خريجون أمام أبواب مغلقة.. وصيدليات تصارع الخسائر.. ومصانع أدوية لا تستطيع استيعاب الجميع.. فهل أصبحت مصر بحاجة إلى «صيدلة أقل» أم «سوق عمل أكبر»؟
تحقيق – سها البغدادي
في الوقت الذي يواصل فيه سوق الدواء المصري تسجيل أرقام ضخمة في المبيعات، ويضم أكثر من 170 مصنعًا للأدوية البشرية، يجد آلاف خريجي كليات الصيدلة أنفسهم أمام سؤال صعب: أين الوظيفة؟
المفارقة تبدو أكثر وضوحًا عندما نضع الرقمين جنبًا إلى جنب؛ فالسوق الدوائي في مصر كبير ومتنامٍ، إذ تجاوزت مبيعات الأدوية عبر الصيدليات 180 مليار جنيه خلال أول سبعة أشهر من 2026، مع توقعات بتجاوز 325 مليار جنيه بنهاية العام، وفق بيانات وتصريحات منشورة حديثًا.
لكن نمو سوق الدواء لا يعني بالضرورة نمو الوظائف بالصورة نفسها.
وهنا تبدأ قصة أزمة الصيادلة.
«مصر لديها فائض كبير».. أرقام تكشف حجم المشكلة
بحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام عن نقابة صيادلة القاهرة في 2025، بلغ عدد الصيادلة في مصر نحو 330 ألف صيدلي، وهو رقم اعتبره ممثلو النقابة مرتفعًا للغاية مقارنة بعدد السكان واحتياجات سوق العمل، وطالبوا بإعادة النظر في سياسات القبول بكليات الصيدلة وتقليل أعداد المقبولين.
لكن توجد أرقام أخرى رسمية أو شبه رسمية أقل من ذلك؛ فقد أشارت بيانات منشورة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى نحو 216 ألف صيدلي وفق دراسة استُشهد بها في مناقشات برلمانية وإعلامية خلال 2025.
وهذا التفاوت في الأرقام نفسه يكشف مشكلة مهمة: لا توجد أمام الرأي العام قاعدة بيانات موحدة ومحدثة بصورة واضحة تربط أعداد الصيادلة المسجلين فعليًا بأعداد العاملين والمتعطلين والمتقاعدين والمهاجرين.
لكن، بغض النظر عن الرقم الدقيق، هناك اتفاق متزايد بين أطراف المهنة على وجود تشبع واضح في سوق الصيدلة التقليدي.
الأزمة لم تعد «وظيفة في صيدلية» فقط
لسنوات طويلة كان المسار التقليدي لخريج الصيدلة واضحًا:
صيدلية – مستشفى – شركة أدوية – مصنع – تكليف حكومي.
اليوم، أصبحت هذه المسارات أكثر ضيقًا.
فالصيدليات الخاصة لا تستطيع استيعاب جميع الخريجين، كما أن امتلاك صيدلية لم يعد بالضرورة ضمانة للربح في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل، وتقلب أسعار الأدوية، وتكاليف العمالة والكهرباء والإيجارات، والمشكلات المتعلقة بالتوريد والمرتجعات.
وفي الوقت نفسه، فإن شركات ومصانع الأدوية تحتاج بالفعل إلى صيادلة في مجالات مثل التصنيع والجودة والتسجيل والبحث والتطوير والمبيعات الطبية، لكن عدد الوظائف المتاحة في هذه القطاعات لا يساوي أعداد الخريجين سنويًا.
وتضم مصر أكثر من 170 مصنعًا للأدوية البشرية، وفق بيانات هيئة الدواء المصرية، مع توجه لزيادة القاعدة الصناعية والتوسع في التصدير.
إذن المشكلة ليست أن قطاع الدواء «ميت»؛ بل أن حجم القطاع وفرصه لا يتناسبان مع التدفق الكبير للخريجين.
التكليف.. نقطة التحول الكبرى
ربما كان أخطر تطور بالنسبة لخريجي الصيدلة هو الانتقال من مفهوم التكليف الواسع إلى التكليف وفق الاحتياج الفعلي.
ففي مارس 2026، أعلن وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار أن نظام التكليف سيطبق وفق الاحتياج الفعلي، استنادًا إلى دراسات اللجنة العليا للتكليف التي أقرها مجلس الوزراء، مؤكدًا أن الدولة لا تستطيع تعيين جميع الخريجين دون النظر إلى احتياجات المنظومة الصحية.
وبالنسبة للصيادلة، لم يعد حصول الطالب على شهادة التخرج يعني تلقائيًا انتظار وظيفة حكومية كما كان يحدث في السابق.
