تحقيق : سها البغدادي
هل أصبح المواطن مطالبًا بإثبات أنه لم يرتكب جريمة باستخدام بياناته؟ ومن يتحمل مسؤولية وصول بياناته إلى منتحلي الشخصية؟
في عصر التحول الرقمي، لم تعد صورة بطاقة الرقم القومي مجرد ورقة لإثبات الهوية، وإنما أصبحت مفتاحًا للوصول إلى عشرات الخدمات والمعاملات.
المواطن يقدم بياناته لجهات عديدة: مدرسة لإلحاق ابنه، بنك للحصول على خدمة، شركة اتصالات لشراء خط، شركة تمويل للحصول على سلعة بالتقسيط، وجهات أخرى لا حصر لها.
لكن ماذا يحدث عندما يستيقظ المواطن ليكتشف أن قرضًا مسجلًا باسمه لم يحصل عليه، أو شرائح محمول مسجلة باسمه لم يستخدمها، أو بياناته استُخدمت في معاملة لم يطلبها؟
هنا يجب أن يتغير السؤال من:
«كيف سمحت بتسريب بياناتك؟»
إلى سؤال أكثر أهمية:
«من الجهة التي سمحت باستخدام بياناتك لإنشاء معاملة جديدة دون التحقق الحقيقي من أنك صاحبها؟»
القرض ليس بطاقة.. فمن وقع العقد؟
وجود صورة بطاقة المواطن داخل ملف قرض لا يعني بالضرورة أن المواطن هو من حصل على القرض.
المسألة الأكثر أهمية هي: كيف تم التحقق من شخصية طالب التمويل؟
هل تم التحقق من حضوره شخصيًا؟
هل تمت مطابقة الوجه مع بطاقة الرقم القومي؟
هل توجد بصمة أو توقيع إلكتروني موثق؟
هل تمت مراجعة رقم الهاتف المرتبط بالعميل؟
وهل توجد سجلات إلكترونية يمكنها تحديد الجهاز والمكان والوقت الذي تمت منه العملية؟
هذه الأسئلة ليست رفاهية؛ لأن قبول طلب تمويل اعتمادًا على بيانات يمكن الحصول عليها من صورة بطاقة فقط يفتح الباب أمام انتحال الشخصية والاحتيال المالي.
والأخطر أن يتحول المواطن من ضحية إلى متهم، لمجرد أن اسمه ظهر على شاشة نظام إلكتروني.
المواطن يقدم بياناته لأنه مضطر
عندما يطلب ولي الأمر إدخال ابنه مدرسة، فمن الطبيعي أن تقدم المدرسة بياناته وبيانات الطفل وفق الإجراءات المطلوبة.
وعندما يطلب المواطن خدمة بنكية أو اتصالية، فمن الطبيعي أن تطلب الجهة إثبات هويته.
لكن تقديم البيانات لغرض محدد لا يعني منح الجهة التي حصلت عليها حق استخدامها في أي غرض آخر.
وهنا يأتي جوهر القضية:
من يحمي البيانات بعد أن يسلّمها المواطن؟
فقانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 وضع إطارًا قانونيًا لحماية البيانات الشخصية وتنظيم عمليات جمعها ومعالجتها واستخدامها.
وبالتالي فإن حماية البيانات ليست مسؤولية المواطن وحده؛ وإنما مسؤولية مشتركة تبدأ من الجهة التي تجمع البيانات وتمتد إلى كل جهة تقوم بمعالجتها أو استخدامها وفقًا للقانون.
مفاجأة شرائح المحمول
القضية لم تعد مجرد مخاوف نظرية.
ففي 7 أغسطس 2026، أصدر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بيانًا رسميًا بشأن ظهور خطوط محمول مسجلة بأسماء بعض المواطنين دون علمهم.
ودعا الجهاز المواطنين إلى الاستعلام بصورة دورية عن الأرقام المسجلة بأسمائهم عبر تطبيق My NTRA، والإبلاغ عن أي خط غير معلوم لهم.
والأهم أن الجهاز أكد أن مجرد تسجيل الخط باسم المواطن لا يعني تلقائيًا مسؤوليته عن الجرائم التي قد تُرتكب باستخدامه إذا ثبت أن الخط لا يخصه ولم يكن تحت سيطرته الفعلية.
وهذه نقطة شديدة الأهمية في حماية المواطن من تحول «انتحال الهوية» إلى «مسؤولية جنائية» لمجرد ظهور بياناته على النظام.
لكن السؤال: كيف سُجل الخط من البداية؟
هنا يجب أن يبدأ التحقيق الحقيقي.
إذا كان المواطن لم يطلب الخط، فمن قام بإجراءات التسجيل؟
ومن أين حصل على بياناته؟
وكيف تمت مطابقة الهوية؟
وهل كانت هناك مخالفة في إجراءات البيع والتسجيل؟
وهل توجد آليات رقابية تكشف هذه الحالات قبل أن يستخدم الخط في جريمة؟
الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يتيح للمواطنين قنوات لتقديم الشكاوى، كما توجد منصة رسمية لشكاوى مستخدمي الاتصالات.
