بطاقة المواطن ليست شيكًا على بياض.. من يتحمل مسؤولية القروض وشرائح المحمول المسجلة دون علم أصحابها؟

 

سها البغدادي 

تحقيق: سها البغدادي


ماذا يحدث عندما يكتشف المواطن أن بياناته الشخصية استُخدمت في الحصول على قرض لم يتقدم إليه، أو أن هناك شرائح محمول مسجلة باسمه دون علمه؟


السؤال هنا لا يتعلق فقط بالاحتيال، وإنما بمنظومة حماية البيانات الشخصية وآليات التحقق من هوية المواطن قبل ترتيب أي التزام مالي أو قانوني عليه.


المواطن المصري يضطر في حياته اليومية إلى تقديم صورة بطاقة الرقم القومي وبياناته الشخصية لجهات متعددة؛ عند إلحاق أبنائه بالمدارس، أو التعامل مع البنوك وشركات التمويل، أو الحصول على خدمات الاتصالات وغيرها. وبالتالي فإن مجرد امتلاك جهة ما لصورة البطاقة لا يعني أن المواطن منحها تفويضًا مفتوحًا لاستخدام بياناته في أي معاملة أخرى.


القرض باسمك.. هل يعني أنك صاحبه؟


إذا فوجئ المواطن بقرض أو مديونية لم يحصل عليها، فالأصل أن يتم التحقيق في كيفية إنشاء العلاقة التعاقدية، وكيفية التحقق من شخصية طالب التمويل، والمستندات ووسائل التحقق التي اعتمدت عليها الجهة المانحة.


ولا يصح منطقيًا تحميل المواطن تلقائيًا مسؤولية قرض لم يطلبه لمجرد أن بياناته الشخصية ظهرت في ملف التمويل.


فالمسؤولية لا تُحسم بمجرد وجود صورة بطاقة الرقم القومي، وإنما تحتاج إلى فحص المستندات، والتوقيعات، ووسائل التحقق الإلكترونية أو البيومترية المستخدمة، ومصدر البيانات، ومن قام بإتمام المعاملة فعليًا.


وماذا عن بيانات المدارس؟


عندما يقدم ولي الأمر صورة بطاقته إلى مدرسة لإتمام إجراءات تعليمية، فإن السؤال المشروع هو: ما حدود استخدام هذه البيانات؟ ومن يملك حق الوصول إليها؟ وكيف يتم تأمينها؟ وهل توجد ضوابط تمنع تسريبها أو إعادة استخدامها خارج الغرض الذي جُمعت من أجله؟


المشكلة ليست في أن المواطن قدم بياناته لجهة رسمية أو تعليمية، وإنما في أن تتحول هذه البيانات إلى «مفتاح» لخدمات أو معاملات لم يطلبها صاحبها.


وهنا تظهر أهمية تطبيق قواعد حماية البيانات الشخصية ومساءلة الجهة التي قامت بجمع البيانات أو معالجتها إذا ثبت وجود تقصير أو استخدام غير مشروع.


شرائح محمول باسم المواطن دون علمه


القضية لم تعد افتراضية.


ففي 7 أغسطس 2026 أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بيانًا رسميًا بشأن ظهور خطوط هاتف محمول مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم.


وأكد الجهاز أنه إذا اكتشف المواطن وجود خط مسجل باسمه ولا يخصه، فمن حقه تقديم شكوى للجهاز للتحقق من إجراءات تسجيل الخط ومدى التزام شركة المحمول بالضوابط، كما أكد أن مجرد تسجيل الخط باسم المواطن لا يجعله مسؤولًا تلقائيًا عن الجرائم التي قد تُرتكب باستخدامه إذا ثبت أنه لا يخصه ولم يكن في حيازته أو تحت سيطرته الفعلية.


وهذه نقطة شديدة الأهمية: المسؤولية الجنائية شخصية، ولا ينبغي أن تتحول بيانات المواطن المسروقة أو المستغلة إلى دليل إدانة ضده دون فحص واقعة الحيازة والسيطرة الفعلية والأدلة الأخرى.


كما يوضح الجهاز أن شركات الاتصالات ملزمة بالحفاظ على سرية وخصوصية بيانات العملاء، وأن الاشتراك في خدمات الاتصالات يجب أن يكون قائمًا على إجراءات تعاقدية محددة.


السؤال الأكبر: من يحمي المواطن؟


المواطن ليس خبيرًا في الأمن السيبراني، ولا يستطيع أن يعرف في كل لحظة أين توجد صورة بطاقته ومن يستطيع الوصول إليها.


لذلك فإن حماية البيانات ليست مسؤولية المواطن وحده.


هناك مسؤولية على الجهة التي تجمع البيانات في تأمينها واستخدامها في الغرض المحدد، ومسؤولية على الجهة التي تنشئ القرض أو الخدمة في التحقق من هوية المتعاقد قبل ترتيب التزام مالي أو قانوني عليه، ومسؤولية على الجهات الرقابية في وضع ضوابط فعالة واكتشاف المخالفات ومحاسبة المقصرين.


والأهم أن المواطن الذي يقع ضحية لانتحال هويته يجب ألا يجد نفسه مضطرًا لإثبات براءته من معاملات لم يقم بها، بينما تظل المنظومة التي سمحت بإنشاء تلك المعاملة دون تحقق كافٍ خارج دائرة المساءلة.


حماية البيانات ليست رفاهية


البيانات الشخصية أصبحت اليوم أصلًا بالغ الحساسية؛ فصورة بطاقة الرقم القومي قد تكون مدخلًا إلى خدمات مالية واتصالات ومعاملات متعددة.


ولهذا فإن القضية لم تعد: «كيف تحافظ على بطاقتك؟» فقط، وإنما أصبحت أيضًا:


كيف تضمن الدولة أن البيانات التي يضطر المواطن لتقديمها للحصول على خدمة مشروعة لن تتحول إلى أداة للنصب أو انتحال الشخصية؟


فالمطلوب ليس تحميل المواطن ثمن أخطاء المنظومة، وإنما بناء منظومة تحقق تمنع إنشاء قرض أو خط هاتف أو خدمة باسم شخص دون التأكد الحقيقي من أنه صاحب الطلب.


وفي النهاية، المواطن من حقه أن يسأل بوضوح:


إذا كانت الدولة تطلب مني بياناتي لإتمام معاملاتي، فمن يحاسب عندما تُستغل هذه البيانات ضدي؟


لأن حماية المواطن لا تبدأ بعد وقوع الجريمة، وإنما تبدأ من اللحظة التي تُجمع فيها بياناته.

تعليقات