الأزمة ظهرت بوضوح في دفعة 2023، بعدما طالبت نقابة الصيادلة وزارة الصحة بتكليف خريجي الدفعة بالكامل، بينما أثارت نسبة التكليف المحدودة غضب الخريجين والنقابة.
وهنا أصبح الخريج أمام معادلة جديدة:
شهادة جامعية + ترخيص مزاولة المهنة ≠ وظيفة حكومية مضمونة.
لماذا اتجهت الدولة إلى هذا النظام؟
من وجهة نظر الحكومة، القضية مرتبطة بالتخطيط للموارد البشرية.
فوزارة الصحة تقول إن التكليف يجب أن يرتبط بالاحتياج الحقيقي للمستشفيات والمنشآت الصحية، وليس بمجرد أعداد الخريجين.
وهذا المنطق مفهوم اقتصاديًا وإداريًا؛ فاستمرار تعيين أعداد تفوق حاجة المنظومة يعني زيادة فاتورة الأجور دون وجود وظائف حقيقية تؤدي إلى تحسين الخدمة.
لكن في المقابل، يبقى السؤال:
من كان مسؤولًا عن تقدير احتياجات سوق العمل عندما توسعت أعداد كليات الصيدلة والبرامج الخاصة والأهلية؟
وهنا تنتقل الأزمة من مسؤولية الخريج إلى مسؤولية التخطيط التعليمي.
كليات كثيرة.. وخريجون أكثر من قدرة السوق
شهدت مصر خلال السنوات الماضية توسعًا كبيرًا في التعليم الصيدلي.
وبدأت الدولة نفسها في التعامل مع مشكلة مواءمة التعليم مع سوق العمل.
ففي يوليو 2025 وافق مجلس الوزراء على تعديل بعض الأحكام المنظمة لكليات الصيدلة، بهدف تحديث النظام التعليمي وتعزيز التدريب العملي وإكساب الخريجين مهارات تتناسب مع احتياجات سوق العمل.
كما ظهرت خلال 2026 مقترحات لتقليل أعداد المقبولين في الكليات الطبية، ومنها الصيدلة، بهدف تحقيق قدر أكبر من التوازن بين أعداد الخريجين واحتياجات سوق العمل.
لكن خفض أعداد المقبولين اليوم لن يحل مشكلة آلاف الخريجين الموجودين بالفعل في السوق.
![]() |
| الدكتور ميناء جرجس |
«الدكتور مينا».. حين يصبح صاحب المؤهل الطبي «طيار طلبات»
ربما لم يكن هناك مشهد أكثر قدرة على اختصار الأزمة من قصة الدكتور مينا جرجس.
مينا صيدلي ظهر خلال الأيام الأخيرة في صدارة الاهتمام على مواقع التواصل بعدما عرف الجمهور أنه يعمل صيدليًا، وفي الوقت نفسه يعمل في توصيل الطلبات عبر تطبيق «طلبات» لزيادة دخله.
مينا تحدث عن تجربته باعتبارها عملًا إضافيًا، وأكد أن العمل ليس عيبًا وأنه لجأ إليه للحصول على دخل إضافي.
والقصة أصبحت أكثر دلالة بعدما ظهرت معلومات عن أن مينا كان يدير صيدلية، وأن ظروفًا مالية وديونًا ارتبطت بالصيدلية ساهمت في تغيير مساره.
المفارقة ليست أن «دكتورًا يعمل دليفري».
فالعمل الشريف لا يقلل من قيمة صاحبه.
المفارقة الحقيقية أن سنوات الدراسة والتخصص والماجستير لا تضمن لصاحبها بالضرورة دخلًا يكفي احتياجاته.
وهذا هو السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه على صانع القرار:
كيف نستثمر في تعليم آلاف الصيادلة ثم نترك جزءًا منهم يبحث عن مصدر دخل خارج تخصصه؟
النقابة تدخل على الخط.. ولكن هل يكفي التدخل الفردي؟
بعد انتشار قصة مينا، تحركت نقابة صيادلة القاهرة، والتقت بالصيدلي لمناقشة أزمته والعمل على توفير فرصة عمل مناسبة له.
كما أُعلن عن توفير فرص عمل للصيادلي من خلال التواصل مع شركات.
هذه خطوة إيجابية من الناحية الإنسانية والمهنية.
لكنها تكشف في الوقت نفسه مشكلة أكبر:
هل يجب أن تنتظر أزمة صيدلي حتى تتحول قصته إلى ترند لكي تتحرك النقابة؟
دور النقابة لا ينبغي أن يقتصر على حل حالات فردية، وإنما يجب أن يتحول إلى سياسة تشغيل وطنية للصيادلة.
