![]() |
| سها البغدادي |
تحقيق .. سها البغدادي
لماذا تحولت جدارية استهدفت تجميل ميدان التحرير وإبراز الحضارة المصرية إلى أزمة على مواقع التواصل؟ ومن صاحب الرسومات؟ وهل كانت بالفعل تروّج للأفروسنتريك؟
أثارت رسومات ظهرت على أسوار بالقرب من المتحف المصري وميدان التحرير جدلًا واسعًا خلال الأيام الماضية، بعدما ظهرت بعض الشخصيات الفرعونية، وعلى رأسها الملكة نفرتيتي والملك توت عنخ آمون، بملامح وألوان اعتبرها بعض المتابعين غير متوافقة مع الصورة التاريخية المعروفة، وربطوها بأفكار «الأفروسنتريك».
لكن خلف الجدل قصة مختلفة بدأت بهدف معلن هو تجميل المكان وإبراز الحضارة المصرية.
من رسم الجدارية؟
العمل نفذته مبادرة شبابية تحمل اسم «رسمة بسمة»، أسسها الشاب أحمد موسى، بمشاركة مجموعة من المتطوعين الشباب.
وبحسب موسى، فإن المبادرة تلقت اتصالًا من إحدى شركات الدهانات الكبرى لعمل تصميم للسور المطل على ميدان التحرير والمجاور للمتحف المصري، وذلك بالتزامن مع زيارة الرئيس الصيني لمصر.
وأوضح أن الجدارية امتدت لنحو 66 مترًا، وشارك في تنفيذها نحو 30 شابًا، واستغرق العمل سبعة أيام.
لماذا اختيرت هذه الرسومات؟
الفكرة الأصلية كانت تقديم صورة بصرية عن الحضارة المصرية؛ فظهرت الأهرامات، ومفتاح الحياة، وقناع توت عنخ آمون، ونفرتيتي، إلى جانب عناصر مرتبطة بالنيل والحياة في مصر القديمة.
وكان الهدف، وفق رواية مؤسس المبادرة، أن تكون الجدارية تحية للرئيس الصيني خلال زيارته لمصر، وفي الوقت نفسه عملًا لتجميل المنطقة وإبراز الحضارة المصرية.
أين بدأت الأزمة؟
مع انتشار صور الجدارية على مواقع التواصل الاجتماعي، ركزت الانتقادات بصورة خاصة على لون وملامح وجوه الشخصيات الفرعونية.
واعتبر بعض المتابعين أن الشكل النهائي يشبه الأعمال المرتبطة بأفكار «الأفروسنتريك»، وهو ما أشعل موجة انتقادات واسعة.
لكن اللافت أن منفذي الجدارية نفوا وجود أي توجه من هذا النوع.
وقال أحمد موسى إن ما حدث كان خطأ غير مقصود، مرجعه إلى ضيق الوقت وقلة الخبرة والاستعانة بالذكاء الاصطناعي في إعداد بعض التصميمات. كما أكد أن أعضاء الفريق مصريون، وأن الهدف كان الاحتفاء بالحضارة المصرية وليس تغيير هويتها.
الذكاء الاصطناعي دخل على خط الأزمة
بحسب رواية مؤسس المبادرة، استعان الفريق بالذكاء الاصطناعي في مرحلة إعداد التصميمات، وتم إعداد نحو 100 تصميم، ثم جرى اختيار 16 تصميمًا قبل اعتماد التصميم النهائي من الشركة وإدارة الحي.
وهنا تظهر واحدة من أهم نقاط القصة:
هل يكفي استخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم عمل يتعلق بتاريخ وحضارة مصر القديمة دون مراجعة متخصصة دقيقة؟
رئيس المجلس المصري للفنون التشكيلية، الدكتور أشرف رضا، انتقد طريقة التنفيذ، مؤكدًا أن الأعمال الفنية في الأماكن العامة تحتاج إلى دراسة وتصميم ومراجعة وإشراف متخصص، مشيرًا كذلك إلى وجود أخطاء في الكتابات الهيروغليفية، بحسب تصريحاته.
لماذا أزيلت الرسومات؟
مع تصاعد الجدل، تدخلت محافظة القاهرة، وتم محو الرسومات وطلاؤها.
وأفادت مصادر محلية بأن قرار الإزالة جاء بعد ردود الفعل والانتقادات المتعلقة بالشكل النهائي، خصوصًا الملامح والألوان التي أثارت الجدل، بينما أوضحت المحافظة أن ما ظهر كان نتيجة أخطاء في التنفيذ وأن الرسومات لم تكن قد وصلت إلى شكلها النهائي.
ثم أكد مصدر بمحافظة القاهرة أن جميع الرسومات الموجودة على أسوار ميدان التحرير أزيلت، وليس فقط صورتي نفرتيتي وتوت عنخ آمون.
المفارقة.. المشروع كان بتكليف من المحافظة
ربما تكون هذه النقطة الأهم في القصة.
فبحسب ما نشرته «الأهرام» نقلاً عن أحمد موسى، فإن تنفيذ جدارية المتحف المصري جاء بتكليف من محافظة القاهرة لتجميل الموقع، كما أوضح أن التصميم النهائي تم اختياره من خلال الشركة وإدارة الحي.
وبالتالي، فإن القضية لا تتعلق فقط بشباب رسموا على جدار ثم أزيلت رسوماتهم، وإنما تطرح سؤالًا أكبر:
أين كانت المراجعة الفنية والتاريخية قبل تنفيذ العمل في واحد من أهم المواقع الأثرية والسياحية في القاهرة؟
وفي النهاية
القصة، وفق المعلومات المتاحة، لا تثبت أن منفذي الرسومات كانوا يتبنون فكر الأفروسنتريك.
الثابت أن رسومات ذات طابع فرعوني أثارت جدلًا بسبب ملامح وألوان بعض الشخصيات، وأن منفذيها قالوا إن الأمر كان خطأ غير مقصود، وإن الذكاء الاصطناعي وضيق الوقت وقلة الخبرة ساهمت في ظهور التصميم بهذا الشكل. وبعد تصاعد الانتقادات، أزيلت الرسومات بالكامل.
لكن الأزمة تترك درسًا أهم من الجدل نفسه:
الحضارة المصرية ليست مساحة للتجربة العشوائية، خصوصًا عندما يكون العمل في مواجهة المتحف المصري وفي قلب ميدان التحرير.
فالفن في الأماكن العامة ليس مجرد ألوان على حائط؛ إنه رسالة عن هوية الدولة وتاريخها أمام المصريين والعالم، ولذلك فإن أي عمل فني مرتبط بالحضارة المصرية يحتاج إلى فنانين ومتخصصين في الآثار والتاريخ، ومراجعة دقيقة قبل أن تتحول المبادرة الجميلة إلى أزمة.

تعليقات
إرسال تعليق