تحقيق – سها البغدادي
في الوقت الذي تتحدث فيه وزارة التربية والتعليم عن تطوير منظومة التعليم، ورفع نسب الحضور والانضباط داخل المدارس، يبرز سؤال أكثر جوهرية: هل الإصلاح التعليمي في مصر يجري وفق منظومة متكاملة من المعايير الدولية، أم يجري انتقاء بعض المؤشرات، مثل عامل الوقت والانضباط، بينما تظل مشكلات التمويل والفقر والدروس الخصوصية والمواصلات خارج المعادلة؟
المقارنة بالأرقام تكشف فجوة مهمة.
فبحسب أحدث تحليل لـ هيومن رايتس ووتش، بلغت موازنة التعليم المصرية في العام المالي 2025/2026 نحو 315 مليار جنيه، بما يعادل 1.5% فقط من الناتج المحلي الإجمالي ونحو 4.7% من إجمالي الإنفاق الحكومي. وتقول المنظمة إن هذه النسبة هي الأدنى منذ عام 2019 على الأقل، وإن الإنفاق الحقيقي على التعليم، بعد احتساب التضخم، انخفض 10% مقارنة بالعام السابق، و39% مقارنة بـ2013/2014 و2014/2015.
وهنا تظهر المفارقة: الدستور المصري نفسه ينص على تخصيص ما لا يقل عن 6% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم، بينما تضع الأطر الدولية للتعليم ضمن أجندة Education 2030 معيارًا استرشاديًا يتراوح بين 4% و6% من الناتج المحلي، إضافة إلى تخصيص 15% إلى 20% على الأقل من الإنفاق الحكومي للتعليم.
وبالتالي، فإن مصر ــ وفق أرقام 2025/2026 التي حللتها هيومن رايتس ووتش ــ لا تصل إلى الحد الدستوري المصري، كما تقع دون الحد الأدنى من معيار الإنفاق الدولي عندما يُقاس الإنفاق من الناتج المحلي.
والأهم أن اليونسكو تشير في أحدث تقرير للرصد العالمي للتعليم إلى أن المتوسط العالمي للإنفاق الحكومي على التعليم بلغ 4.2% من الناتج المحلي في 2024، وأن 41 دولة فقط من أصل 183 دولة تتوافر عنها بيانات حققت المعيارين معًا: 4% على الأقل من الناتج و15% على الأقل من الإنفاق الحكومي.
لكن أين الطالب المصري من كل ذلك؟
التعليم ليس مجرد عدد ساعات يقضيها الطالب داخل المدرسة.
المعيار الحقيقي لجودة التعليم يشمل: جودة المعلم، كثافة الفصول، البنية التحتية، أدوات التعلم، التغذية، الصحة النفسية، القدرة على الوصول إلى المدرسة، وعدم تحميل الأسرة أعباء مالية تحول دون حصول الطفل على تعليم جيد.
وهنا تكتسب قضية الدروس الخصوصية أهمية خاصة؛ إذ تشير هيومن رايتس ووتش إلى أن الأسر المصرية التي لديها أطفال في المدارس كانت تنفق في عام 2019 في المتوسط 10.4% من دخلها على تكاليف مرتبطة بالتعليم، بينما يؤدي ضعف جودة التعليم العام إلى دفع الأسر القادرة ماليًا نحو الدروس الخصوصية، بما يزيد الفجوة بين الأطفال بحسب مستوى دخل أسرهم.
وهذا يعني أن الطفل الفقير لا يدخل المنافسة التعليمية بنفس أدوات الطفل القادر ماليًا.
فالطالب الذي لا يستطيع والده دفع تكاليف الدروس، أو يتحمل يوميًا تكلفة المواصلات، أو يعيش في أسرة تعاني من ضغوط اقتصادية، لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي يُعامل بها طالب يمتلك دروسًا خاصة ووسيلة انتقال مريحة وبيئة منزلية مناسبة للمذاكرة.
هل يكفي تقليل اليوم الدراسي أو زيادة الانضباط؟
الإجابة وفق منطق المعايير الدولية: لا.
وزارة التعليم أعلنت أن الحضور في المدارس وصل إلى مستويات تتراوح بين 80% و90% خلال العام الدراسي 2024/2025، وهو مؤشر إيجابي من زاوية الانضباط المدرسي.
لكن رفع الحضور لا يصبح إصلاحًا تعليميًا مكتملًا إذا لم يصاحبه سؤال آخر:
ماذا يتلقى الطالب خلال هذا الوقت؟ وهل يستطيع الفقير الحصول على نفس جودة التعليم التي يحصل عليها الغني؟
فالوقت عنصر من عناصر العملية التعليمية، لكنه ليس العملية التعليمية كلها.
والأرقام الرسمية نفسها تظهر حجم الاحتياج إلى الاستثمار؛ إذ استهدفت خطة الدولة للعام المالي 2025/2026 إنشاء 17.3 ألف فصل جديد، وتطوير 1851 مدرسة، وإعادة تأهيل وإحلال وتجديد 12.5 ألف فصل. كما خُصص نحو 63.4 مليار جنيه للاستثمارات العامة في قطاع الخدمات التعليمية ضمن الخطة.
فى النهاية
مصر تطبق بعض أدوات الإصلاح التعليمي، لكنها وفق الأرقام المتاحة لا تحقق كامل المعايير التمويلية الدولية ولا الالتزام الدستوري المصري الخاص بنسبة الإنفاق على التعليم.
ومن ثم، فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح على صانع القرار ليس فقط:
كم ساعة يقضيها الطالب داخل المدرسة؟
بل:
كم تنفق الدولة على الطالب؟ وما جودة ما يحصل عليه؟ وهل يستطيع الطالب الفقير الوصول إلى المدرسة والمذاكرة والتعلم دون أن تتحول الدروس الخصوصية والمواصلات والتكاليف غير المباشرة إلى حواجز أمام حقه في التعليم؟
فالحق في التعليم، وفق الالتزامات الدولية التي أشار إليها تحليل هيومن رايتس ووتش، لا يتعلق بمجرد فتح أبواب المدارس، وإنما بضمان تعليم متاح وعادل وعالي الجودة، دون أن تحد القدرة المالية للأسرة من فرص الطفل. ومصر طرف في اتفاقية حقوق الطفل والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وبالتالي، فإن اختزال إصلاح التعليم في «عامل الوقت» قد يعالج جزءًا من المشكلة، لكنه لا يعالج جذور أزمة التعليم المصرية: التمويل، كثافة الفصول، نقص المعلمين، جودة التعليم داخل المدرسة، الدروس الخصوصية، وتكلفة وصول الطالب إلى التعليم.
السؤال الأهم الآن: هل نريد طالبًا يقضي وقتًا أطول داخل المدرسة، أم نريد طالبًا يحصل بالفعل على تعليم جيد يستطيع والده الفقير تحمّل تكلفته؟
المصادر
[تقرير هيومن رايتس ووتش عن تمويل التعليم في مصر](https://www.hrw.org/news/2026/01/07/egypt-declining-funding-undermines-education-health-care)
[معيار اليونسكو لتمويل التعليم ضمن Education 2030](https://uis.unesco.org/en/glossary-term/government-expenditure-education-gdp?utm_source=chatgpt.com)
[تقرير اليونسكو للرصد العالمي للتعليم 2026](https://www.unesco.org/reports/gem-report/en/2026-monitoring-sdg4?utm_source=chatgpt.com)

تعليقات
إرسال تعليق