ماذا تستطيع نقابة الصيادلة أن تفعل؟
هناك خمسة ملفات أساسية يمكن للنقابة التحرك فيها:
أولًا: قاعدة بيانات حقيقية
إنشاء قاعدة بيانات إلكترونية محدثة تشمل:
- عدد الصيادلة المقيدين.
- العاملين فعليًا.
- الباحثين عن العمل.
- العاملين خارج التخصص.
- المهاجرين.
- أصحاب الصيدليات.
- العاملين بالمصانع والشركات.
- الاحتياجات الفعلية لسوق الدواء.
بدون هذه البيانات ستظل القرارات مبنية على تقديرات متباينة.
ثانيًا: التفاوض على أعداد القبول
يجب أن يكون للنقابة دور رسمي في الدراسات الخاصة بأعداد المقبولين في كليات الصيدلة.
فالجامعة لا ينبغي أن تنتج أعدادًا من الخريجين بمعزل عن قدرة السوق على استيعابهم.
ثالثًا: فتح أسواق عمل جديدة
الصيدلي ليس مجرد شخص يقف خلف «كاونتر» الصيدلية.
يمكن توسيع فرص الصيادلة في:
التصنيع – الجودة – التسجيل الدوائي – اليقظة الدوائية – البحث والتطوير – التجارب السريرية – التأمين الصحي – المستشفيات – سلاسل الإمداد – التصدير – الصناعات الدوائية المتقدمة.
وتؤكد طبيعة صناعة الدواء نفسها أن للصيدلي أدوارًا متعددة داخل المصنع والشركة، وليس البيع بالتجزئة فقط.
رابعًا: حماية اقتصاديات الصيدليات
الصيدلي صاحب الصيدلية يعاني هو الآخر.
فهو ليس بالضرورة «رجل أعمال ثريًا»، بل قد يكون صاحب مشروع صغير يحمل مخزونًا دوائيًا كبيرًا، ويواجه تكاليف تشغيل وضرائب وأجورًا وإيجارات، بينما هامش الربح على بعض الأصناف محل جدل مستمر.
وفي 2026 طالبت جهات ممثلة للصيادلة برفع هامش الربح لمواجهة ارتفاع تكاليف التشغيل.
وبالتالي فإن إنقاذ المهنة يبدأ أيضًا من إنقاذ اقتصاديات الصيدلية الصغيرة.
خامسًا: اتفاقيات تشغيل مع شركات الدواء
يمكن للنقابة أن تنشئ منصة توظيف وطنية حقيقية تربط الخريجين بشركات الأدوية والمصانع والمستشفيات ومراكز الأبحاث.
بدل أن يبحث كل خريج بمفرده وسط عشرات الإعلانات غير المضمونة.
وماذا عن شركات ومصانع الأدوية؟
هنا يجب ألا نقع في خطأ تحميل الصناعة وحدها مسؤولية البطالة.
فالشركات نفسها تواجه تحديات كبيرة.
قطاع الدواء يعتمد بدرجات مختلفة على المواد الخام ومدخلات الإنتاج المستوردة، كما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتغيرات سعر الصرف وتكاليف النقل والتأمين تؤثر في تكلفة الصناعة.
وخلال 2026 تحدثت تقارير اقتصادية عن ضغوط على شركات الدواء بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج ومدخلات الصناعة وسلاسل الإمداد.
وفي الوقت نفسه، تسعى مصر إلى التوسع في التصنيع والتصدير؛ بل توجد خطط لزيادة عدد مصانع الدواء إلى نحو 250 منشأة بحلول 2030 وفق تصريحات رئيس غرفة صناعة الأدوية.
وهذا يعني أن التوسع الصناعي يمكن أن يكون جزءًا من الحل إذا ارتبط بتوطين الصناعات الدوائية المتقدمة وزيادة البحث والتطوير والتصدير، وليس مجرد زيادة خطوط إنتاج المستحضرات التقليدية.
الحكومة.. أين يبدأ الحل؟
الحكومة أمام معادلة صعبة:
لا تستطيع تعيين كل الخريجين.
وفي الوقت نفسه لا يمكن أن تستمر في السماح بتوسع التعليم الصيدلي دون ربطه باحتياجات السوق.
لذلك فإن الحل يجب أن يبدأ من التخطيط قبل التخرج وليس بعده.
الحل الأول: ربط أعداد القبول بسوق العمل
تحديد أعداد المقبولين سنويًا وفق دراسة مشتركة بين:
وزارة التعليم العالي + وزارة الصحة + هيئة الدواء + نقابة الصيادلة + غرفة صناعة الأدوية + الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
الحل الثاني: خريطة وطنية للوظائف
تحديد عدد الصيادلة المطلوبين خلال خمس وعشر سنوات في:
المستشفيات، المصانع، شركات الدواء، التأمين الصحي، هيئة الدواء، البحث العلمي، الجامعات، الصيدليات، وسوق التصدير.
