الخدمات البيطرية تبدأ حظر «السيفوتاكسيم».. د. نبيل بكير: الاستخدام العشوائي يهدد صحة الإنسان
تحقيق: سها البغدادي
لم تعد قضية استخدام المضادات الحيوية في إنتاج الدواجن مجرد ملف يخص المزارع والأطباء البيطريين، وإنما أصبحت قضية أمن غذائي وصحة عامة، بعدما أثبتت الدراسات العلمية أن الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية في الحيوانات المنتجة للغذاء يمكن أن يسهم في ظهور وانتشار بكتيريا مقاومة للأدوية، وهو ما قد يجعل علاج بعض العدوى البشرية أكثر صعوبة.
وتزداد أهمية الملف في مصر مع بدء تطبيق إجراءات حظر استخدام مادة «السيفوتاكسيم – Cefotaxime» في المجال البيطري، بما في ذلك المستحضرات الطبية البيطرية وإضافات الأعلاف، في خطوة تستهدف الحد من الاستخدام غير المنضبط لمضاد حيوي ينتمي إلى الجيل الثالث من السيفالوسبورينات، وهي فئة تصنفها منظمة الصحة العالمية ضمن أعلى أولويات المضادات الحيوية ذات الأهمية الحاسمة للطب البشري.
لماذا تمثل المضادات الحيوية في الدواجن خطراً على الإنسان؟
المشكلة ليست في استخدام المضاد الحيوي عندما يكون الحيوان مصاباً بعدوى بكتيرية ويحتاج إلى علاج تحت إشراف طبيب بيطري، وإنما في الاستخدام العشوائي أو الوقائي غير المبرر، أو استخدام جرعات غير مناسبة، أو إعطاء المضادات للحيوانات السليمة بصورة روتينية.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن الاستخدام المكثف للمضادات الحيوية في الحيوانات المنتجة للغذاء يمكن أن يؤدي إلى اختيار بكتيريا مقاومة للمضادات، ثم انتقال هذه البكتيريا إلى الإنسان عبر الغذاء أو البيئة أو الاتصال المباشر بالحيوانات. كما يمكن أن تنتقل جينات المقاومة بين البكتيريا.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: المستهلك لا يتناول بالضرورة المضاد الحيوي نفسه، لكنه قد يتعرض لبكتيريا اكتسبت القدرة على مقاومة المضادات الحيوية.
«السيفوتاكسيم».. لماذا يحظى باهتمام خاص؟
السيفوتاكسيم هو مضاد حيوي من الجيل الثالث للسيفالوسبورينات، وله أهمية كبيرة في الطب البشري في علاج عدد من العدوى البكتيرية الخطيرة.
وتضع منظمة الصحة العالمية السيفالوسبورينات من الجيل الثالث والرابع ضمن فئة Highest Priority Critically Important Antimicrobials، أي أعلى فئات المضادات أهمية وحساسية بالنسبة للطب البشري. وتظهر قائمة المنظمة السيفوتاكسيم تحديداً ضمن هذه الفئة.
وتنبع أهمية هذه الفئة من أن بعض هذه الأدوية تمثل خيارات علاجية محدودة أمام عدوى بشرية خطيرة، خصوصاً العدوى التي تسببها بكتيريا مقاومة لأدوية أخرى. كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن استخدام هذه الفئات في الحيوانات يمكن أن يساهم في اختيار سلالات مقاومة من بكتيريا مثل الإشريكية القولونية والسالمونيلا، وهي بكتيريا يمكن أن تنتقل من المصادر الحيوانية إلى الإنسان.
مصر تحظر السيفوتاكسيم في المجال البيطري
وفي تطور مهم خلال عام 2026، بدأت الهيئة العامة للخدمات البيطرية تنفيذ قرار حظر استخدام مادة السيفوتاكسيم في المستحضرات الطبية البيطرية وإضافات الأعلاف.
ووفق ما نشرته جريدة «المال» نقلاً عن مصادر مرتبطة بوزارة الزراعة، جاء القرار استناداً إلى توصية اللجنة العلمية المتخصصة للأدوية البيطرية وإضافات الأعلاف، التي أصدرت توصيتها في 4 مايو 2026، ثم اعتمدتها اللجنة الفنية لمراقبة الأدوية بهيئة الدواء المصرية في اجتماعها بتاريخ 21 مايو 2026.
وبحسب المنشور المشار إليه، مُنحت المستحضرات المسجلة بالفعل مهلة انتقالية حتى 20 مايو 2027 لتوفيق الأوضاع وسحب المنتجات المحتوية على المادة، على أن يتم بعد انتهاء المهلة حظر تداولها وسحب ما تبقى منها وتسليمه للجهات المختصة لإعدامه وفق الاشتراطات المقررة.
وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن القرار لا يعني أن السيفوتاكسيم «سم» في حد ذاته، وإنما يعني أن استخدام مضاد حيوي ذي أهمية بالغة للطب البشري في الإنتاج الحيواني يجب أن يخضع لأعلى درجات الرقابة والترشيد.
د. نبيل بكير: الاستخدام العشوائي يهدد صحة الإنسان
وفي سياق التحذيرات المهنية من الاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية في الدواجن، حذّر الدكتور نبيل بكير من خطورة الاستخدام العشوائي للسيفوتاكسيم، مؤكداً أن المشكلة لا تتعلق فقط بعلاج الطائر، وإنما بانعكاسات الاستخدام غير المنضبط على صحة الإنسان.
وتتفق هذه الرؤية مع المبادئ العلمية الدولية؛ فالمشكلة الأساسية في استخدام المضادات الحيوية في الحيوانات ليست أن كل دجاجة عولجت بالمضاد ستؤدي إلى إصابة الإنسان بالمرض، وإنما أن الاستخدام غير الضروري والمتكرر للمضادات يخلق ضغطاً انتقائياً يسمح للبكتيريا الأكثر مقاومة بالبقاء والتكاثر.
هل تنتقل المضادات الحيوية نفسها إلى الإنسان؟
نعم، يمكن أن توجد متبقيات دوائية في المنتجات الحيوانية إذا لم يتم الالتزام بالجرعات الصحيحة أو بفترة السحب المقررة قبل ذبح الحيوان وتسويق لحمه.
ولهذا تضع المنظمة العالمية لصحة الحيوان «WOAH» الالتزام بفترات السحب الدوائي ضمن الإجراءات الأساسية لضمان ألا تصل مستويات متبقيات المضادات الحيوية في الأغذية ذات الأصل الحيواني إلى مستويات تمثل خطراً على المستهلك.
لكن يجب التأكيد صحفياً على أن وجود متبقيات دوائية ومقاومة المضادات الحيوية قضيتان مختلفتان.
فبقايا الدواء ترتبط بسلامة الغذاء والتعرض للمادة الدوائية، بينما مقاومة المضادات ترتبط بظهور بكتيريا لا تستجيب للعلاج، ويمكن أن تنتقل هذه البكتيريا أو جينات المقاومة عبر السلسلة الغذائية والبيئة.
ماذا يحدث داخل المزرعة؟
عندما يتم إعطاء المضاد الحيوي بجرعات منخفضة أو بصورة متكررة دون حاجة علاجية حقيقية، فإن البكتيريا الحساسة للمضاد قد تموت، بينما تستطيع البكتيريا الأكثر قدرة على المقاومة البقاء والتكاثر.
ومع استمرار الاستخدام الخاطئ، تصبح المقاومة أكثر انتشاراً داخل تجمعات الحيوانات.
وقد أظهرت مراجعة منهجية واسعة بتكليف من منظمة الصحة العالمية أن التدخلات التي تحد من استخدام المضادات الحيوية في الحيوانات المنتجة للغذاء ارتبطت بانخفاض مقاومة المضادات لدى الحيوانات، كما أشارت الأدلة إلى انخفاض مقاومة المضادات لدى البشر في المجموعات التي طبقت تدخلات للحد من الاستخدام الحيواني.
وهذا يجعل الرقابة على المضادات الحيوية في مزارع الدواجن جزءاً من منظومة الوقاية من مقاومة المضادات لدى الإنسان، وليس مجرد إجراء بيطري.
ما موقف منظمة الصحة العالمية؟
توصي منظمة الصحة العالمية بعدم استخدام المضادات الحيوية المهمة طبياً للإنسان بصورة روتينية بغرض تحفيز النمو، كما توصي بعدم استخدامها للوقاية من الأمراض في الحيوانات السليمة في غياب تشخيص أو خطر محدد يستدعي ذلك.
وفي الحالات التي تستدعي العلاج أو السيطرة على عدوى مشخصة، يجب أن يكون الاستخدام تحت إشراف طبيب بيطري، وبالاستناد إلى التشخيص والفحوص المناسبة متى كان ذلك ممكناً.
كما تؤكد المنظمة العالمية لصحة الحيوان أن إنتاج الأعلاف الدوائية التي تحتوي على مضادات ميكروبية ينبغي أن يتم وفق قواعد رقابية واضحة، وأن استخدام هذه المنتجات في الحيوانات المنتجة للغذاء يجب أن يكون تحت إشراف بيطري، مع الالتزام بفترات السحب.
وماذا تفعل الدولة المصرية؟
التحرك المصري في هذا الملف لا يقتصر على قرار السيفوتاكسيم، وإنما يأتي ضمن توجه أوسع لمواجهة مقاومة مضادات الميكروبات وفق مفهوم «الصحة الواحدة – One Health»، الذي ينظر إلى صحة الإنسان والحيوان والبيئة باعتبارها منظومة مترابطة.
