النباشون.. «شوال» على الظهر يخفي ما وراءه!

 

سها البغدادي 

كتبت .. سها البغدادي 

أهالي العمرانية يصرخون: بعض النباشين يتخذون جمع القمامة ستارًا للسرقة.. ومخاطر تصل إلى المخدرات والاعتداء على المرافق


لم يعد ظهور النباشين في الشوارع مجرد مشهد عابر يثير الاشمئزاز بسبب بعثرة القمامة وتشويه المظهر العام، فبعض الأهالي يرون أن الظاهرة تحولت إلى مشكلة أمنية وخدمية وبيئية تحتاج إلى تدخل عاجل من الحي والمحافظة والجهات المسؤولة عن المرافق.


وفي مناطق بالعمرانية، تتكرر شكاوى الأهالي من أشخاص يدخلون الشوارع والعقارات تحت غطاء جمع المخلفات، حاملين الأجولة والأكياس على ظهورهم، ثم يبدأ بعضهم في تفتيش القمامة، فيما يقول سكان إن الأمر في بعض الحالات يتجاوز جمع المخلفات إلى الاقتراب من الممتلكات الخاصة والمرافق ومحاولات السرقة.


والسؤال هنا ليس ضد العامل الذي يجمع المخلفات بحثًا عن رزقه، وإنما:


مَن يراقب من يستغل هذه المهنة ستارًا للجريمة؟


«الشوال» على الظهر.. غطاء مثالي لمن يريد ألا يلفت الأنظار


المشهد بسيط في ظاهره:


رجل يحمل جوالًا كبيرًا على ظهره، يتحرك بين صناديق القمامة، يدخل أحد الشوارع، ثم يقترب من العقارات.


بالنسبة للمواطن، قد يبدو المشهد طبيعيًا.


لكن المشكلة أن هذا المظهر قد يمنح بعض الأشخاص غطاءً مثاليًا للتحرك دون إثارة الشبهات.


فمن يحمل جوالًا ويقول إنه يجمع المخلفات يستطيع أن يضع بداخله أي شيء تقريبًا؛ من قطع معدنية إلى أدوات منزلية أو أحذية أو سجاد أو أجزاء من معدات، بل إن الخطر يصبح أكبر عندما يصل الأمر إلى سرقة مواتير المياه أو العدادات أو مكونات الكهرباء.


وهنا يصبح السؤال:


هل كل ما يخرج من العقار داخل هذا الجوال «خردة»؟


ومن يراقب؟


أهالي العمرانية: الظاهرة لم تعد مجرد قمامة


عدد من الأهالي بالعمرانية تحدثوا عن معاناتهم من انتشار النباشين بصورة أصبحت ـ بحسب وصفهم ـ مزعجة ومقلقة.


وقال الأهالي إن بعض النباشين لا يكتفون بفتح أكياس القمامة، وإنما يقومون ببعثرتها في الشوارع، ويتركون المخلفات على الأرصفة ويزيد الذباب والناموس وتنتشر الفئران والحشرات، بالإضافة إلى أنه  يزيد من الأعباء الواقعة على عمال النظافة.


لكن الأخطر، وفقًا لروايات بعض السكان، هو دخول بعض الأشخاص إلى العقارات أو صعودهم إلى السلالم بحثًا عن أي شيء يمكن الحصول عليه وبيعه.


ويقول بعض الأهالي إنهم لاحظوا أيضًا سلوكيات مريبة لدى بعض الأشخاص الذين يترددون على المنطقة، وتحدثوا عن تعاطي بعضهم للمخدرات.


وهذه شهادات من الأهالي تستوجب التحقيق والتحقق من الجهات المختصة، ولا تعني اتهام جميع العاملين في جمع المخلفات.


لكنها في الوقت نفسه جرس إنذار لا يجوز تجاهله.


مواتير المياه والعدادات.. عندما تتحول القمامة إلى طريق للسرقة


موتور المياه الموجود داخل العقار ليس خردة.


والعداد ليس خردة.


والحذاء الذي تركه صاحبه أمام شقته ليس مباحًا لأحد.


