تقرير: سها البغدادي
تدخل أزمة مياه النيل بين مصر وإثيوبيا مرحلة جديدة من التوتر، بعد تصريحات إثيوبية حديثة بشأن المضي في إنشاء سدود إضافية على النهر، بالتزامن مع تأكيد القاهرة رفضها لأي إجراءات أحادية من شأنها التأثير في تدفقات المياه إلى دولتي المصب، مصر والسودان.
وتصاعدت حدة المواجهة خلال الأيام الأخيرة، بعدما نُقلت تصريحات عن وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا، تحدث فيها عن أن تدفقات مياه النيل المتجهة إلى دول المصب ستكون تحت سيطرة بلاده، مع تأكيد أديس أبابا عزمها الاستمرار في مشروعات مائية جديدة على النهر.
القاهرة: لن نسمح بالسيطرة على تدفقات النيل
في المقابل، جاء الرد المصري حادًا، إذ نقلت تقارير عن مصدر مصري مسؤول تأكيده أن القاهرة لن تقبل بسيطرة أي طرف منفرد على تدفقات مياه النيل، معتبرًا أن مثل هذه الطروحات تمثل استمرارًا لمحاولات فرض الأمر الواقع على نهر دولي تشترك فيه دول عديدة.
وكان وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم قد أكد في وقت سابق من أغسطس أن مصر لن تسمح بإقامة سدود إثيوبية جديدة على النيل، مجددًا تمسك القاهرة بضرورة وجود اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل وإدارة سد النهضة وتبادل البيانات والمعلومات المتعلقة به.
ويعكس هذا الموقف انتقال الخلاف من قضية سد النهضة وحده إلى سؤال أكبر: هل تتجه إثيوبيا إلى بناء منظومة متكاملة من السدود على النيل الأزرق، وما تأثير ذلك على قدرة مصر والسودان على إدارة مواردهما المائية؟
سد النهضة.. الأزمة التي لم تنتهِ بافتتاح السد
رغم اكتمال مشروع سد النهضة وافتتاحه رسميًا في إثيوبيا خلال سبتمبر 2025، فإن الخلاف مع مصر والسودان لم ينتهِ، إذ لا تزال القاهرة تطالب باتفاق قانوني ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل والتعامل مع فترات الجفاف والسنوات الشحيحة بالمياه، إلى جانب آليات تبادل البيانات.
وتؤكد تقارير حديثة أن السد، الذي تبلغ سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب، أصبح واقعًا مائيًا وسياسيًا جديدًا في حوض النيل، بينما تستمر المخاوف المصرية من تأثير أي مشروعات إضافية على تدفقات المياه.
وفي يوليو الماضي، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن المفاوضات الخاصة بسد النهضة وصلت إلى طريق مسدود، مع التشديد على احتفاظ مصر بحقها في حماية أمنها المائي إذا تعرض للضرر.
لماذا تعتبر القاهرة الملف قضية أمن قومي؟
مصر تعتمد بصورة شبه كاملة على نهر النيل في توفير احتياجاتها من المياه، في الوقت الذي تعاني فيه من فجوة بين الموارد المتاحة والاحتياجات المتزايدة نتيجة النمو السكاني والتوسع العمراني والزراعي.
وتشير بيانات منشورة إلى أن حصة مصر التاريخية من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، بينما تعتمد البلاد على النيل في الجزء الأكبر من احتياجاتها المائية.
ومن هنا تنظر القاهرة إلى أي تحكم منفرد في تدفقات النهر باعتباره قضية تتجاوز الخلاف الفني حول سد، لتصبح مرتبطة مباشرة بالأمن المائي والغذائي والاستقرار الاقتصادي.
إثيوبيا: تنمية وحق في استغلال الموارد
في المقابل، تتمسك أديس أبابا بحقها في استغلال مواردها المائية لتحقيق التنمية وتوليد الكهرباء، وترى أن مشروعاتها المائية جزء من استراتيجية اقتصادية طويلة المدى.
