اشتري المصري.. ولكن لا تجعلوا الوطنية فاتورة يدفعها المواطن

بقلم: سها البغدادي

إذا كنا نريد بالفعل تقليل الضغط على العملة الصعبة، وخفض فاتورة الاستيراد، ودعم الاقتصاد الوطني، فعلينا أن نعيد الاعتبار إلى المنتج المصري، وأن نجعل شراء السلع المحلية سلوكًا اقتصاديًا وطنيًا وليس مجرد شعار.


لكن هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها:

المواطن لن يشتري المنتج المصري لمجرد أنه مصري.

المستهلك يريد منتجًا جيدًا، وسعرًا عادلًا، وجودة تجعله يشعر أنه لم يخسر عندما اختار الصناعة الوطنية بدلًا من المستورد.


وهنا يأتي دور الدولة.


لا يكفي أن نقول للمواطن: «قاطع المستورد واشترِ المصري»، بينما يجد أحيانًا أن المنتج المحلي أغلى من المستورد أو أقل جودة.


إذا أردنا أن نطلب من المواطن أن يدعم الصناعة الوطنية، فعلينا في المقابل أن نمنحه منتجًا وطنيًا قادرًا على المنافسة.


لا نريد مقاطعة المستورد فقط.. نريد صناعة مصرية تنافسه

المنافسة الحقيقية لا تعني إغلاق الباب أمام المستورد بشكل مطلق، وإنما تعني أن يصبح المصنع المصري قادرًا على إنتاج سلعة تستطيع أن تقف أمام المنتج الأجنبي وتقول للمستهلك:


«اختارني.. لأنني أفضل أو على الأقل أكثر قيمة مقابل السعر».

وهذا لن يحدث إلا من خلال دعم الصناعة، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتسهيل الإجراءات، وتشجيع الاستثمار الصناعي، وفي الوقت نفسه تشديد الرقابة على الأسواق.


فليس من المنطقي أن نطالب المواطن بالصبر وتحمل الأسعار المرتفعة بحجة دعم المنتج المحلي، بينما يظل السؤال قائمًا:


هل السعر عادل فعلًا؟ وهل الجودة تستحق ما يدفعه المواطن؟


المنتج المصري يحتاج إلى ثقة المواطن


المعركة الحقيقية ليست مع المستورد فقط، وإنما مع ثقة المستهلك.


عندما يشتري المواطن منتجًا مصريًا ويجده جيد الجودة، وسعره مناسب، وضمانه وخدمات ما بعد البيع محترمة، فسوف يعود لشرائه مرة أخرى دون أن يحتاج أحد إلى إقناعه.


أما إذا اشترى منتجًا محليًا بسبب دعوات المقاطعة ثم اكتشف أن سعره أعلى وجودته أقل، فقد نخسر شيئًا أخطر من عملية بيع واحدة:


نخسر ثقة المواطن في الصناعة الوطنية.


وهنا يجب أن تكون الرسالة واضحة:


نحن مع المنتج المصري.. لكننا أيضًا مع حق المواطن في الحصول على سعر عادل وجودة حقيقية.


الوطنية لا تعني أن يدفع المواطن أكثر


دعم الاقتصاد الوطني لا يجب أن يتحول إلى مبرر لارتفاع الأسعار.


نعم، المواطن يستطيع أن يضحي ويختار المنتج المصري دعمًا لبلده، لكن هذه التضحية يجب ألا تصبح فاتورة مفتوحة يدفعها وحده.


الدولة مطالبة بأن تراقب الأسواق، وتواجه الممارسات الاحتكارية، وتمنع استغلال ارتفاع الطلب على المنتج المحلي لرفع الأسعار دون مبرر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مصالح المنتج والمصنع.


فالمعادلة المطلوبة ليست:

مصنع يكسب.. ومستهلك يدفع.

وإنما:

مصنع يتوسع.. عامل يعمل.. اقتصاد ينمو.. ومستهلك يحصل على سلعة جيدة بسعر عادل.


نريد «اشتري المصري» أن تصبح ثقافة


شراء المنتج المصري يمكن أن يكون أحد أدوات دعم الاقتصاد، وتوفير العملة الأجنبية، وتشغيل المصانع، والحفاظ على فرص العمل، وزيادة الإنتاج المحلي.


لكن نجاح هذه الفكرة يحتاج إلى منظومة كاملة.

الدولة تدعم وتراقب.

المصنع يطور ويخفض التكلفة ويحسن الجودة.

والمواطن يختار المنتج المصري عندما يجد فيه الجودة والسعر المناسب.


عندها فقط نستطيع أن نقول إننا نبني صناعة وطنية قوية لا تحتاج إلى الاستجداء العاطفي من المواطن.


نريد أن يصل المواطن إلى المتجر، فيرى المنتج المصري ويختاره لأنه أفضل وأجود وأكثر قيمة، وليس فقط لأنه مصري.

اشتري المصري.. نعم.

ادعم الصناعة الوطنية.. بكل قوة.


لكن في المقابل، نريد صناعة مصرية تستحق الدعم، وأسعارًا تستحقها، ورقابة تحمي المواطن والمنتج معًا.


لأن أقوى شعار يمكن أن نرفعه ليس:


«قاطع المستورد» فقط..

وإنما:

«اصنع في مصر.. بجودة تنافس العالم، وسعر يكسب ثقة المصريين».

تعليقات