لكن المطلوب لا ينبغي أن يتوقف عند معالجة شكوى المواطن بعد اكتشاف المشكلة.
المطلوب هو منع المشكلة من الأصل.
من المسؤول عندما تُسرق الهوية؟
المسؤولية يجب أن توزع وفقًا لما تكشفه التحقيقات:
أولًا: منتحل الشخصية
إذا ثبت أنه استخدم بيانات الغير للحصول على قرض أو خط أو خدمة، فهو المسؤول عن فعل الاحتيال أو التزوير وفقًا لما يثبته التحقيق والقانون.
ثانيًا: الجهة التي أنشأت المعاملة
إذا ثبت أنها لم تطبق إجراءات التحقق المطلوبة أو قصّرت في حماية بيانات العملاء، فهنا تطرح مسألة مسؤوليتها القانونية والتنظيمية بحسب طبيعة الواقعة.
ثالثًا: الجهة التي سربت أو أساءت استخدام البيانات
إذا ثبت أن البيانات خرجت من جهة كانت تحتفظ بها واستُخدمت بصورة غير مشروعة، فهذه واقعة تستوجب التحقيق والمساءلة.
رابعًا: الجهات الرقابية
دورها ليس أن تتحمل كل جريمة، وإنما أن تضع قواعد تحقق ورقابة فعالة وتتابع التزام المؤسسات بها.
البنك المركزي.. مسار شكوى واضح
في الحالات المتعلقة بالبنوك، يحدد البنك المركزي المصري مسارًا لتقديم شكاوى العملاء يبدأ بتقديم الشكوى إلى البنك نفسه، وعلى البنك إعطاء العميل رقمًا مرجعيًا للشكوى خلال مدة لا تتجاوز يومي عمل.
وهذا يطرح سؤالًا مهمًا:
إذا كان المواطن ينكر أصلًا أنه صاحب القرض أو المعاملة، فهل يتم التعامل معه أولًا باعتباره عميلًا متعثرًا، أم باعتباره مشتبهًا في تعرضه لانتحال شخصية واحتيال؟
الفرق بين الموقفين جوهري.
المواطن ليس خط الدفاع الأخير
لا يمكن اختزال حماية الهوية في نصيحة للمواطن تقول:
«حافظ على صورة بطاقتك».
نعم، المواطن مسؤول عن عدم نشر بياناته بلا ضرورة، لكن المؤسسات التي تجمع البيانات مسؤولة أيضًا عن تأمينها، والجهات التي تمنح خدمات مالية أو اتصالات مسؤولة عن التحقق من هوية من يطلب الخدمة.
فإذا استطاع شخص أن يحصل على خدمة مالية أو خط اتصالات باسم مواطن آخر دون حضوره أو موافقته، فإن السؤال المنطقي ليس فقط:
«أين كانت بطاقة المواطن؟»
بل أيضًا:
«أين كانت منظومة التحقق؟»
المطلوب.. منظومة لا تلقي الفاتورة على المواطن
الحل ليس في مطالبة المواطن بمزيد من الحذر فقط، وإنما في بناء منظومة تحقق تمنع استخدام الهوية المسروقة.
ومن أهم الإجراءات التي تستحق الدراسة:
ربط أي قرض أو تمويل جديد بتحقق رقمي قوي من هوية طالب الخدمة.
إخطار المواطن فورًا عند إنشاء التزام مالي جديد باسمه.
- تمكين المواطن من معرفة الجهات التي استخدمت بياناته في المعاملات المسموح بها قانونًا.
تشديد الرقابة على إجراءات إصدار شرائح المحمول.
إنشاء آلية موحدة وسريعة لإثبات انتحال الشخصية ووقف آثار المعاملة مؤقتًا لحين انتهاء التحقيق.
تحميل الجهة المقصرة مسؤولية التقصير إذا ثبت أنها لم تطبق إجراءات التحقق والحماية المطلوبة.
السؤال الذي يجب ألا يهرب منه أحد
المواطن لا يطلب امتيازًا.
هو يطلب فقط ألا يتحول رقم بطاقته القومية إلى تهمة، وألا تتحول صورة قدمها للحصول على خدمة مشروعة إلى وسيلة للحصول على قرض لم يطلبه أو خط لم يستخدمه.
فإذا كان المواطن مطالبًا بتقديم بياناته للدولة وللمؤسسات المرخصة للحصول على الخدمات، فمن حقه أن يسأل:
من يحمي هذه البيانات بعد أن أُجبر على تقديمها؟
وإذا وقعت جريمة باستخدام بياناته دون علمه:
هل المطلوب من المواطن أن يدفع ثمن الجريمة، أم أن تبدأ الدولة والمؤسسات أولًا بالبحث عمن انتحل شخصيته، وكيف تمكن من عبور منظومة التحقق؟
المواطن ليس مسؤولًا عن فساد أو تقصير لم يرتكبه.. وحماية الهوية ليست مسؤولية المواطن وحده، وإنما اختبار حقيقي لكفاءة منظومة الرقابة.

تعليقات
إرسال تعليق