أنا والجنوب العربي.. حكاية بدأت ببخور دافئ في غربة 2007



من مذكراتي | سها البغدادي


لم تبدأ حكايتي مع الجنوب العربي من السياسة، ولم يكن وراءها موقف سياسي أو حسابات إعلامية، بل بدأت من موقف إنساني بسيط، في أيام غربتي بالمملكة العربية السعودية عام 2007.


في الأيام الأولى من غربتي، اضطررت إلى الانتقال من الرياض إلى منطقة القصيم، ولم أكن قد وضعت في حساباتي الفارق الكبير في درجات الحرارة بين المنطقتين، خاصة شدة البرودة في القصيم.


وفي السكن الجديد، أصبت بنزلة برد شديدة، وبينما كنت أحاول التأقلم مع الغربة والمرض، فوجئت بجارتي تدخل عليّ حاملة البخور، في محاولة منها لتدفئتي ومساعدتي على تجاوز البرد.


كان موقفًا بسيطًا، لكنه ترك أثرًا كبيرًا في نفسي.


سألتها عن موطنها، فقالت: أنا من الجنوب.


فسألتها: أي جنوب؟


فأجابتني بكل وضوح: أنا من الضالع، من الجنوب العربي، وعاصمته عدن.


ومن هنا بدأت أولى خيوط حكايتي مع الجنوب.


جلست أستمع إليها وهي تحكي لي عن تاريخ الجنوب، وعن أحداث عام 1994، ودخول قوات الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح إلى الجنوب، وما أعقب ذلك من معاناة وأحداث تركت آثارها في نفوس كثير من الجنوبيين.


لم أكن وقتها متعمقة في الشأن السياسي، لكنني بدأت أرى القضية من زاوية إنسانية مختلفة، وأشعر بأن وراء الحكايات التي سمعتها شعبًا يحمل ذاكرة من الألم ومعاناة تستحق أن تُسمع.


ومع انطلاق الحراك الجنوبي فى ٢٠٠٧ ، الذي أعلن رفضه للواقع السياسي القائم وطالب باستعادة دولة الجنوب بحدود ما قبل وحدة عام 1990، بدأت أتابع تطورات القضية باهتمام أكبر.


في تلك المرحلة، كان تعاطفي مع الجنوب إنسانيًا بالدرجة الأولى، ولم يكن موقفًا سياسيًا معلنًا؛ فقد كان عملي الإعلامي آنذاك منصبًا على قضايا الأسرة والطفل، ولم أكن قد اتجهت بعد إلى التخصص في الشأن السياسي.


لكن مع بداية أحداث الربيع العربي، اتسعت دائرة اهتمامي، وبدأت أبحث وأقرأ وأتعمق في تاريخ القضية الجنوبية وتطوراتها السياسية، حتى أصبح قلمي حاضرًا في الدفاع عنها، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك.


وهكذا لم تبدأ علاقتي بالجنوب من مؤتمر سياسي أو لقاء مع مسؤول، بل بدأت من امرأة جنوبية رأتني مريضة في غربتي، فدخلت عليّ بالبخور والدفء، وتركت في ذاكرتي حكاية لم تنتهِ حتى اليوم.


ربما لا نختار دائمًا القضايا التي تلمس قلوبنا، لكن بعض المواقف الإنسانية تفتح أمامنا أبوابًا لا نعرف إلى أين ستأخذنا.


هذه كانت بداية حكايتي مع الجنوب العربي.. حكاية بدأت بالإنسان، ثم امتدت إلى التاريخ والسياسة والإعلام.


أنا والجنوب.. لم تبدأ الحكاية بموقف سياسي، بل بقلب شعر بوجع شعب.

تعليقات