بريد أوراق الورد | حين يصبح الوفاء وجعًا لا يراه أحد



«من قارئة إلى أوراق الورد»


لم أكن أريد منه المستحيل…

كنت أريد فقط أن يشعر أن هناك امرأة أفنت أجمل سنوات عمرها وهي تقف بجواره.


سنوات طويلة كنت فيها زوجة بالاسم، وحبيبة بالقلب، وممرضة حين يشتد عليه المرض، وسندًا حين يتعب، ويدًا تمتد إليه كلما سقط.


كان يسافر للعلاج، فأبقى خلفه أنتظر عودته، أعد الأيام وأخفي خوفي، وأحاول أن أكون قوية حتى لا أزيد عليه ألمه.


كنت أقول لنفسي: هو شاب حُرم من حياته، فلا أكون أنا أيضًا سببًا في زيادة وجعه.


غفرت خياناته… مرة، ثم مرة، ثم مرات لا أستطيع حتى عدّها.


كنت أجد له الأعذار بدلًا من أن أجد لنفسي مخرجًا.


وكنت أقول: ربما المرض جعله ضعيفًا، ربما الوحدة دفعته، ربما يحتاج إلى امرأة تشعره أنه ما زال حيًا.


كنت أكذب على قلبي كي أحافظ عليه.


والأغرب أنني لم أتمنَّ يومًا أن أفقده، حتى عندما كان يؤلمني.


كنت أدعو له في صلاتي:

يا رب اشفه… حتى لو شُفي واختار امرأة غيري، المهم أن يشفى.


كنت أبحث عن علاجه في كل مكان، وأسأل الأطباء، وأفتش عن أي أمل، حتى وصلت بي الفكرة أنني كنت مستعدة أن أعطيه من جسدي إن كان ذلك سيعيد إليه عافيته.


كنت مستعدة أن أعيش مريضة من أجله…

وهو لم يكن مستعدًا حتى أن يعيش وفيًّا لي.


كان قلبه موزعًا بين نساء كثيرات، وكان نصيبي منه مجرد فتات.


كلمة حلوة حين يحتاجني، واهتمام حين يخاف أن أخسره، ثم يعود إلى عالمه وكأنني لم أكن يومًا تلك المرأة التي وقفت بجواره حين لم يكن أحد يعرف كيف سيكون الغد.


حتى بعض النساء اللاتي دخلن حياته كنّ يرسلن إليّ ما يدور بينهن وبينه.


كنت أقرأ الرسائل وأبكي في صمت.


ليس لأنني فوجئت بخيانته…

بل لأنني كنت أكتشف كل مرة أن الرجل الذي أحببته أكثر من نفسي كان يعرف كيف يكسرني، ثم ينام هادئًا.


وفي النهاية ابتعدت.


لم أبتعد لأن الحب انتهى…

ابتعدت لأنني تعبت من النزيف.


تركته يعيش حياته مع من اختارهن، وقلت لنفسي: ربما يكون ابتعادي رحمة له ولي.


لكنه لم يكتفِ بأن يجرحني، بل بدأ يتحدث وكأن سنوات العشرة لا قيمة لها، وكأن المرأة التي وقفت بجواره سنوات يمكن استبدالها بمن دخلت حياته منذ شهور.


وكأن الوفاء أصبح شيئًا قديمًا لا يستحق الاحترام.


كنت أسأل نفسي وأنا أبكي:


كيف يستطيع إنسان أن يبيع عمرًا كاملًا من الوفاء من أجل نزوة؟


ماذا أعطته تلك العلاقات؟


لحظات عابرة، وقلوبًا مكسورة، وأبوابًا من الندم.


وماذا أعطيته أنا؟


أعطيته عمرًا…

وصبرًا…

ودعاءً…

وسترًا…

ووقوفًا بجواره في أصعب أيامه.


لم أكن أطلب منه أن يرد لي العمر.


كنت فقط أريد ألا يجعلني أشعر أن كل ما فعلته من أجله كان بلا قيمة.


اليوم لم يعد يؤلمني أنه اختار غيري بقدر ما يؤلمني أنه استهان بامرأة اختارته رغم كل شيء.


كنت أظنه بيتي…

فاكتشفت أنني كنت وحدي أسكنه.


كنت أراه عالمي…

واكتشفت أنني لم أكن يومًا العالم الذي يخاف أن يخسره.


ولعل أقسى ما في الحكاية أنني لم أخسر رجلًا فقط…


أنا خسرت سنوات من عمري وأنا أحاول إنقاذ إنسان لم يحاول يومًا أن ينقذ قلبي.


ومع ذلك، لا أتمنى له المرض ولا الوجع.


يكفيني أنني كنت وفية حتى النهاية.


أما هو…

فسيأتي يوم يفهم فيه أن بعض القلوب إذا انكسرت لا تعود كما كانت، وأن من يعتاد تبديل الناس بحثًا عن مصلحته قد يأتي عليه يوم يبحث فيه عن قلب صادق… فلا يجده.


أنا لا أبكيه الآن…


أنا أبكي نفسي  وأنا أصدّق أن الوفاء وحده يكفي ليجعل الإنسان وفيًّا.

تعليقات