والسجاد أو الأدوات الموجودة على السلم ليست ملكًا لمن يستطيع الوصول إليها.


لكن غياب الرقابة يجعل بعض هذه الأشياء عرضة للسرقة، خصوصًا عندما يستطيع شخص دخول العقار دون أن يسأله أحد: أنت مين؟ وداخل تعمل إيه؟


وقد شهدت مصر بالفعل وقائع أعلنت خلالها الأجهزة الأمنية ضبط متهمين في جرائم سرقة مواتير مياه من داخل العقارات.


وهذا يجعل ظاهرة الدخول غير المنضبط إلى العقارات قضية تتجاوز النظافة إلى الأمن وحماية الممتلكات.


الأخطر.. العبث بكابلات ومكونات الكهرباء


إذا كانت سرقة الحذاء أو السجاد خسارة لصاحبه، فإن العبث بمكونات الكهرباء قضية أخطر بكثير.


فمن يسرق كابلًا أو «كبسًا» أو يعبث بمكونات غرفة كهرباء لا يسرق مالًا فقط، وإنما قد يتسبب في انقطاع التيار عن مواطنين وتعريض المكان لمخاطر كهربائية وحريق.


وهنا يجب أن تكون المسؤولية واضحة:


غرف الكهرباء ليست مسؤولية المواطن.


والمواطن ليس مطالبًا بأن يحرس بنفسه غرف المرافق الموجودة في الشوارع.


تأمين هذه المنشآت ومراقبتها وصيانتها يقع ضمن مسؤولية الجهات المختصة، وعلى رأسها الجهات التابعة لقطاع الكهرباء، بالتنسيق مع المحليات والجهات الأمنية عند الحاجة.


القمامة داخل غرف الكهرباء.. كارثة تنتظر شرارة


الأمر لا يتوقف على السرقة.


فوجود أكياس أو شوالات ومخلفات قابلة للاشتعال داخل غرف الكهرباء أو بالقرب من مكوناتها يرفع مستوى الخطورة.


ماذا لو حدث عطل كهربائي؟


ماذا لو خرجت شرارة؟


ماذا لو اشتعلت المخلفات؟


هنا يمكن أن تتحول مجموعة من الأكياس التي ألقيت بلا مبالاة إلى وقود لحريق قد يصعب السيطرة عليه.


ولهذا فإن ترك غرف الكهرباء عرضة للقمامة أو العبث ليس مجرد مخالفة في المظهر العام، وإنما مسألة تتعلق مباشرة بـالسلامة العامة.


المواطن ليس «مفتشًا» ولا «عامل نظافة» ولا حارس مرافق


هناك خطأ يجب أن نتوقف أمامه.


لا يمكن أن نلقي كل المسؤولية على المواطن.


نعم، المواطن مطالب بعدم إلقاء القمامة.


نعم، عليه أن يحافظ على ممتلكاته وألا يترك الأشياء الثمينة في الأماكن المفتوحة.


لكن المواطن لا يستطيع وحده تنظيم ظاهرة تنتشر في الشوارع.


ولا يستطيع بمفرده مراقبة كل من يحمل جوالًا ويدخل عقارًا.


ولا يستطيع تأمين غرفة كهرباء.


ولا يستطيع ضبط تجار الخردة.


ولا يستطيع منع سرقة كابلات المرافق.


هذه مسؤولية مؤسسات الدولة كل في نطاق اختصاصه.


أين دور الحي؟ وأين دور المحافظة؟


إذا كانت الظاهرة أصبحت واضحة ومتكررة في منطقة معينة، فهنا يجب أن تتحرك الأجهزة المحلية.


الحي والمحافظة مطالبان بوضع آلية واضحة للتعامل مع جامعي وفرّازي المخلفات، وحصر العاملين في هذا النشاط، وتنظيم تحركاتهم، ومنع الفرز العشوائي في الشوارع ومداخل العقارات.


والتنسيق مع شرطة المرافق والجهات الأمنية يجب أن يكون حاضرًا عندما تتحول المخالفة إلى شبهة سرقة أو تعدٍ على الممتلكات.


