![]() |
| حنظلة فى مرآة حسام بريشة أشرف كمال فكرة سها البغدادي |
كتبت سها البغدادي
حنظلة لا ينظر إلى العالم… لكنه يرى نفسه في قلب كل عربي.
في هذه اللوحة، لا يقف حنظلة كما عرفناه مجرد طفلٍ يدير ظهره للعالم، بل يظهر كأنه يحمل ذاكرة وطنٍ كامل، وذاكرة قضية لم تنحنِ أمام الزمن.
حنظلة هنا ليس طفل ناجي العلي فقط، بل يتحول إلى رمز لكل مقاوم عربي، ولكل إنسان ما زال يحمل فلسطين في قلبه، حتى وإن ابتعدت عنه المسافات.
يدير حنظلة ظهره للعالم، لكنه لا يدير ظهره لقضيته.
وفي مفارقة بصرية شديدة الذكاء، تنعكس أفكاره في المرآة أمامه، فتظهر صورة حسام حسن؛ وكأن ما يسكن قلب حنظلة لم يعد مجرد حلم، بل أصبح موقفًا حاضرًا داخل عالم آخر… عالم كرة القدم.
المرآة هنا ليست مجرد عنصر جمالي في اللوحة؛ إنها جسر بين قضيتين: قضية الوطن وقضية الإنسان، وبين المقاومة بالكلمة والموقف، والمقاومة من داخل الملعب.
يرتدي حنظلة قميص المنتخب المصري لكرة القدم، بينما يلتف حول عنقه الشال الفلسطيني، ويحمل على كتفه علم فلسطين.
وفي الوقت نفسه، تأتي وضعية اليدين مقيدة، في استدعاء بصري لإشارة حسام حسن التي أصبحت جزءًا من الذاكرة الكروية والرمزية المرتبطة بالموقف من القضية الفلسطينية.
وهنا تتجاوز اللوحة حدود الرياضة.
فحسام حسن لا يظهر باعتباره لاعبًا أو مدربًا فحسب، وإنما باعتباره أيقونة رمزية لفكرة أن القضية الفلسطينية يمكن أن تجد لنفسها مساحة داخل الملاعب، وأن القميص الرياضي يمكن أن يتحول أحيانًا إلى رسالة إنسانية تتجاوز حدود النتيجة والبطولة.
أما الخلفية، فهي أكثر قسوة.
بيوت مهدمة، وجرحى، وآثار خراب… غزة التي تدفع ثمن الحرب، وتعيش واحدة من أكثر صفحات المأساة الإنسانية قسوة.
لكن الفنان لا يترك المشهد غارقًا في الركام.
تحت مرآة حسام حسن تظهر مبانٍ مصرية في غزة، وكأن اللوحة تنتقل فجأة من سؤال الألم إلى سؤال المستقبل.
إنها ليست مجرد مبانٍ في خلفية المشهد، بل تحمل معنى الحلم الذي لم يمت داخل حنظلة:
أن تعود الأرض إلى الحياة، وأن تُبنى غزة من جديد، وأن تتحول صورة الدمار ذات يوم إلى صورة إعمار، وأن يرى الفلسطيني وطنه واقفًا لا منكسرًا.
وهنا تكمن قوة اللوحة.
إنها لا تقول إن المقاومة تعني حمل السلاح فقط، بل تقدم مفهومًا أوسع للمقاومة:
أن تقاوم بالنضال، وبالكلمة، وبالفن، وبالذاكرة، وبأن ترفض أن تتحول مأساة وطن إلى خبر عابر.
حنظلة مكبل اليدين، لكنه ليس مهزومًا.
ظهره إلى العالم، لكن رأسه مرفوع.
والمفارقة الأجمل أن الطفل الذي اختار ألا يمنح العالم وجهه، أصبح وجهًا حاضرًا في وجدان أجيال كاملة.
ناجي العلي رحل، لكن حنظلة بقي.
وهذه هي عظمة الفكرة التي تولد من أجل الإنسان والقضية؛ قد يغيب صاحبها، لكنها تواصل السفر وحدها بين الأجيال.
اللوحة من إبداع الفنان أشرف كمال، المخرج بالمركز القومي للسينما، ومن أفكار سها البغدادي، الباحثة في الشأن العربي والدولي، لتقدم حوارًا بصريًا بين الكاريكاتير والسياسة والرياضة والوجدان العربي.
ومن المنتظر أن تُعرض اللوحة ضمن معرض فن الكاريكاتير الرياضي الذي تقيمه الجمعية العربية لفنون الكاريكاتير برئاسة الصحفي عماد جمعة.
وفي النهاية، ربما تكون الرسالة الأهم التي تتركها اللوحة:
لا تصنع فكرة تعيش في زمنك فقط… اصنع فكرة تستطيع أن تعيش بعدك.
فالأوطان قد تُهدم بآلة الحرب،
لكنها تُبنى أيضًا بالذاكرة.
والمدن قد تنزف،
لكن الفن يستطيع أن يرسم لها الغد.
وحنظلة قد يعطي ظهره للعالم،
لكنه لن يدير وجهه إليه إلا يوم يعود إلى أرضه.
وعندها فقط…
ستعرف المرآة لمن كان حنظلة يدير ظهره طوال هذه السنوات.

تعليقات
إرسال تعليق