات قد يحول دون كارثة.
فالهدف ليس مطاردة الفقراء الذين يبحثون عن لقمة العيش، وإنما منع تحويل الفوضى إلى بوابة للجريمة.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
من يضع حدًا للفوضى قبل أن تتحول إلى كارثة؟
من يحمي العقارات من المتسللين؟
ومن يحمي مواتير المياه والعدادات؟
ومن يمنع العبث بكابلات الكهرباء؟
ومن يضمن ألا تتحول غرف المرافق إلى مخازن للقمامة؟
إنها ليست قضية «نباشين» فقط..
إنها قضية أمن مواطن.. وسلامة مرافق.. وحق في مدينة نظيفة وآمنة.

تعليقات
إرسال تعليق