وتقول إثيوبيا إن سد النهضة يمثل مشروعًا رئيسيًا لإنتاج الطاقة ودعم التنمية، بينما أثارت تصريحات المسؤولين الإثيوبيين الأخيرة مخاوف جديدة في القاهرة، خصوصًا مع الحديث عن سدود إضافية على النيل الأزرق.
وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الخلاف تعقيدًا: إثيوبيا تتحدث عن حقها في التنمية، بينما تصر مصر على أن التنمية لا ينبغي أن تتم على حساب حقوق دول المصب أو دون قواعد ملزمة تمنع الإضرار بها.
3 سدود جديدة.. هل تتحول الأزمة إلى صراع طويل؟
التطور الأخطر في المشهد الحالي هو الحديث عن مشروعات سدود إثيوبية جديدة، إذ تناولت تقارير خططًا لإقامة ثلاثة سدود إضافية، وهو ما دفع القاهرة إلى إعلان رفضها القاطع لأي مشروعات مائية جديدة يمكن أن تؤثر في تدفقات النيل.
ويرى خبراء أن أهمية التطور لا تكمن فقط في كمية المياه التي قد تخزنها هذه المشروعات، وإنما في تغيير طبيعة إدارة النهر إذا تحولت إثيوبيا إلى دولة تتحكم في سلسلة من المنشآت المائية على مجرى النيل الأزرق.
وفي المقابل، لا يعني الحديث عن سدود إضافية بالضرورة أن تأثيرها سيكون مساويًا لسد النهضة؛ فالتأثير الفعلي يعتمد على مواقع السدود، وسعات التخزين، وأغراض التشغيل، ومعدلات التصريف، وطبيعة السنوات المائية.
هل تتجه الأزمة إلى مواجهة مفتوحة؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات مؤكدة على انتقال الأزمة إلى مواجهة عسكرية، لكن التصعيد السياسي والدبلوماسي أصبح أكثر وضوحًا، خصوصًا مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق ملزم بين الأطراف.
وتظل المسارات القانونية والدبلوماسية والإقليمية هي الأدوات الرئيسية في إدارة النزاع، فيما يمثل السودان طرفًا أساسيًا في معادلة النيل بحكم موقعه بين إثيوبيا ومصر وتأثره المباشر بأي تغيرات في تدفقات المياه.
كما أن استمرار الخلاف يفتح الباب أمام تدخلات ووساطات دولية وإقليمية جديدة، خصوصًا أن قضية النيل لم تعد شأنًا ثنائيًا بين القاهرة وأديس أبابا، بل أصبحت مرتبطة بتوازنات القرن الأفريقي والبحر الأحمر والأمن الغذائي والطاقة.
المعركة الحقيقية.. من يدير النهر؟
المشهد الحالي يكشف أن جوهر الأزمة لم يعد مجرد خلاف حول تشغيل سد النهضة، وإنما صراع على قواعد إدارة نهر عابر للحدود.
فالقاهرة تريد قواعد واضحة وملزمة تضمن عدم الإضرار بدولتي المصب، بينما تسعى أديس أبابا إلى تثبيت حقها في تنفيذ مشروعات مائية جديدة وفق رؤيتها للتنمية والسيادة على مواردها.
وبين الموقفين، يظل النيل هو الطرف الأكثر أهمية؛ فكل خطوة أحادية جديدة يمكن أن ترفع مستوى التوتر، بينما يبقى الاتفاق القانوني الشامل هو السيناريو الأكثر قدرة على منع تحول الخلاف المائي إلى أزمة إقليمية ممتدة.
فى النهاية
أزمة سد النهضة لم تنتهِ بافتتاح السد، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: من يضع قواعد المستقبل لنهر النيل؟ وإذا استمرت إثيوبيا في طرح مشروعات جديدة بالتوازي مع غياب اتفاق ملزم مع مصر والسودان، فإن ملف المياه مرشح لأن يصبح أحد أكثر ملفات الأمن الإقليمي حساسية في منطقة القرن الأفريقي وشمال أفريقيا.
إعداد: سها البغدادي
باحثة في الشأن العربي والدولي

تعليقات
إرسال تعليق