فوزارة الزراعة أعلنت مشاركتها في جهود متعددة القطاعات لمواجهة مقاومة مضادات الميكروبات بالتعاون مع وزارة الصحة والبيئة ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة «الفاو»، كما تم تشكيل مجموعة عمل مشتركة تحت مظلة مفهوم الصحة الواحدة.
كما أعلن معهد بحوث الصحة الحيوانية مشاركته مع منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية في أنشطة علمية وتدريبية تستهدف الحد من ظاهرة مقاومة مضادات الميكروبات، وهو ما يعكس انتقال الملف من نطاق العلاج البيطري إلى منظومة وطنية للترصد والوقاية.
وتملك الدولة كذلك بنية بحثية يمكن أن تلعب دوراً محورياً في هذا الملف؛ إذ يوضح معهد بحوث الصحة الحيوانية أن معاملاته تجري اختبارات بكتريولوجية، واختبارات حساسية للمضادات لتحديد العلاج المناسب، فضلاً عن فحص عينات من المياه والأعلاف للكشف عن البكتيريا الضارة.
وفي مارس 2025، أكدت هيئة الدواء المصرية أن مقاومة مضادات الميكروبات تمثل تهديداً صحياً عالمياً يمتد تأثيره إلى الإنسان والحيوان والبيئة، مشيرة إلى تنفيذ أنشطة مرتبطة بالخطة القومية لمكافحة مقاومة مضادات الميكروبات.
هل يكفي حظر السيفوتاكسيم؟
الحظر خطوة مهمة، لكنه ليس نهاية المشكلة.
فالخطر لا يرتبط بمادة واحدة فقط، وإنما بطريقة التعامل مع المضادات الحيوية داخل صناعة الدواجن بأكملها.
ويحتاج الأمر إلى منظومة متكاملة تشمل:
- تشديد الرقابة على مصانع الأعلاف وإضافات الأعلاف.
- منع إضافة المضادات الحيوية إلا وفق الضوابط القانونية والبيطرية.
- إلزام المزارع بالسجلات الخاصة باستخدام الأدوية.
- التوسع في تحليل عينات الأعلاف والدواجن واللحوم للكشف عن المتبقيات.
- تطبيق فترات السحب بصورة صارمة قبل الذبح والتسويق.
- إجراء اختبارات دورية لمقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية.
- ربط نتائج المعامل بقرارات اختيار المضادات المناسبة.
- مكافحة تداول الأدوية البيطرية خارج القنوات القانونية.
- تشديد الرقابة على ما يسمى بـ«الدخلاء» على المهنة الذين يستخدمون الأدوية دون تشخيص بيطري.
- دعم التحصينات والأمن الحيوي والنظافة داخل المزارع لتقليل الحاجة إلى المضادات الحيوية من الأساس.
وهذه الإجراءات تتفق مع توصيات المنظمة العالمية لصحة الحيوان التي تشدد على تحسين الأمن الحيوي والنظافة والتحصين والتشخيص المخبري كوسائل لتقليل الحاجة إلى المضادات الحيوية.
الرسالة الأهم للمستهلك
ليس صحيحاً علمياً أن كل دجاجة تم علاجها بمضاد حيوي تمثل خطراً فورياً على الإنسان، كما أنه ليس صحيحاً أن «الدجاج الذي أخذ مضاداً حيوياً يصبح ساماً».
الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول المضاد الحيوي من دواء لعلاج مرض محدد إلى أداة روتينية تُستخدم بلا تشخيص أو رقابة أو التزام بفترة السحب.
ومن هنا فإن مواجهة الظاهرة لا يجب أن تتحول إلى حالة هلع لدى المستهلك، وإنما إلى رقابة علمية صارمة على سلسلة الإنتاج من المزرعة حتى مائدة المواطن.
وفى النهاية
قرار حظر السيفوتاكسيم في المجال البيطري يمثل رسالة مهمة بأن ملف المضادات الحيوية لم يعد قضية هامشية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمضادات ذات أهمية حاسمة في الطب البشري.
فالعدو الحقيقي ليس «المضاد الحيوي» في حد ذاته، وإنما سوء استخدامه.
وإذا كانت الدولة المصرية قد بدأت بخطوة مهمة تجاه السيفوتاكسيم، فإن التحدي الأكبر خلال المرحلة المقبلة يتمثل في ضمان تنفيذ القرار ميدانياً، وإحكام الرقابة على الأعلاف والمزارع والمستحضرات البيطرية، وتوسيع منظومة الرصد والتحليل، حتى لا يتحول الاستخدام العشوائي للمضادات إلى مصنع صامت لإنتاج البكتيريا المقاومة للعلاج.
وفي النهاية، فإن حماية المواطن من مخاطر مقاومة المضادات الحيوية تبدأ من المزرعة قبل أن تصل إلى المستشفى؛ لأن صحة الإنسان والحيوان والبيئة أصبحت، علمياً وعملياً، قضية واحدة.

تعليقات
إرسال تعليق