أيُّ وجعٍ هذا... الذي يعجز الزمن عن قتله، وتعجز الدموع عن إطفائه، ويعجز العمر كله عن شفائه؟!


》 أيُّ وجعٍ هذا... الذي يعجز الزمن عن قتله، وتعجز الدموع عن إطفائه، ويعجز العمر كله عن شفائه؟!

》وأيُّ قَدَرٍ هذا... الذي يجعلنا نفقد إنسانًا في لحظة، ثم نظل نفقده بقية أعمارنا؟!

》وأيُّ حياةٍ هذه... التي تستمر كما هي، بينما يتوقف كلُّ شيءٍ في داخلنا؟!

.                     (  إنه... الفقد ) ..

فالموت يقتل مرةً واحدة... أما الفقد، فيقتل كل يوم.

- يقتلنا كلما رأينا وجهًا يشبهه، أو سمعنا صوتًا يعيد إلينا صوته، أو جلسنا في مكانٍ كان يجلس فيه، أو هممنا أن نحكي له خبرًا جميلًا، ثم تذكرنا أن الهاتف لن يرن بصوته بعد اليوم.

》لذلك... لا يبدأ الفقد يوم يموت من نحب، بل يبدأ في اليوم التالي؛ حين تستيقظ الحياة وكأن شيئًا لم يكن، بينما ينهار عالمٌ كامل في داخلنا.

□□ وأكذب عبارةٍ نواسي بها  هي: "سيأتي يومٌ وتنسى."

فالزمن لا يُنسي أحدًا، إنه فقط يُعلِّمنا كيف نُخفي وجعنا، وكيف نبتسم بينما شيءٌ في أعماقنا يبكي في صمت. أما الفقد، فليس موت إنسانٍ فحسب... بل موتُ الحياة التي كانت بينك وبينه.

  》الفقد ليس حدثًا عابرًا ينتهي بغياب الجسد، بل جرحٌ غائرٌ يتجدد كلما مرَّت الذكريات على القلب، كأنها سكينٌ قديمة تعرف موضع الطعنة، فلا تخطئه أبدًا. قد يظن الناس أننا نسينا، وقد نقنع أنفسنا أننا تجاوزنا، لكن الحقيقة أن الأحبة لا يغيبون عنا... بل ينتقلون من أمام أعيننا إلى داخل أرواحنا، فيصبح غيابهم إقامةً دائمة في القلب.

□□ كلُّ إنسانٍ يرحل... يأخذ معه عالمًا كاملًا لا يعرفه سواه. يأخذ لغةً لم نكن نتحدثها إلا معه، وضحكاتٍ لم تكن تولد إلا بحضوره، وأحاديثَ لا تجد طريقها إلا إلى قلبه. وحين يغيب، لا نفقده وحده... بل نفقد النسخة التي كنا نكونها معه.

الأشياء التي تركوها خلفهم ليست جمادًا، بل أرواحٌ صغيرة معلقة في تفاصيل حياتنا؛ بيتٌ يحتفظ بصورهم، وأثاثٌ يحمل ضحكاتهم، وأبناءٌ تتوزع على ملامحهم ابتساماتهم وكلماتهم، وأسماءٌ ما زالت منقوشةً في الأوراق والقلوب. كل شيءٍ يهمس بهم، حتى الصمت. لذلك لا يترك لنا الفقد فرصةً للنسيان، بل يوقظ الألم كل يوم، وكأنه يرفض أن يشيخ.

》لكن أقسى أنواع الفقد... أن يرحل الإنسان بينما يظل حاضرًا في كل مكان.

- الفنان الذي غاب جسده، وما زال صوته و مازالت صوره  مشاهده الفنية و الدرامية  تملأ الدنيا.

 - والمذيع الذي واراه الثرى، وما زالت صورته تطل علينا من الشاشات. والمبدع الذي رحل، بينما أثره يمشي بين الناس كأنه لم يغادر.

يا الله...  !!

كيف يحتمل أبناؤهم، أو أهلهم و  أزواجهم ، أو آبائهم و أمهاتهم، أن يروهم أحياءً في ذاكرة الملايين، ثم يعودوا إلى بيتٍ يعرفون يقينًا أن أبوابه لن تُفتح لهم مرةً أخرى؟

أيُّ عذابٍ هذا؟

إنه حضورٌ يوجع أكثر من الغياب... ولقاءٌ لا يكتمل أبدًا.

ويقولون إن الزمن يشفي...

 》  لا...

الزمن لا يشفي، بل يُعلِّم القلب كيف يتعايش مع النزيف، دون أن يراه أحد.

》 فالذكريات ليست رحيمة كما نظن؛ إنها تمنحنا وهم اللقاء لثوانٍ، ثم تنتزعنا منه فجأة، فنفيق على الحقيقة نفسها... أنهم رحلوا، وأن الحياة مضت، لكن شيئًا في داخلنا رفض أن يمضي معها.

□□ ولعل أقسى ما في الفقد، أننا لا نفقد من نحب مرةً واحدة، بل نفقدهم آلاف المرات؛ عند أول عيد، وأول صباح، وأول مرض، وأول فرح، وأول حزن، وكلما التفتنا لنحكي لهم شيئًا، ثم تذكرنا أنهم لن يجيبوا أبدًا.

الفقد ليس أن يموت من نحب... الفقد أن يبقى كلُّ شيءٍ بعده كما كان ...  إلا نحن  !!

تبقى البيوت كما هي، وتشرق الشمس في موعدها، وتمضي الأيام، ويواصل الناس حياتهم... أما نحن، فلا يعود في أرواحنا شيء كما كان... 

 يرحل شخصٌ واحد، فإذا بعالمٍ كامل يرحل معه.

》ما أصعب أن يكون الموت غيابًا بلا غياب... حضورًا يوجع أكثر من الغياب ذاته !

》وما أوجع أن تشتعل نار الشوق في القلب، بلا أملٍ في لقاء، إلا ما نرجوه من رحمة الله، ووعده الكريم بجنةٍ لا فراق فيها.

▪︎▪︎  رحم الله من فقدناهم...

لقد رحلوا من الدنيا، لكنهم لم يرحلوا من قلوبنا.

》سيظل لهم في أرواحنا مقعدٌ لا يجلس عليه أحد، وصوتٌ لا يشبهه صوت، وذكرياتٌ كلما حاول الزمن أن يطويها، أعادها القلب أكثر حياة.

أما نحن...

فلا نعيش بعدهم كما يظن الناس.

نحن فقط نتقن أداء دور الأحياء...

بينما يقيم جزءٌ من أرواحنا هناك...

حيث يرقد من أحببنا...

.                      ينتظر اللقاء.

 لعل الموت نهايةُ حياة... لكنه ليس نهايةَ الحب. فمن أحببناهم حقًا، لا يرحلون من قلوبنا... حتى نرحل إليهم.

.                     صلاح الجنيدى

تعليقات