الحل الثالث: إعادة تعريف وظيفة الصيدلي
يجب الانتقال من النموذج التقليدي:
«صيدلي = صيدلية»
إلى:
«صيدلي = منظومة دوائية كاملة».
الحل الرابع: التوسع في الصناعات الدوائية ذات القيمة المضافة
مصر تمتلك قاعدة صناعية كبيرة، لكن المطلوب زيادة الوظائف النوعية في مجالات التكنولوجيا الحيوية، المستحضرات المعقدة، المواد الخام، البحث والتطوير والتجارب السريرية.
الحل الخامس: برنامج وطني لإعادة تأهيل الخريجين
بدل ترك الخريج أمام خيارين: صيدلية أو بطالة، يمكن إنشاء برامج تدريب مدعومة في:
- اليقظة الدوائية.
- التسجيل الدوائي.
- الجودة.
- التصنيع.
- التجارب السريرية.
- تحليل البيانات.
- سلاسل الإمداد.
- التصدير.
المشكلة ليست في الصيدلي وحده
أزمة الصيدلة المصرية في حقيقتها أزمة تخطيط لسوق العمل.
فإذا كان هناك عدد أكبر من قدرة السوق على الاستيعاب، فالمشكلة لا تبدأ يوم تخرج الطالب.
بل تبدأ منذ اللحظة التي يقرر فيها نظام التعليم:
كم طالبًا سندخله كلية الصيدلة؟
وتستمر عندما يتخرج الطالب دون أن يعرف:
كم وظيفة تنتظره؟
ثم تتفاقم عندما يجد صاحب الصيدلية نفسه عاجزًا عن تحقيق هامش ربح يتناسب مع تكاليف التشغيل.
وتصل إلى ذروتها عندما نرى صيدليًا مثل مينا جرجس يعمل في توصيل الطلبات لزيادة دخله.
«مينا» ليس المشكلة.. بل علامة على المشكلة
من الظلم أن تتحول قصة مينا إلى مادة للسخرية أو الشفقة.
فهو لم يرتكب خطأ عندما اختار العمل الحلال.
لكن قصته تستحق أن تكون جرس إنذار لصانع القرار.
فالعمل الشريف ليس عيبًا، لكن الدولة مطالبة بأن تسأل:
لماذا لا يجد خريج مؤهل في مهنة طبية طريقًا اقتصاديًا مستقرًا داخل تخصصه؟
وهنا يجب أن يكون الهدف ليس منع الصيدلي من العمل في «طلبات»، ولا التقليل من قيمة أي مهنة.
بل أن يكون الهدف:
ألا يصبح العمل خارج التخصص هو الحل الوحيد أمام خريج قضى سنوات طويلة في دراسة مهنة يفترض أن يحتاجها المجتمع.
فى النهاية
أزمة الصيادلة في مصر ليست أزمة «قلة وظائف» فقط، وليست أزمة «كثرة خريجين» فقط.
إنها نتيجة تداخل عدة أزمات:
زيادة أعداد الخريجين + تشبع سوق الصيدليات + محدودية التكليف الحكومي + ارتفاع تكلفة تشغيل الصيدليات + تحديات صناعة الدواء + ضعف الربط بين التعليم واحتياجات سوق العمل.
وقد بدأت الدولة بالفعل في التحرك نحو ربط التكليف بالاحتياج الفعلي، كما اتجهت إلى تعديل منظومة التعليم والتدريب الصيدلي.
لكن المطلوب الآن هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى منع تكرارها.
فليس منطقيًا أن نستمر في تخريج أعداد كبيرة من الصيادلة، ثم نسأل بعد سنوات:
أين سنوظفهم؟
السؤال الصحيح يجب أن يُطرح قبل دخولهم الجامعة:
كم صيدليًا تحتاجه مصر فعلًا؟ وما نوع الصيدلي الذي يحتاجه اقتصاد الدواء المصري خلال السنوات العشر المقبلة؟
وإلى أن تتم الإجابة عن هذا السؤال، ستظل قصص مثل قصة الدكتور مينا قادرة على العودة من جديد، ليس لأنها قصة غريبة، وإنما لأنها تكشف وجعًا أوسع داخل مهنة كاملة.
مهنة تحتاج إلى إنقاذ سوق العمل فيها، لا إلى إنقاذ صورتها.


تعليقات
إرسال تعليق