![]() |
| والدة الشهيد محمد جودة |
قصة بطل مع سها البغدادي
هناك رجال تمر أسماؤهم في نشرات الأخبار، ثم تمضي الأيام، لكن بعض الأسماء لا تمر أبدًا… لأنها ارتبطت بلحظة دفع فيها صاحبها أغلى ما يملك: حياته.
ومن بين هؤلاء يأتي اسم الملازم أول محمد محمد جودة عثمان، الذي أصبح أول شهيد من رجال الشرطة في أحداث فض اعتصام رابعة العدوية يوم 14 أغسطس 2013.
كان محمد شابًا في مقتبل العمر، تخرج في كلية الشرطة عام 2010، والتحق بالعمليات الخاصة، وهناك عرفه زملاؤه بلقب «الأسد»؛ ليس فقط لقوته وشجاعته، وإنما لأنه كان من الضباط الذين يمكن الاعتماد عليهم في المهام الصعبة.
لم تكن البطولة بالنسبة لمحمد مجرد زي يرتديه أو سلاح يحمله.
كان، بحسب ما روته أسرته وزملاؤه، إنسانًا محبًا للخير، قريبًا من أسرته، شديد الارتباط بوالديه وإخوته، وكان يقتطع من دخله لمساعدة المحتاجين.
حتى في المواقف العادية، كانت تظهر طبيعته الإنسانية؛ فقد روت مصادر صحفية أنه شاهد ذات مرة حادث سير أثناء عودته إلى منزله، فحاول مساعدة المصابين وستر جثامين الضحايا.
في صباح 14 أغسطس تغير كل شيء
في ذلك اليوم، تحركت القوات الأمنية لتنفيذ مهمة فض الاعتصام.
وكان محمد ضمن قوات العمليات الخاصة المشاركة في المهمة.
وتذكر روايات أسرته والمصادر الصحفية أنه كان داخل إحدى المدرعات، ينادي عبر مكبر الصوت على الموجودين بالخروج من الممرات الآمنة، مع التأكيد على عدم التعرض للنساء وكبار السن والأطفال.
لم يكن محمد يعلم أن دقائق قليلة تفصله عن النهاية.
بحسب الروايات المنشورة، وبعد وقت قصير من بدء العملية، أصيب بطلق ناري في الرأس اخترق خوذته، ليسقط شهيدًا، ويصبح أول ضابط شرطة يستشهد في أحداث فض رابعة.
كان عمره وقتها 24 عامًا فقط.
شاب لم يلحق أن يعيش حياته كاملة، ولم يتزوج، ولم يرَ السنوات التي كان يحلم بها.
ذهب إلى مأمورية… وعاد إلى أسرته شهيدًا.
«ادعيلي يا ماما»
ربما أكثر ما يجعل قصة محمد إنسانية ليس مشهد استشهاده، وإنما ما حدث قبلها.
روت والدته في تصريحات صحفية أن آخر كلمات ابنها لها كانت تحمل ذلك الإحساس الغريب الذي يسبق أحيانًا لحظات الفراق:
«ادعيلي يا ماما… وسلمي لي على بابا وإخواتي».
ثم تواصل مع شقيقه في الساعات الأولى من الصباح، طالبًا منه الدعاء، وقال له إنه ذاهب إلى مأمورية صعبة، وطلب منه أن يهتم بنفسه وبالأسرة.
وبعدها جاء الخبر.
لم تستيقظ الأسرة في ذلك الصباح على صوت محمد…
استيقظت على خبر استشهاده.
وهنا تبدأ مأساة أخرى لا يراها أحد في صور الشهداء ولا في البيانات الرسمية:
مأساة أم فقدت ابنها.
«الأسد» لم يكن مجرد ضابط
كان محمد بالنسبة لزملائه أكثر من مجرد ضابط عمليات خاصة.
كان صديقًا، وشقيقًا، ورجلًا يعتمدون عليه عندما تصبح المهمة أصعب.
وتقول والدته إن زملاءه كانوا يلقبونه بـ«الأسد» لقوة قلبه وشجاعته، ولذلك كانت القيادات تعتمد عليه في المهام الصعبة.
لكن وراء صورة الضابط القوي، كانت هناك شخصية أخرى يعرفها أهله:
ابن يحب أمه، وأخ يحب إخوته، وشاب يحب الخير.
وهذه هي المفارقة التي تجعل قصص الشهداء مؤلمة…
فالوطن يتذكر البطل في الزي العسكري، بينما تظل الأسرة تتذكر الإنسان الذي كان يدخل البيت ويجلس معهم على مائدة الطعام.
لم يرحل محمد وحده
في ذلك اليوم، لم تكن أسرة محمد وحدها التي دفعت الثمن.
فقد سقط عدد من رجال الشرطة خلال أحداث فض الاعتصامين، وأصبحت أسماء الشهداء جزءًا من ذاكرة الشرطة المصرية.
لكن محمد ظل يحمل لقبًا خاصًا:
أول شهيد من رجال الشرطة في فض رابعة.
ولهذا فإن استعادة قصته ليست استعادة لواقعة تاريخية فحسب، وإنما تذكير بأن وراء كل اسم في قائمة الشهداء أمًا وأبًا وإخوة وأصدقاء، وبيتًا تغير إلى الأبد بعد وصول خبر واحد.
خبر يقول:
«ابنكم استشهد».
محمد جودة… قصة لا تنتهي
رحل محمد في الرابعة والعشرين.
لكن السنوات التي لم يعشها بقيت معلقة في ذاكرة أسرته.
لم يرَ زواجه، ولا أبناءه، ولا سنوات عمله القادمة، ولا الرتب التي كان يمكن أن يصل إليها.
تخرج من كلية الشرطة عام 2010، وكان أمامه طريق طويل في الخدمة، لكن القدر اختصر الطريق كله في صباح واحد.
رحل الجسد…
وبقي الاسم.
وبقيت صورته.
وبقيت أمه التي لا تستطيع أن تنسى صوت ابنها.
وبقي زملاؤه الذين عرفوا «الأسد» قبل أن يصبح اسمه في سجل الشهداء.
محمد جودة لم يكن رقمًا في قائمة.
كان ابنًا له أم تنتظره، وأخًا له أسرة تحبه، وضابطًا اختار طريقًا يعرف أصحابه أن نهايته قد تكون الشهادة.
وفي «قصة بطل مع سها البغدادي»، لا نحكي فقط كيف استشهد البطل…
بل نحاول أن نعيد إلى الناس الإنسان الذي كان وراء الزي العسكري.
رحم الله الشهيد الملازم أول محمد محمد جودة عثمان، ورحم كل من دفع حياته ثمنًا لأداء واجبه.
سها البغدادي
باحثة في الشأن العربي والدولي

تعليقات
إرسال تعليق