فترك الظاهرة بلا تنظيم يعني ببساطة أن الشارع يصبح مفتوحًا لكل من يريد أن يستغلها.


نحتاج إلى تنظيم.. لا إلى ترك الشارع للفوضى


الدولة لديها بالفعل قانون لتنظيم إدارة المخلفات، ومنظومة المخلفات الجديدة تستهدف تنظيم عمليات الجمع والنقل والفرز وإعادة التدوير.


لكن نجاح أي منظومة يحتاج إلى رقابة حقيقية على الأرض.


فلا يكفي إصدار القوانين.


ولا يكفي رفع القمامة.


ولا يكفي تحرير محضر بعد وقوع السرقة.


المطلوب هو منع المشكلة قبل وقوعها.


ماذا نريد من الأجهزة المعنية؟


نريد من الأحياء والمحافظات:


حصر النباشين والعاملين في جمع المخلفات وتنظيم نشاطهم.


منع الفرز العشوائي في الشوارع ومداخل العقارات.


مراقبة المناطق التي تتكرر بها شكاوى الأهالي.


التنسيق مع الأجهزة الأمنية عند الاشتباه في جرائم سرقة.


التعامل مع منافذ بيع الخردة والمواد المعدنية المسروقة.


التأكد من تأمين غرف الكهرباء والمرافق.


إزالة أي مخلفات يتم إلقاؤها داخل غرف الخدمات أو حولها.


وتركيب كاميرات مراقبة في النقاط التي تشهد وقائع متكررة.


لا نعمم.. لكن لا نتجاهل


لا أحد يقول إن كل من يحمل جوالًا ويجمع المخلفات لص.


ولا أحد يقول إن كل من يعمل في هذه المهنة يتعاطى المخدرات.


لكن في المقابل، لا يجوز أن نغمض أعيننا عن بعض من يتخذون هذه المهنة ستارًا للتحرك في الشوارع والعقارات وارتكاب جرائم أو سرقات.


فعدم التعميم لا يعني عدم المواجهة.


والتعامل الإنساني مع العامل الشريف لا يعني التساهل مع المجرم.


الخطر ليس في الجوال.. بل فيما يمكن أن يختبئ خلفه


المواطن يرى رجلًا يحمل شوالًا على ظهره فيقول:


«عامل غلبان.. بيدور على أكل عيشه».


وقد يكون بالفعل كذلك.


لكن ماذا لو كان شخصًا آخر يستغل الصورة نفسها ليدخل عقارًا، أو يصعد السلم، أو يقترب من غرفة كهرباء، أو يلتقط شيئًا ليس ملكه، ثم يضعه داخل الشوال وينصرف؟


هنا يتحول مظهر العامل البسيط إلى غطاء يمكن أن يستغله البعض لإخفاء الجريمة.


وهذه ليست دعوة للشك في كل إنسان يعمل في جمع المخلفات، وإنما دعوة إلى التنظيم والرقابة ومنع استغلال المهنة في غير الغرض المشروع.


النباشون.. قنبلة موقوتة أم ظاهرة يمكن السيطرة عليها؟


الإجابة تتوقف على سرعة التحرك.


إذا تم تنظيم النشاط، وحصر العاملين، ومنع الدخول العشوائي إلى العقارات، وتشديد الرقابة على المرافق، ومواجهة السرقات، ومحاسبة من يثبت تورطه في الجريمة، يمكن السيطرة على الظاهرة.


أما تركها بلا ضوابط، فسيجعل المشهد أكثر تعقيدًا.


فالقمامة التي تُبعثر يمكن جمعها..


لكن المرافق التي تُسرق تحتاج إلى إصلاح.


والكهرباء التي تنقطع بسبب العبث تحتاج إلى تدخل.


وموتور المياه المسروق يعطل حياة أسرة كاملة.


أما الجريمة إذا وجدت لها ستارًا آمنًا.. فقد تتوسع.


ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه الآن ليس:


«لماذا يشتكي المواطن من النباشين؟»


بل:


«متى تتحرك الدولة لتنظيم الظاهرة قبل أن يتحول شوال القمامة إلى ستار للجريمة؟»

تعليقات